نظام يلعب في الوقت الضائع

أن تعيش الانهيار، أن تراقب البناء العتيق وقد صار قبيحاً يغطيه غبار الإهمال ويأكل أطرافه العفن، فتأخذ بالتساقط، ببطءٍ في البداية ثم يتسارع الإيقاع كلما توالت الانهيارات، تلك تجربةٌ رهيبة، أزعم أن قلةً متلاشية تلك التي عاشت تجربةً مماثلة في مصر، أو تذكرها من جيل الراحل الكبير محمد حسنين هيكل، وربما ليس بأكثر منهم بكثير أولئك الذين عايشوا شيئاً شبيهاً بذلك في الكتلة الشرقية.
أقرب نموذجٍ لنا هو ما حفظته الكتب والشهادات التاريخية عن نهايات عهد فاروق وأسرته العلوية، من مهازل صاحبت ذلك الفصل الختامي من تفككٍ للصيغة السياسية التي شكلت إطاراً يجري بموجبه الصراع الاجتماعي والسياسي، وإن ذلك العهد، بإسفافه الختامي، يبدو لامعاً شديد الاحترام بثراء مجاله العام (ذلك الذي صودر في ما بعد) ورجالاته ذوو القامة مقارنةً بما نراه ونعايشه يومياً، من عبثٍ غرائبيٍ لا يتصوره عقلٌ لدولة السيرك وهي تتساقط، وهي تفعل ذلك بجدارةٍ وتصميمٍ وسط ضجيجٍ وصخبٍ أسطوريين، كل يومٍ يمر يحمل لنا خبراً أو تصريحاً جديداً يتفوق على ما قبله في المقدرة على الإدهاش، لا يتفوق عليه سوى عدم مقدرة البعض على إدراك مدى عبثيته.
فقط في الأسبوع الماضي جدَّ أمران يتعلقان بصميم هيكل الدولة ودورها. هناك إقالة وزير العدل الإشكالي المثير للجدل دائماً، وقد جاء ذلك عقب أن صرح، في لقاءٍ تلفزيوني، في معرض حديثه عن ملاحقته لكل من تطاول عليه قانونياً، وإذ أراد أن يدلل على أنه لن يتوانى عن سجن كائنٍ من كان، فقد أكد بثقة أنه على استعداد لحبس حتى النبي عليه الصلاة والسلام، كأنه لم يجد سوى ذلك المثال ليضربه، وكأن الدنيا قد خلت من الشخصيات العامة الفاسدة والمارقين واللصوص. بالطبع أثار ذلك رد فعلٍ عنيف بعد أن ذاع أمر ذلك التصريح، ويُزعم أن إقالته إنما نتجت عن ذلك. بيد أن بعض العارفين ببواطن الأمور (أو لعلهم يدعون ذلك) يرون أن ذلك التصريح كان القشة الأخيرة، وأن دوائر صنع القرار، أي منظومة الأمن المركزية، كانت تتربص به بسبب تصريحاتٍ تتعلق بمقتل الشاب الأيطالي جوليو ريجيني، تلك الحلقة – الواقعة الشديدة البشاعة التي يكتنفها غموضٌ، تؤدي طرقه كلها للنظام وأجهزة أمنه، مشكّلةً مأزقاً آخر شرخ العلاقة مع إيطاليا على وجه الخصوص ودول الاتحاد الأوروبي.
ولعلنا نذكر أن وزير العدل الأسبق، قد استقال من منصبه بعد أن عبر عن رأيه، صادقاً مخلصاً على ما أتصور، بأن ابن عامل النظافة لا يصلح أن يكون قاضياً. والسؤال هو: ألا يجد النظام ودولته نماذج غير تلك يختارها للمناصب؟
أما الأمر الثاني، وحديث الساعة هو الآخر، فهو تذبذب سعر الدولا مع ارتفاعه إجمالاً، ثم قرار محافظ البنك المركزي بتخفيض قيمة الجنيه، لكي تكون أكثر تجاوباً مع السعر الحقيقي؛ ليس ذلك فحسب وإنما صاحب ذلك قرار من عينة، إزاحة الحد الأقصى للإيداع والسحب ليفتح المجال للتكهنات والشكوك، الشاهد أن أسعار الخدمات الأساسية التي كانت الدولة تقدمها وصارت تسحب دعمها منها في ارتفاعٍ يضغط على القروش المنعدمة للطبقات الأفقر المسحوقة، بينما تتصالح الدولة مع لصوص عصر مبارك.. في خضم كل ذلك وما يصاحبه من قلقٍ أكيد ومفهوم لا يخرج علينا أي مسؤول ليكاشفنا ويشرح لنا، يطمئننا أو يقلقنا لا يهم، ما يجري بالضبط، هل نحن مقبلون على كارثة (وهو شبه الأكيد) وإن كان فإلى متى ستطول؟ وما هي تصوراتهم (إن كانت لديهم) للخروج منها؟ لا، فنحن مطالبون بالسكوت وسماع صوت القائد الملهم وحده فقط، وإن تنازلوا فتكلموا، فليس سوى كلامٍ كثير، «طق حنك»، من دون أن يكون مفيداً.
بيد أن الإجابة على تلك التساؤلات واضحة لا يحوم حولها ظل شك: أولاً لن يتحمل أو يختار النظام غير تلك النماذج ليستوزرها، فقاضٍ كالزند، مثيرٌ للمشاكل بكل ما قد تتحمله الكلمة من معانٍ، شق صف القضاة فانتقم من معارضيه ومناوئيه منهم ودافع مستميتاً عن قمع الأجهزة الأمنية، من دون مواربة مطالباً بدم الآلاف من «الإرهابيين» مقابل كل جنديٍ يسقط شهيداً، مهدراً بذلك معاني التحري والتحقق من الجرم والعدالة، الأمر الذي أثار استهجاناً وتعجباً لدى الجهات الحقوقية والمهتمة، لم يكن شيء من ذلك خافياً على النظام إلا أنه اختير على علمٍ تام وقناعةٍ مستحسنةٍ لسلوك وتصريحاتٍ ومواقف كهذه، كان من المتوقع من قاضٍ ووزير عدلٍ أن يكون أوفر حصافةً فيتحسس ويختار ألفاظه بكياسة، لكنه، وانسياقاً مع طبيعته الأساسية، لم يفعل، القاضيان بفعلهما وتصريحاتهما يعكسان بصدقٍ وأمانة انحيازات النظام الاجتماعية، وجدب معين كوادره التي يستطيع أن يستبدل بها القديم والهرم ومنتهي الصلاحية، في عملية إحلالٍ وإبدالٍ سلسة، وبصورةٍ ما، ألا ينطبق ذلك على نظام مبارك برمته؟
في ما مضى كان هناك طغاةٌ قمعيون وفاسدون وأفاقون كثر، ما شاء الله، إلا أنهم كانوا أكثر حرفيةً. وعلى المنوال نفسه فإن تحركات محافظ البنك المركزي لا تشذ في شيٍء عن ذلك؛ كلها أدلةٌ ناطقة على التخبط والضياع لدولةٍ متساقطة لا تجد سبيلاً للخروج من أزمتها في إطار الانحيازات الاجتماعية والاقتصادية نفسها – فالبدائل الحقيقية غير مطروحة، وكل من يرفع صوته بها يحارب بعنف وتطلق كلاب الإعلام لتنهشه بعنف،
وقد تتصاعد الأصوات من أشخاصٍ كانوا موالين للرئيس حريصين على بقاء الدولة، أياً كانت ما تعنيه كلمة «دولة» لديهم، تنذر من عواقب وخيمة وانهيارٍ يحدق بنا في حال الاستمرار في هذه الطريق، إلا أن أصواتهم تضيع في لجة الكلام والصياح الذي لا آخر له، فكلٌ يغني على ليلاه، والمسخ الذي صنعوه ونفخوه لم يعد يستمع لهم بعد أن امتلأ بذاته المعتمة الجهولة.
في الخلاصة، لا يهم تسريح هذا الوزير أو ذاك (مع اعترافنا بأن إقالة المخطئ من حيث المبدأ أمرٌ محمود)، فالأساس هو قلب النظام الأمني الذي تضخم منفلتاً حتى بات يرسم السياسات، متغولاً ومتوسعاً، ليحتل مساحاتٍ وأدواراً كانت تضطلع بها أجهزةٌ أخرى في ما مضى، كمؤسسة الرئاسة والمستشارين والخارجية الخ، من دون كفاءةٍ عالية أو رؤية لزوم الاعتراف، لكن الجديد أن المنظومة الأمنية – الاستخبارية قد أتت على ما تبقى من مخايل الدولة المتضعضعة أساساً في عملية انهيارٍ طويلة ومريرة، وما أوجه الصراعات والانتقادت لهذا المسؤول أو ذاك إلا انعكاسٌ لصراعات الأجهزة والأجنحة الأمنية المرتبطة بمصالح رأسمالية، في أروقة السلطة.
هناك من يتصورون (قلة تتضاءل في حقيقة الأمر) أن سير الحياة اليومية معناه أن كل شيءٍ على ما يرام، وأن الأزمة الاقتصادية – السياسية المتعاظـــمة، أمرٌ طبيعـــي في طريق التعافي، ربما يرفضــون الاعتراف بالواقع أو يخشون مواجهة قبحه فيفرون إلى الأماني الورديــــة والأوهام في المشــاعر الوطنية الساخنة،، لكن الأكيد أن النظام يتهاوى، ربما ظن القائمون عليها، س أو ص في ذلك الجهاز الأمني أو ذاك من الأجهزة العديدة، أن شيئاً من الحظ وإدارة الأزمة بقبضةٍ حديدية كفيلان بإخراجهم من المأزق، إلا أنهم واهمون، فكافة المؤشرات توحي بأن العالم مقبلٌ على أزمةٍ اقتصادية، ستكون أقسى من أزمة 2008، وحظ بلدٍ كمصر فيها سيكون أسوأ بالتأكيد.
لست أجزم بأن النظام سيسقط في تاريخٍ معين، فعوامل عدة تتداخـــل في أمرٍ كهـــذا، وقد يطول عمره نتيجةً لتضافر وتداخل تلك العوامل، ليس ضرورياً أن يسقط باكراً، لكن وجوده المحض لا يعني الحياة، فرُب وجودٍ كالموت. لكن الأكيد أن النظام يلعب في الوقت الضائع، وتلك الدولة تتساقط من دون أي مقدرة على الحفاظ على شيءٍ من ماء الوجه أو الكرامة.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية