أهمية هذا التقرير الصادر عن مؤتمر منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس الشهير انه يصدر عن مؤتمر يشارك فيه قادة العالم ولكن لا يجري تغطية حيثياته لان معظم الصحافيين الذين يحضرون هذا المؤتمر هم من النوع الذي لا يكتب بل يرافق علية القوم فقط للشهرة. وإذا كتبوا فأنهم يكتبون عدة أسطر فارغة، وخاصة ان كلفة الإقامة في فندق دافوس تتخطى الألف دولار في اليوم. ولهذا فان هذا التقرير غير متوافر للجميع سوى القادة. وعندما وجدناه على مكتب مسؤول كبير في البنك الدولي تمسكنا به لمراجعته على الأقل.
والتقرير يحلل التوجهات العشرة الرئيسية التي تشغل الخبراء وكذلك التحديات التي تواجه العالم. وهي:
أولا: تجذر عدم المساواة
في مستويات الدخل
تحتل قارة آسيا الصدارة بـ 25 في المئة وتليها أمريكا اللاتينية بـ18 في المئة وأمريكا الشمالية بـ18 في المئة أيضا ثم تليها منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا بنسبة 14 في المئة وتليها افريقيا بـ13 في المئة واوروبا في النهاية بـ12 في المئة.
والثروة في العالم متفاوتة في التوزيع فمثلا حوالي 69 في المئة يتشاركون في 3 في المئة من ثروة العالم ومعدل الدخل السنوي أقل من 10 آلاف دولار ثم يتشارك حوالي 23 في المئة بحوالي 14 في المئة من الثروة بمعدل يتراوح سنويا مابين 10 و100 ألف دولار. ويتشارك حوالي 8 في المئة بـ42 في المئة من الثروة بمعدل دخل سنوي يتراوح ما بين 100ألف دولار إلى مليون دولار بينما يتشارك 7 بالألف بـ41 في المئة من الثروة بدخل معدله السنوي يتجاوز المليون دولار.
واقترح التقرير الكوني حلولا لعدم المساواة في الأجور : ففي آسيا مثلا يقترح تحسين التعليم والسياسة الضريبية وإعادة توزيع الثروة بينما في أوروبا يقترح تحسين السياسة الضريبية وتحسين التعليم وإعادة توزيع الثروة. أما في الشرق الأوسط فيقترح خلق فرص عمل وتحسين السياسة الضريبية وتحسين سياسة الضمان الاجتماعي بينما في أمريكا الشمالية فيقترح تعديل السياسة الضريبية وتحسين التعليم وإعادة توزيع الثروة وفي افريقيا فيبدأ خلق فرص للعمل وتنمية اليد العاملة وتحسين التعليم.
ثانيا: نمو مستمر للبطالة
التطور التكنولوجي المستمر وحلول الآلة محل الإنسان في المصانع الكبرى ساهم في زيادة البطالة. بالطبع التضخم والكساد الاقتصادي والسياسات الاقتصادية تؤثر على سوق العمل.
والحلول المطروحة تختلف من قارة لأخرى فمثلا في آسيا الحلول الثلاثة اولها خلق فرص عمل وثانيا تطوير المهارات الصناعية وثالثا تنمية الأمور الحديثة. بينما في الشرق الأوسط يبدأ الأمر أولا بخلق فرص للعمل ثم ثانيا بتبني الأفكار الجديدة وثالثا تحسين التعليم .أما في أمريكا الشمالية فيبدأ بتحسين التعليم ثم خلق فرص للعمل ثم زيادة الاستثمارات الحكومية.
ثالثا: فقدان القيادة
يتفق 86 في المئة من المستطلعين ان هناك أزمة في القيادة في العالم اليوم. والقادة فشلوا في معالجة القضايا التي تواجه العالم. فقد فشلوا في التعامل مع ظاهرة الانحباس الحراري أو الاقتصاد العالمي. بينما فشل القادة في وقف العنف المتزايد في الشرق الأوسط. وتسيطر الانقسامات على الحكومات وقيام حكم العائلة وانتشار الفساد. وفي استطلاع حول قادة البرازيل فان 78 في المئة قالوا انهم غير نزيهين بالمقارنه مع 83 في الهند.
رابعا: صعود المنافسة الجيوستراتيجية
بعد انتهاء الحرب الباردة تحول الصراع مع منظمات إرهابية، كما تم تقسيم الدول إلى دويلات ..وتصاعد التوتر مع روسيا بعد تقسيم اوكرانيا . ولم تعد روسيا ضامنة للاستقرار والسلام الاقليمي. كما ان صعود الصين كقوة عظمى تزاحم أمريكا، وتحول الشرق الأوسط إلى الاسوأ عندما تحطم نظام الدول التي فرضها المنتصرون بعد الحرب العالمية الاولى. وقامت مجموعة متمردة تسمى الدولة الإسلامية لتأسيس خلافة في دولتين. وزاد الوضع خطورة استغلال القوى الاقليمية للفوضى بل تغذيته لتحقيق مصالحهم الذاتية.
خامسا: ضعف الديموقراطية التمثيلية
منذ ان انهار الاقتصاد العالمي في 2008 فقد انحسرت الثقة في المؤسسات السياسية والعملية السياسية. ويثق المواطنون بشركاتهم أكثر من قادتهم. وسادت الاضرابات في اليونان واسبانيا بسبب اليورو. واستمرت الاضطرابات في اوكرانيا. وأدى الربيع العربي إلى اضطرابات ما تزال مستمرة.
والمشكلة ان الحكومات الغربية مستمرة في تمثيلها الديمقراطي بالاسلوب القديم أي حكومة تلي حكومة اثر انتخابات ديمقراطية بدون أي خطط بعيدة المدى. ولهذا على هذه الديمقراطيات ان تتواصل مع المواطنين عبر الانترنت وليس عبر الوسائل القديمة.
سادسا: تزايد التلوث في الدول النامية
الدول النامية تتأثر من التلوث الناجم عن الدول الصناعية والتي تتربع على المركز الأول الصين وتليها أمريكا ثم الاتحاد الاوروبي فالبرازيل فالهند. فتلوث الهواء في الصين أدى إلى وفاة 1،2 مليون إنسان في 2010. ان الاحتباس الجراري الناجم عن التلوث سيؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض درجتين مئوتين وهذا سيؤدي إلى فقدان دول افريقيا وآسيا لـ5 في المئة من ناتجها القومي. وستتأثر آسيا بالتلوث بنسبة 37 في المئة وتليها أمريكا الجنوبية بنسبة 20 في المئة ثم افريقيا بـ19 في المئة ويحل الشرق الأوسط بـ14 في المئة ثم أمريكا الشمالية بـ 6 في المئة والاتحاد الاوروبي بنسبة 4 في المئة.
سابعا: حدوث طقس
قاس بصورة متزايدة
ان تعاظم حدوث التغيير الحراري يؤدي إلى كوارث بيئية وهذا يؤدي إلى انتشار الأمراض والمشاكل الاقتصادية وحتى الاضطرابات السياسية. ولقد تصدرت عناوين الأخبار الأحوال السيئة للطقس فمثلا فالاعصار الذي ضرب الفلبين والاعصارات العديدة التي اجتاحت الولايات المتحدة والجفاف الشديد الذي سيطر على وسط افريقيا والبرازيل واستراليا والفيضانات الضخمة التي غمرت مناطق في باكستان.
ويجب اقناع الدول والشركات للاستثمار في البيئة وتهيئة الأماكن التي ستضربها الأعاصير للتقليل من الخسائر البشرية والدمار.
ثامنا: صعود الوطنية بطريقة مكثفة
لاحظنا ان الاسكتلنديين يريدون الانفصال عن بريطانيا وحصلوا على 45 في المئة تدعم الانفصال وكذلك كيبيك تريد الانفصال عن كندا..وهناك كتالونيا تريد الانفصال عن اسبانيا وحتى بلجيكا تريد ان تنقسم.
والمناطق التي تتفاعل بها الوطنية تتفاوت، فمثلا اوروبا تتصدر القائمة بنسبة 30 في المئة تليها اسيا بنسبة 26 في المئة وتحتل منطقة الشرق الأوسط المرتبة الثالثة بنسبة 24 في المئة تليها افريقيا بـ8 في المئة ثم أمريكا الشمالية بـ7 في المئة وأمريكا الجنوبية بنسبة 5 في المئة.
ومن الحلول المطروحه للوطنية المتعاظمة للشرق الأوسط ان يتم أولا نشر الشراكة والتعاون داخل الدول الحالية ثم ثانيا نشر الوعي حول تلك القضايا وثالثا التعليم للمواطنين.
تاسعا: تزايد الحاجة للماء
هناك عوامل تضافرت لتجعل الماء مشكلة تواجهها بعض المجتمعات أكثر من غيرها. من هذه العوامل تزايد عدد السكان بطريقة سريعة ومستويات متدنية من الفقر في دول مثل الهند واندونيسيا وبنغلاديش ونيجيريا . وكذلك هناك دول في آسيا وافريقيا تواجه شح المياه. وبما ان 70 في المئة من المياه تذهب للري للزراعة. وكما حركت اوبئة مثل الايبولا والسل والايدز المجتمع العالمي للتصدي لها. فان شح المياه الذي يواجهه 750 مليون نسمة هو أمر حقيقي.
وأحيانا يتغلب المال على شح المياه ففي دولة الإمارات العربية المتحدة فان مصادر المياه فيها قليلة وتخطتها لان لديها المال الكافي لتحلية المياه. بينما اثيوبيا التي تعتبر مصدرا ضخما للمياه فن نصف سكانها يعانون من نقص المياه. ففي الهند يعاني 100 مليون نسمة من قلة المياه بسبب الفقر. بالطبع تغيير المناخ له تأثير مثلا في بنغلاديش والذي سيسبب في زيادة ارتفاع مستوى ماء البحر. وحتى مشكلة المياه بين الهند وباكستان لها تأثير سياسي على البلدين وتزيد من حدة التوتر بينهما.
وتتصدر افريقيا المناطق التي تعاني من أزمة المياه بنسبة 31 في المئة وتليها في المرتبة الثانية منطقة الشرق الأوسط بنسبة 29 في المئة ثم آسيا بنسبة 25في المئة فأمريكا الجنوبية بـ7 في المئة وأمريكا بـ6 في المئة واوروبا بنسبة 2 في المئة.
عاشرا: نمو أهمية الصحة في الاقتصاد
كلما تحسن الاقتصاد في بلد ما تتحسن الحالة الصحية لسكانه. هذه القاعدة معروفة جدا وحتى انه اذا تحسنت الحالة الصحية لدولة ما فان الاقتصاد يتحسن أيضا.
والتبغ هو من اسوأ عوامل انتشار سرطان الرئة في العالم ويجب مواجهته بالتوعية لمخاطر التدخين. وهناك الايدز والسل الرئوي والملاريا. والتكنولوجيا تجعل من تشخيص المرض من الأمور السهلة وعلاجه أيضا. وقد زادت الصين من الانقاق على الصحة بنية 20 في المئة وهذا مؤشر جيد. ونلاحظ ان الانفاق على العناية الصحية يتعدى الـ20 في المئة من الدخل القومي في أمريكا و10 في المئة في أوروبا بينما نراها قرب الصفر أو واحد في المئة في منطقة الشرق الأوسط.
التحديات الاقليمية
وبعد هذا العرض السريع للتوجهات العشرة يضيف التقرير قسما للتحديات الاقليمية . ويذكر بالنسبة للشرق الأوسط ان التحدي الأول هو استمرار تزايد البطالة عند الشباب الذي بلغت نسبتها 25 في المئة. ومن أسبابه تعطل النظام التعليمي وسوق العمل المتصلب وعدم تعليم المهارات للعمال والتحدي الثاني إدارة عملية الانتقال السياسي إذ ان المجتمعات الشرق أوسطية تتجه نحو المزيد من التشظي والطائفية بسبب فقدان الاصلاحات الاجتماعية والسياسية.
والتحدي الثالث ان هناك توترات في المجتمعات الشرق الأوسطية والتي انتشرت الثورات في بعضها وستصل إلى الأخرى إذا استمر الحال كما هو عليه لعقود.
والطبع يذكر التقرير تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وضرورة التصدي له ويثني على تعاون إيران في التصدي له..
تمام البرازي