نظرة قريبة على الأوهام التي يسوّقُها يعلون

حجم الخط
0

«خطر الخطأ القومي كان محفورا في كوننا بلاد ذات رؤية، حيث أن الرؤية تهدف إلى تغيير الواقع، لكن عظمة الرؤية هي واقعيتها، التي تتمثل في أنه برغم أن الرؤية تهدف إلى السمو على الواقع، فإن أقدامها دائما مغروسة في هذا الواقع. هذا هو الفرق بين الرؤية والخيال الذي يحلق على أجنحة الأوهام»، هذا ما كتبه يهوشفاط هركابي في كتابه عن متسادا (1982). لا توجد أقوال مثل أقوال موشيه «بوجي» يعلون أمام طلاب المعهد في بيت شيمش، ما يمثل تجسيدا لكيفية أن الجهل بتاريخ الشعب اليهودي الحديث وكيفية تجاهل الواقع وضروراته بهدف أن تشكل الأوهام الواقع المأمول، هو الوصفة المجربة للانزلاق نحو الكارثة.
لقد بدأ يعلون أقواله بـ «أنا أدّعي أن الحدود يرسمها تَلْمُ المحراث، والحدود يرسمها بيت الأطفال». لا توجد أسطورة تاريخية مفندة أكثر من هذا الادّعاء. من بين كل المستوطنات اليهودية في أرض إسرائيل، فقط المتلة هي التي أثرت في تحديد حدود فلسطين ـ أرض إسرائيل الانتدابية. لقد اعتبرت المتلة من قبل البريطانيين والفرنسيين «دان التاريخية»، التي تمثل صيغة التوراة لأرض إسرائيل «من دان وحتى بئر السبع». وقد ضم إلى أراضيها ومنحها «أصبع الجليل» في الاتفاق الذي تم توقيعه في 1920.
اقتراحات مختلفة لتقسيم البلاد بين العرب واليهود تم تقديمها عدة مرات عن طريق جهات مختلفة واعتبارات مختلفة في الأعوام 1922 ـ 1947، لكنها لم تتحقق. في قرار التقسيم أيضا في عام 1947، الذي لم يطبق، تم تضمين اعتبارات أخرى إضافة إلى توزيع السكان، مثلا في النقب، بين بئر السبع وخليج العقبة، لم توجد أية مستوطنة يهودية. ومع ذلك، تم تخصيص للدولة اليهودية لاستخدام هذه المنطقة ممرا بريا للبحر الأحمر من أجل التصدير إلى أفريقيا وشرق آسيا. في المقابل، حسب هذا القرار كان يجب أن يبقى ما لا يقل عن 33 مستوطنة يهودية في أراضي الدولة العربية. لأنها كانت تقع بعيدا عن مراكز الاستيطان اليهودي. بالضبط مثل المستوطنات المعزولة في الضفة الغربية، التي لا توجد أية احتمالية لضمها إلى إسرائيل في إطار الاتفاق الدائم. القدس أيضا، التي كان يعيش فيها 100 ألف يهودي، الذين يشكلون سدس السكان اليهود في أرض إسرائيل، لم يتم شملها في الدولة اليهودية، بل في إطار جسم منفصل، بسبب أهميتها بالنسبة للديانات الثلاث.

حرب الأيام الستة

حدود دولة إسرائيل تم تحديدها في حروب إسرائيل وبالأساس في حرب الاستقلال. الجغرافي جدعون بيكر يصف بشكل موسع كيف أن «حرب البندقية» وليس «تلم المحراث» هي التي رسمت الحدود. خطوط الهدنة تم تحديدها وفقا لخطوط مواقع القوات في نهاية الحرب. المناطق التي تمت إضافتها إلى إسرائيل هدفت قبل كل شيء إلى خلق تواصل جغرافي منطقي وواسع بين المناطق الثلاث التي تم تخصيصها للدولة اليهودية. وفقدان عشر مستوطنات يهودية، منها مستوطنة غوش عصيون، لم يثن بن غوريون عن إنهاء الحرب وتوقيع اتفاق الهدنة. الاستيطان في المناطق المحتلة جاء بعد الحرب.
هكذا هو الأمر بالنسبة لحرب الأيام الستة. إسرائيل احتلت سيناء وهضبة الجولان، والمستوطنون جاءوا في أعقاب الجيش الإسرائيلي. عندما فضلت إسرائيل سلاما استراتيجيا مع الدولة العربية الأكبر، قامت بإخلاء المستوطنات جميعها في سيناء. قطاع غزة هو مثال آخر. ففي الوقت الذي أدركت فيه إسرائيل في ولاية شارون، أنها تدفع ثمنا باهظا للتمسك بالمستوطنات المعزولة في غزة، قامت بالانفصال.
«في المكان الذي لا يوجد فيه بيت للأطفال لا يوجد جيش». إذا أردت الاحتفاظ بأرض يجب أن يكون هناك مستوطنون»، واصل يعلون أقواله. هل حسب رأيه احتفظ الجيش الإسرائيلي بشبه جزيرة سيناء، التي مساحتها أكبر بستة أضعاف من مساحة دولة إسرائيل، فقط من أجل السبعة آلاف إسرائيلي الذين كانوا يعيشون هناك؟ ألم يقم بإخلائها برغم وجودهم هناك؟ هل النقب الذي يشكل 60 من مئة من مساحة دولة إسرائيل بقي من أجل عشرات آلاف الإسرائيليين الذين يعيشون في جنوب بئر السبع؟ هل إسرائيل لم تقم بإخلاء غزة وشمال السامرة برغم أنه كانت فيها مستوطنات ورياض للأطفال؟ هل لا يقوم يعلون بتحويل الجيش الإسرائيلي إلى جيش الدفاع عن المستوطنات؟
يعلون يستمر ويقوم بتحديد السياسات: «نحن لا نستوطن فوق كل تل. يوجد مكان كاف للاستيطان في يهودا والسامرة لمليون أو مليوني شخص آخرين، ويوجد ما يكفي من الأماكن المناسبة لنا من ناحية سياسية. ونحن نقوم بذلك بسياسة متزنة».
أولا، ليس هناك مثل غور الأردن يجسد ما هي «المنطقة المناسبة من ناحية سياسية» ـ من خطة الون في 1967 وحتى موقف يعلون المعروف، وهو عدم إخلاء غور الأردن في أي سيناريو. فعليا، بعد عشرين سنة من الاحتلال والاستيطان، وبرغم إعلان يغئال الون إحضار مليوني يهودي إلى منطقة غور الأردن وإعلان شارون إسكان مليون يهودي هناك، بقيت هذه المنطقة على حالها مثلما كانت وقت احتلالها تقريبا. مجلس إقليمي صغير يعيش فيه خمسة آلاف شخص، حتى أن بعض مستوطناته فقدت في السنة الأخيرة عددا من سكانها (مثل الحمرا ويفيت وارغمان). أو أن يعلون يرى في موقع «بيت البركة» الذي اشترته جمعية أمريكية يقف من ورائها المليونير الأمريكي آرفن موسكوفيتش وزوجته، منطقة مناسبة من ناحية سياسية؟ هذا الموقع مساحته 40 دونما ويقع خارج غوش عصيون ويحاذي مخيم العروب للاجئين، والذي عندما كان وزيرا للدفاع صادق على ضمه إلى الأراضي التي تقع تحت ولاية المجلس الإقليمي غوش عصيون.
ثانيا، من أين سيأتي المليون أو المليونان يهودي؟ حيث أن توقعات مكتب الإحصاء المركزي تفترض عدم حدوث هجرة إلى إسرائيل.

الهجرة من داخل إسرائيل

هل يقصد يعلون الهجرة من داخل إسرائيل إلى الضفة الغربية؟ حيث أن المعطيات التي نشرت من مكتب الإحصاء المركزي تشير إلى انخفاض حاد في الزيادة السنوية للإسرائيليين في يهودا والسامرة، من 10.3 من مئة في 1996 إلى 3.4 من مئة في 2016، وتشير إلى التحول في مصادر الزيادة. في 1996، جاء 68 من مئة نتيجة الهجرة وفي 2016 انخفضت نسبة الهجرة إلى 22 من مئة. أيضا إذا تغير هذا التوجه فإنه في غياب الهجرة، فإن الأمر يتعلق بنقل «من جيب إلى جيب» وليس بسبب التكاثر الطبيعي اليهودي، وهو نقل يخلق واقعا يلزم بإنشاء دولة وفقدان الرؤيا الصهيونية.
ثالثا، أين ينوي يعلون إسكانهم؟ 52 من مئة من المناطق ج هي أراض بملكية فلسطينية خاصة معترف بها من قبل إسرائيل. فهل يعتمد على «قانون التسوية» غير الديمقراطي؟ أو أنه ينوي إرسال الإسرائيليين إلى مناطق تدريب الجيش الإسرائيلي في صحراء يهودا؟.
المستوطنات في الضفة الغربية صحيح أنها تملي الحدود الشرقية لدولة إسرائيل. ولكن هذا من شأنه أن يحدث فقط في إطار الاتفاق الدائم. اتفاق على تبادل الأراضي بين إسرائيل والفلسطينيين يتعلق بالكتل المركزية القريبة من الخط الأخضر بمساحة تبلغ 4 من مئة وإخلاء المستوطنات المعزولة، التي تضر بصورة كبيرة بالتواصل الجغرافي الفلسطيني وبالإمكانية الكامنة للتطوير الشامل لها.
يجب تأكيد ثلاثة أمور في هذا السياق، التي تجسد الثمن الثقيل لأوهام يعلون. أولا، تبادل الأراضي لن يضيف أي متر مربع واحد إلى مساحة دولة إسرائيل لأنها مرتبطة بنسبة تبادل 1:1. ثانيا، كلما زاد عدد هذه الكتل، فسيطلب من المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة وبيسان ولخيش التنازل عن مساحة أكبر من أراضيها، والتوقف عن كونها مستوطنات زراعية جماعية. ثالثا، خط الحدود سيتضاعف طوله ثلاثة أضعاف، من 313 كم إلى نحو 900 كم. وهذا يعني أن تكلفة التغيير كبيرة بدرجة لا تقاس مع الفائدة منه. مشروع الاستيطان هو المشروع العقاري الأكثر فشلا في تاريخ الصهيونية. وهو مشروع يؤدي بإسرائيل إلى الإضرار بمستقبل المستوطنات التي كانت مشاركة في إقامتها، والتي تحظى بالشرعية الدولية لمصلحة مستوطنات جديدة عدد منها أقيم خلافا للقانون والاحتيال والسرقة ومن دون أن تسهم في أمن الدولة.
إن أقوال يعلون المقطوعة عن الواقع وضروراته، ليس فيها رؤية بل وهم خطير. وهذه الحالة والظروف لا تشبه العملية الفريدة لإقامة دولة إسرائيل. إن الحملة الانتخابية القريبة، والواقع غير الحقيقي الذي يبنيه نتنياهو وزملاؤه بشكل دائم وبتصميم، تمكن السياسيين من مواصلة إظهار عدم المسؤولية فيما يتعلق بمستقبل المجتمع الإسرائيلي ودولة إسرائيل عن طريق عدد من الشعارات التي ليس لها أساس تاريخي أو تقديرات مستقبلية ناضجة. إذًا يجب الحذر من هؤلاء السياسيين.

هآرتس 24/10/2017

نظرة قريبة على الأوهام التي يسوّقُها يعلون
نتنياهو وزملاؤه يبنون واقعا وهميا يستند إليه سياسيون في طرح شعارات ليس لها أساس تاريخي
شاؤول اريئيلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية