نظام روسي جديد

حجم الخط
1

عندما انضمت روسيا الينا، إلى الشرق الاوسط، في ايلول/سبتمبر 2015، كانت لها ثلاثة أهداف واضحة: ارادت انقاذ نظام الاسد المنهار، تقليص دور القوة العظمى الولايات المتحدة في سوريا (واذا كان ممكنا في الشرق الاوسط بشكل عام) وكذا في نفس الفرصة، ان تصبح رافعة العلم في الحرب ضد التنظيم الإرهابي داعش، الذي القى ولا يزال برعبه على العواصم الغربية بعد سلسلة من العمليات الناجحة. للنموذج الشيشاني يوجد مؤيدون أيضا من بين مواطني اوروبا. فجأة، في الحرب ضد داعش، دخل النموذج الروسي إلى الموضة.
في ختام سنة ونصف منذ ارتباط الروس بنا، يمكن القول ان المهمة انتهت بنجاح: روسيا تشكل اليوم عنصرا مركزيا في النظام الجديد في سوريا، الاسد يرفع الرأس، لدرجة أن بوسعه التفكير بتغيير الاساس في القصر الرئاسي في دمشق وحتى بمشروع اعمار حلب. المحادثات بالنسبة لمستقبل سوريا، بمشاركة روسيا، تركيا وإيران، تجري الان في الاستانة، عاصمة كازخستان، وليس في فيينا. ثقل الوزن انتقل إلى آسيا بينما واشنطن بصعوبة في الصورة، تتردد في مسألة هل تؤيد الاكراد الثوار ضد الاسد وحلمهم بالاستقلال، أم تركيا، حليفتهم في حلف الناتو، التي تعارض فكرة استقلال كردستان. اما الروس؟ فليس لديهم مشاكل كهذه.
بفضل بوتين، يمكن للاسد أن يبتسم لنفسه أمام المرآة في كل صباح. حين يرتب شاربه الصغير؛ في صيف 2013 خطط براك اوباما، دافيد كمرون وفرانسوا اولند لمهاجمة النظام في دمشق، بعد أن استخدم الاسد السلاح الكيميائي ضد ابناء شعبه، في المرة الـ 14 منذ بدء الحرب الاهلية في 2011. وكما هو معروف، فإن اتخاذ عمل ضد سوريا لم يحصل في نهاية المطاف لان اوباما نسي ماذا تعني الخطوط الحمراء. فالرئيس الأمريكي السابق، ورئيس الوزراء البريطاني السابق باتا منذ زمن بعيد تاريخا، بينما اولند يعد الايام بسبب الاستطلاعات غير المناسبة جدا له، والتي تمنعه من التنافس على رئاسة فرنسا مرة اخرى. لا شك أن الاسد نجا بفضل هذا الثلاثي، والان ايضا بفضل فلاديمير بوتين.

رهانات روسيا

لقد بات السؤال الكبير الان هو إلى اين تسير روسيا اليوم وماذا تريد ان تحقق في الشرق الاوسط. يجدر بالذكر ان الروس يوجدون على مفترق طرق، وذلك ايضا كنتيجة لحادثة اطلاق صاروخ حيتس الاسبوع الماضي، والذي ادى إلى استدعاء السفير الإسرائيلي في موسكو لحديث استيضاح.
وللمفارقة، فإنه من أجل النجاح في السلام تحتاج روسيا لإسرائيل وللولايات المتحدة. ولعل هذا هو السبب الذي بالتوازي مع استدعاء السفير الإسرائيلي في موسكو لم نرَ انتقادا على إسرائيل في وسائل الاعلام الروسية. فقد كانت الرغبة هي في العودة إلى الاعمال كالمعتاد، وبأسرع وقت ممكن.
ينبغي الفهم بأنه رغم انجازات الروسي في سوريا، فإنهم لا يزالون مقيدين: الاسد وإيران لا يستمعان بالضبط لامرتهم، وعليه فلا حاجة إلى تناول كل قول للاسد وكأنه صيغ في موسكو. كما أنه ليست كل خطوة أو عمل إيراني على الارض السورية هو بالتشاور مع روسيا. بل العكس، يحتمل جدا أن يكون لروسيا، مثلما لإسرائيل، مصلحة في التضييق على خطى إيران في سوريا. إسرائيل تخشى من نشوء حدود لها مع إيران في الشمال بحكم الامر الواقع.
وبالمقابل، من ناحية الروس يمكن لطهران ان تشكل وجع رأس غير صغير وان كان من الناحية الديمغرافية.
هناك من يرى حتى في روسيا دولة إسلامية. وها هو تذكير: الإسلام وصل إلى روسيا قبل 1.300 سنة ويوجد اكثر من 15 في المئة مسلمين في الاراضي الروسية، واكثر من 10 الاف مسجد، بما في ذلك مسجد كبير في موسكو. المسلمون الروس لا يتحمسون لقصة الغرام بين موسكو والمحور الشيعي: الاسد ـ إيران ـ حزب الله. ولعل روسيا تنتصر في المدى القصير ـ المتوسط، ولكن في المدى البعيد ليس مؤكدا بأن رهانها في صالح المحور الشيعي هو رهان صحيح.
في موسكو يمكنهم الان بالتأكيد الخوف من ربيع إسلامي في دول القوقاز وباقي الاراضي العلمانية مع حكم فردي مثلما يوجد عندها الان. لهذا السبب لا يمكن لروسيا أن تسمح لإيران بأن تسيطر على الاراضي في سوريا، في العراق وفي لبنان، مثلما يحلم الإيرانيون. ربما لهذا السبب ليس لروسيا وإسرائيل مشكلة كبيرة في ايجاد قاسم مشترك في المسألة الإيرانية.

لدى من الكرة؟

«فضلا عن الجهد لانقاذ نظام الاسد ليس لروسيا وإيران بالضرورة المصالح الاستراتيجية ذاتها في سوريا»، تقول د. سارة فاينبرغ، الباحثة في معهد بحوث الامن القومي. «توجد لروسيا مصلحة في تقييد توسع المحور الشيعي. بالضبط لهذا السبب تضع روسيا نفسها في موقف القاضي بين إيران، تركيا، السعودية وإسرائيل. ولكن يجب الاخذ بالحسبان للشك القائم بين إيران وروسيا مما يقيد قدرة روسيا على املاء ما يفعله الإيرانيون». وتعتقد فاينبرغ بأنه في موضوع حزب الله للروس موقف مزدوج: من جهة يفهمون القلق الإسرائيلي من تعاظم المنظمة في سوريا، ومن جهة اخرى يرون في المنظمة الشيعية قوة مساعدة لحماية الاسد والحرب ضد داعش وكذا عنصر سياسي شرعي في لبنان. وبالضبط لهذا السبب يحتاج الروس إلى الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب؛ من اجل تقييد مكانة إيران في الشرق الاوسط، يحتاج الروس للمساعدة الأمريكية. وفي هذه الاثناء، يكاد يكون كل اللاعبين، بمن فيهم روسيا، ينتظرون ليروا ماذا ستكون خطوة ترامب التالية.
نقطة أخرى نتعلمها من حادثة حيتس الاسبوع الماضي هي أن الروس يسمحون لإسرائيل بالعمل، ولكن شريطة إلا نضعهم في حرج. روسيا معنية بأن تبيع اكبر قدر ممكن، بما في ذلك في مجال السلاح، وهي ليست الوحيدة. فالولايات المتحدة، الصين، فرنسا والمانيا تتنافس هي ايضا على الاسواق الكبرى.
يجب أن نفهم بأن حادثة اطلاق الحيتس كشفت قيود منظومات القتال الالكترونية والدفاع الجوي الروسي حيال السلاح الغربي والإسرائيلي. فالحادثة لم تساهم في ترويج مبيعات كبيرة للسلاح الروسي في العالم. كما أن صناعة السلاح الصينية تنفخ في قذال الروس.
لا شك أن هذه هي نهاية عصر والاوراق يعاد توزيعها. بالنسبة للعديد من الدول هذا مدعاة للقلق، وبالنسبة لاخرى هذه فرصة. في مثل هذه الفترة كل واحد يبحث عن الفرصة لرفع مستوى مكانته. روسيا أخذت على نفسها دور المراقب الرئيس في المنطقة. روسيا ليست الاتحاد السوفياتي. قد يكون هذا كبير عليها بعض الشيء. ولكن الان، بعد أن وجدت واشنطن نفسها في دور ثانوي في سوريا، فإن موسكو معنية بمنحها دورا هاما. الكرة لدى ترامب ـ وليس فقط لدى بوتين.

بوعز بسموت
إسرائيل اليوم 24/3/2017

نظام روسي جديد

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية