لندن ـ «القدس العربي»: هل حسم الرئيس عبد الفتاح السيسي أمره وقرر الوقوف إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد؟ سؤال أجاب عليه أورين كيسلر، نائب مدير منظمة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن.
وبدأ مقالته، التي نشرتها دورية «فورين أفيرز»، بالإشارة إلى هبوط طائرة نقل عسكرية روسية في القاعدة العسكرية الروسية في اللاذقية ومن ثم في مطار عسكري قرب الحدود المصرية – الليبية وعودتها بعد ذلك إلى سوريا.
ويتحدث كيسلر عن تقارير صحافية لم تؤكد عن إرسال الحكومة المصرية قواتها إلى سوريا لدعم النظام السوري في النزاع الذي يدور منذ ست سنوات. و«في النظرة الأولى تؤكد الرحلات الشكوك هذه. فلم تكن الوجهة النهائية لهذه الطائرات روسيا لنقل جرحى من أتباع الرجل القوي والمتحالف مع الكرملين الجنرال خليفة حفتر ليعالجوا هناك. ولكن حقيقة تعاون القاهرة مع محور موسكو ـ دمشق في عملية كهذه يؤكد أحد أهم الأسرار: وهي أن القاهرة تدعم نظام بشار الأسد».
ويحاول الكاتب ربط هذا الحادث بالطريقة التي تصرف بها النظام المصري، ففي تشرين الثاني/نوفمبر تحدث السيسي عن أولوية القاهرة وهي دعم «الجيوش الوطنية في ليبا مثلا» وقال متحدثا لصحيفة برتغالية «والأمر صحيح بالنسبة للعراق وسوريا» وعندما ضغطت الصحيفة إن كان يقصد النظام السوري، أجاب «نعم».
ويعلق الكاتب قائلا إن تصريح السيسي يعتبر الأول الذي تعترف فيه مصر، الحليف التقليدي للولايات المتحدة وبشكل مفتوح بأنها تقف إلى جانب الحكومة السورية. ولا يعتبر نظام الأسد حليفا لروسيا وإيران اللتين تعتبران عدوتين للولايات المتحدة بل ومسؤولا عن أزمة اللاجئين التي زعزعت استقرار القارة الأوروبية.
ويعلق الكاتب أن السيسي هو واحد من القادة العرب القلائل الذين عبروا عن دعم واضح لدمشق والتي علقت الجامعة العربية عضويتها منذ عام 2011.
ويقول كيسلر إن السيسي أصدر تلميحات متعاطفة مع سوريا منذ سنوات. ففي تموز/يوليو 2013 وبعد أسابيع من الإنقلاب على حكومة محمد مرسي، وافقت مصر وسوريا على إعادة العلاقات الدبلوماسية بعدما قطعتها حكومة الإخوان المسلمين بسبب سياسة القبضة الحديدية التي استخدمها نظام الأسد مع المتظاهرين ضده.
الانتظار
ومنذ ذلك الوقت تبنت مصر مدخل «انتظر وشاهد» لتعرف من سينتصر في الحرب السورية، قبل أن تعبر عن موقفها بشكل واضح.
فعندما كان الأسد في حالة دفاع عن النفس صيف عام 2015 قال السيسي لزاوره من الدبلوماسيين أنه يحضر لسقوط الأسد. إلا أن التدخل الروسي غير من المعادلة الحربية في النزاع السوري حيث خرج النظام السوري قويا وهو ما لاحظه السيسي نهاية العام الماضي واعتقد أن سوريا في وضع أحسن طالما ظل الأسد في السلطة. وبدأت مواقف النظام المصري تتوافق مع هذه النظرة.
ففي تشرين الأول/أكتوبر 2016 عندما كانت مصر عضوا في مجلس الأمن، وقف المبعوث المصري مع روسيا في المعارضة لقرار تقدمت به فرنسا يدعو لوقف مباشر للقصف الجوي على مدينة حلب التي كانت تتعرض لعمليات قصف جوي مكثف من الطيران الروسي ونظام دمشق.
وانضمت مصر في اليوم نفسه إلى روسيا، مع الصين وفنزويلا ودعمت مسودة معدلة للقرار تم حذف أي ذكر للمدينة منها. وفي الشهر نفسه كشف الإعلام السوري المؤيد للنظام عن اجتماع ثنائي سوري ـ مصري حضره المسؤولون الأمنيون في البلدين. ووصف المتحدث باسم الجيش السوري أن المحادثات حول عملية عسكرية مشتركة وصلت إلى مستويات «متقدمة». وأدت الميول المصرية تجاه النظام السوري إلى إغضاب السعوديين الذين دعموا نظام السيسي وضخوا منذ الإطاحة بمرسي أكثر من 25 مليار دولار. ووصفت الرياض التصرفات المصرية في مجلس الأمن بالمؤلمة. وردت السعودية بعد شهر وعلقت تصدير النفط لأجل غير محدد.
أسباب
ويتساءل كيسلر عن السبب الذي يدفع مصر إلى التقارب مع النظام السوري على حساب سمعتها الإقليمية وتغضب في الوقت نفسه حلفاءها السعوديين في وقت يعاني اقتصادها من ظروف سيئة.
ويجيب أن الموقف المصري نابع من طبيعة التهديد، فعلى خلاف السعودية وبقية دولة الخليج التي ترى أن التهديد نابع من إيران والنظام السوري، تتعامل مصر مع الإسلاميين وتنظيم «الدولة» (داعش) والإخوان بأنهم التهديد الأكبر.
فقد ظل الإخوان ولعقود أعداء للجيش المصري. ومنذ انقلابه بدأ السيسي بملاحقة وسجن قادتهم وعناصرهم. وفي الوقت نفسه يواجه السيسي تمردا في شبه جزيرة سيناء حيث قتل التنظيم مئات من جنود الجيش المصري.
ومن هنا فعندما ينظر السيسي إلى سوريا يرى هشاشة نظامه. فقد سيطرت عائلة الأسد على سوريا 4 عقود فيما يحكم الجيش المصري البلاد منذ الانقلاب على الملكية عام 1952. ويضيف الكاتب بعدا ثانيا للتقارب المصري ـ السوري وهو العداء لتركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان الذي يتجذر حزبه في الإسلام السياسي.
ومنذ عام 2013 يعتبر أردوغان من أكبر المعادين لنظام السيسي واحتضن قادة الإخوان وسمح بافتتاح عدد من القنوات التلفازية المعارضة للنظام المصري.
ومنذ اندلاع الثورة السورية استقبلت تركيا الملايين من اللاجئين السوريين وانضمت للمعسكر المعادي للأسد حيث دعمت الجماعات المعارضة له وطالبت حتى وقت قريب برحيله. ويربط الكاتب التقارب المصري ـ السوري بالعلاقة مع روسيا. فقد أدى توتر العلاقات مع إدارة باراك أوباما السابقة لدفع نظام السيسي إلى أحضان موسكو التي وقعت معها صفقات أسلحة.
وتنتظر الحكومة المصرية انفراجا في العلاقات مع الولايات المتحدة التي عبر رئيسها دونالد ترامب عن إعجاب بالسيسي ورغبة بالتعاون مع روسيا لمواجهة تنظيم «الدولة». وكشف الكاتب في نهاية مقاله أن عددا من المصريين الذين تحدث معهم يدعمون التقارب مع سوريا، إن بشكل تكتيكي أو صريح. صحيح أن هؤلاء كانوا سيرحبون برحيل الأسد بالطريقة نفسها التي أجبر فيها حسني مبارك على التنحي عن السلطة بعد ثورة شعبية إلا أن الشرق الأوسط عام 2017 يختلف عما كان عليه في بداية الثورات العربية عام 2011. ففي مصر قادت الثورة لحالة من الفوضى وصراع بين الجيش والإخوان المسلمين أما ليبيا واليمن وسوريا فقد حصدت الفوضى وتحولت لدول فاشلة. ويقول إن حالة الإجهاد في مصر قادت الكثيرين لدعم الاستقرار على حساب الحريات الشخصية. ويعتقد الكاتب أن العام الحالي وما يليه يحمل مفاجأة كبيرة وهي التقارب بين مصر حليفة الولايات المتحدة وسوريا المتحالفة مع روسيا وإيران. فالتحالف الآن ليس من أجل بناء ديمقراطيات بقدر ماهو متعلق بمكافحة الإرهاب والتنظيمات الإسلامية.
ومن هنا يعلق ريتشارد ستيغل في صحيفة «نيويورك تايمز»على محاولات إدارة ترامب تأكيد استخدام «الراديكالية الإسلامية» بدلا من «التطرف العنيف» الذي فضلت إدارة اوباما استخدامه.
مجرد تعبيرات
وقال «لم أكن قادرا، كمساعد لوزير الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة، ولمدة ثلاثة أعوام على استخدام العبارة، ولا أحد من إدارة أوباما. واستخدمنا عبارة أقل تحديدا وهي «التطرف العنيف» أو «مكافحة التطرف العنيف» التي أطلقناها على جهود مكافحة تنظيم «الدولة». وطوال الوقت ظلت الإدارة محلا للشجب من الجمهوريين ودونالد ترامب نفسه الذي قال ناقدا هيلاري كلينتون، المرشحة الديمقراطية «هؤلاء إرهابيون راديكاليون إسلاميون ولا تذكرهم هي أو الرئيس أوباما». وكان اتهام ترامب للإدارة السابقة هي انها مترددة بتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية. ويقول الكاتب إن تجنب استخدام مصطلح الراديكالية الإسلامية، له سبب عملي وهو عدم إغضاب حلفائنا من الدول الإسلامية ـ الأردن والإمارات والمصريين والسعوديين والذين اعتقدوا أن المصطلح يشوه سمعة الدين كله و«أخبرونا أنهم لا يعتبرون «الدولة» إسلامية وأوضح دليل هو تصرفاتها الوحشية ضد المسلمين . ولهذا مارسنا الحذر ووصفنا تنظيم «الدولة» كجماعة إرهابية يقوم بممارساته باسم الإسلام. وخلف الأضواء، فهم حلفاؤنا بالتأكيد أن «الدولة الإسلامية» ما هي إلا فهم منحرف ومتطرف للدين ولا تحظى إلا بدعم أقلية من المسلمين السنة. إلا أن تسميتهم بالراديكاليين الإرهابيين الإسلاميين لا يساعد».
ويعلق الكاتب قائلا إن ترامب يريد منا أن نتخلى عن مصطلح «التطرف العنيف» واستخدام «مواجهة التطرف الإسلامي» أو «مواجهة الراديكالية الإسلامية المتطرفة». ويقول الكاتب إنه لا يمانع تغيير الاسم لكن يجب عدم تغيير الإستراتيجية. فتنظيم الدولة لم يعد لا خلافة ولا «دولة» في العراق وسوريا ولم يحقق انتصارا عسكريا منذ عام ونصف. وانخفض تدفق المقاتلين الأجانب إلى العراق وسوريا بنسبة 90%. وتقول وزارة الدفاع الأمريكية أن تحرير الموصل يقترب. وذكر الكاتب قائلا بما قاله الملك عبدالله الثاني وهو إن الكفاح ضد تنظيم «الدولة» هو «معركتنا» أي معركة الإسلام. فالتفكير الذي يقول إن تنظيم «الدولة» يركز على قتال الغرب خاطئ «وقدت الوكالة التي كانت مسؤولة عن مواجهة دعاية تنظيم الدولة وشاهدت هذا بنفسي. فنسبة 80% من دعاية التنظيم هي بالعربية وتأتي بعدها الروسية أما الإنكليزية والفرنسية فهما في المرتبة الثالثة. فالولايات المتحدة ليست المشاهد الرئيسي للتنظيم وظللنا بمثابة العدو البعيد».
ومن هنا يمكن التخلي عن مصطلح «التطرف العنيف» ولكن يجب إعلام الحلفاء العرب أن «الإسلام الراديكالي» أو «التطرف الإسلامي» لا يمثل إلا نسبة قليلة جدا من 1.6 مليار مسلم، و«أخبرهم أننا نريد مساعدتهم في الساحة العسكرية وفي المجالين الامني والمعلوماتي. ويجب أن نكون واضحين» و«أننا نقاتل تنظيم الدولة والقاعدة والراديكاليين الإسلاميين الذين يقلدونهما مثل بوكو حرام».
ولا يوجد فرق في الحقيقة بين «التطرف العنيف» و»الإسلام الراديكالي». ويقول الكاتب إن تنظيم «الدولة» ليس فقط منظمة إرهابية ولكنه فكرة تقوم على تعبئة الاتباع وهي أن الغرب معاد للإسلام وأن من الواجب على كل مسلم أن ينضم للخلافة.
ويقول إن معظم الدعاية للتنظيم ليس عنيفا «فقد شاهدت آلاف التغريدات تتحدث عن الخلافة وهناك أشرطة فيديو تظهر الأطفال والجهاديين وهم يوزعون السكاكر، وشاهدت تغريدة تحتوي على صورة وتحتها عبارة «الخلافة غنية»».
ويقول «لا يعود لنا الأمر كي نقرر ما هو إسلامي وغير إسلامي، فقط الأصوات الرئيسية في الإسلام والمستقلة في الدول الإسلامية هي القادرة على خلق رواية. فتغريدة من حكومة الولايات المتحدة تقول إن تنظيم «الدولة» ليس إسلاميا لن تؤذي التنظيم بل وستساعده على التجنيد». لكل هذا فالأمر التنفيذي الذي يمنع رعايا دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة له تداعيات سلبية على الكفاح ضد تنظيم «الدولة».
وهناك تقارير تقول إن الجهاديين اعتبروه «حظرا مباركا» لأنه يدعم موقف التنظيم وهي أن الولايات تكره الإسلام.
كما أن البند الذي يدعو إلى تقديم الأولوية للمسيحيين سيكون مساعدا له. وستشعل صور المسلمين وهم يردون من أبواب أمريكا التي يحاولون دخولها حماس من يكنون الكراهية لها.
وقال إن المتحدث باسم التنظيم أبو محمد العدناني، قال في خطاب له قبل مقتله العام الماضي أن أي غضب يشعر فيه المسلمون ضد الغرب وأي عملية هي في النهاية باسم التنظيم. وعليه فإن «الراية السوداء أصبحت حجة لأي شكوى. فقد اعطى حظر السفر رغم قرار المحاكم، الجماعة الذخيرة كي تقوم بعسكرة المظالم هنا في الولايات المتحدة. وأصبح الرئيس ترامب المجند الأول».
ويختم بالقول إن تنظيم «الدولة» سيختفي إلا أن التطرف لن يذهب. والطريقة لهزيمة التطرف الإسلامي ومساعدة الحلفاء المسلمين والتيار الرئيسي ورفض كل شيء يمثله التنظيم. كما أن هزيمته في ساحة المعركة ستكون وقتية «فالتطرف العنيف ـ أو مهما سميته ـ يجب هزيمته في ساحة الأفكار».
إبراهيم درويش