إسطنبول ـ «القدس العربي»: يتصاعد بشكل كبير الغضب التركي من الولايات المتحدة الأمريكية حتى وصل الأمر للتهديد باتخاذ إجراءات ضد واشنطن وإغلاق قاعدة إنجيرليك الجوية، في الوقت الذي تتعزز فيه نظرية «التوريط» الأمريكية لتركيا لدى قسم كبير من الشارع والرأي العام في البلاد.
ويرى قسم كبير من الكُتاب الأتراك أن الولايات المتحدة والدول الغربية بشكل عام تسعى لإضعاف تركيا من خلال توريطها في سوريا ودفعها للتدخل هناك والوقوع في وحل المواجهة مع روسيا والأسد وإيران ومن ثم دفعها لطلب المساعدة والوقوع تحت الابتزاز الأمريكي الأوروبي.
ومنذ أسابيع يتصاعد الخلاف التركي الأمريكي على خلفية رفض واشنطن تصنيف حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري على لائحة المنظمات الإرهابية، وهو الحزب الذي اتهمته أنقرة بالوقوف خلف التفجير الانتحاري الأخير الذي استهدف العاصمة أنقرة وأدى إلى مقتل 28 شخصاً وإصابة العشرات.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هدد بإغلاق قاعدة «إنجرليك» التي يستخدمها سلاح جو الجيش الأمريكي كنقطة انطلاق لقصف مواقع المتطرفين في سوريا، وقالت وسائل إعلام تركية إن الرئيس التركي حذر في اتصال هاتفي الرئيس الأمريكي باراك أوباما من أي دعم جديد لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي.
من جهته، قال متحدث الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، إن الهجوم الإرهابي الذي شهدته العاصمة أنقرة، الأربعاء الماضي، وخلّف 28 قتيلاً، «سيؤثر في موقف تركيا من الحرب الدائرة في سوريا»، وذكر قالن في مقال، أوردته صحيفة «دايلي صباح» التركية، بعنوان «هجوم أنقرة كشف عن خطوط التصدع الجديدة» أن بلاده «تمتلك الحق في اتخاذ موقفًا ضد واشنطن، التي تدعم مليشيات تلك المنظمة».
وبالتزامن مع تزايد التكهنات حول مدى إمكانية دعم حلف شمال الأطلسي الناتو لتركيا في حال دخولها بمواجهة مع روسيا، قال وزير خارجية لوكسمبورج جاناسيلبور في حديث لمجلة «ديرشبيجل» الألمانية إنه لا يمكن الحديث عن دعم الناتو إلا في حال تعرض الدول الأعضاء إلى اعتداء أو هجوم، موضحًا أن كون الطرف المهاجم عضوًا في الناتو لا يعني بالضرورة أنه سيجد التحالف المكون من 28 دولة خلفه ويحظى بدعمه.
وقال: «يجب على الناتو ألا يسحب التوتر العسكري مع روسيا بسبب المشكلة الدائرة بين تركيا وروسيا. ولا يمكن الحديث عن دعم سائر الدول الأعضاء إلا في حال هجوم علني وصريح»، زاعمًا أن الناتو لن يقدم الدعم لتركيا في حال هجومها على روسيا.
الكاتب التركي «هاشمت بابا أوغلو» كتب، الأحد: «ندرك أبعاد اللعبة السياسية في المنطقة والعالم وهذا ما يزيد من حيرتنا وقلقنا، فمنذ فترة والشرق الأوسط مشتعل بالأحداث التي تنعكس على العالم أجمع، وكان من أهم اللاعبين الجدد تنظيم داعش الذي وكما نعلم جيدا كان وما زال يحمل بصمات أجهزة المخابرات العالمية وخاصة الإنجليزية منها».
وأضاف: «مع تصاعد أزمة اللاجئين بات العالم اليوم يطلب من تركيا التدخل برا لحل الأزمة، والسؤال هنا: هل ستدخل تركيا لمحاربة المجرم بشار الأسد أو ذراعه الإرهابي حزب الاتحاد الديمقراطي؟ لا، إنهم يريدون تدخلا تركيا ضد داعش»، وتابع: «ينبغي أن نعلم أيضا أننا يجب أن لا نقع فيه، ومن أجل ذلك يجب أن تحصل اتفاقات وتوازنات جديدة قادرة على تغيير الموازين والمعادلات، ومنها مثلا امتلاك التحالف الإسلامي إرادته الخاصة في حل الأزمة، أو حتى تحالف عالمي بين الصين وألمانيا وتركيا لقلب الموازين، أو حتى خيارات سلمية في الدوائر الدبلوماسية».
وفي صحيفة تركيا، اعتبر الكاتب التركي «رحيم إر» أنه «مع استمرار الأخطاء الأمريكية في الشرق الأوسط وجد الروس موطئ قدمهم في حوض البحر الأبيض المتوسط، فجاءوا يدوسون بأقدامهم الثقيلة ليحطموا الربيع العربي ويفعلوا أسحارهم الداعشية. فمثلت واشنطن بأنها تستخدم حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني كقوات أرضية لها بشكل منفصل مع دعم جوي بالطائرات والصواريخ، وفي نفس الوقت كانت وحدات حماية الشعب الكردي تنسق مع الأسد لتشغل محل القوات الأرضية للجيش الروسي».
ويضيف: «في هذه الغيبوبة الأمريكية نرى الطائرات الروسية وهي تحلق في الأجواء السورية لتقتل وتدمر وترتكب المجاز بأهل السنة، فهي تستهدف المعارضة المسلحة دون داعش الذي تدعي محاربته، فتدمر المستشفيات والمدارس وتقتل النساء والأطفال والشيوخ.. في ضوء كل هذا الإجرام الروسي أسأل: لماذا تم إنشاء الناتو؟ وضد من تم إنشاؤه؟ ولماذا يكتفي الناتو بالمشاهدة ولا يتحرك؟».
في السياق ذاته، يقول الكاتب التركي في صحيفة ستار «بريل ديدي أوغلو»: «بعد إفراغ الأمريكان الساحة للروس حاول حزب الاتحاد الديمقراطي استغلال الدعم الروسي والأمريكي، وبسبب هذا لم تستطع أمريكا أن تحافظ على علاقتها الجيدة مع تركيا رغم الوساطة السعودية، كما ولم تستطع أمريكا تطوير إستراتيجية تجمع الأطراف الأوروبية في جبهة واحدة.
وفي هذه الأثناء فإن عنوان المرحلة القادمة سيكون العراك السعودي الإيراني، فبتدخل السعودية المحتمل في الساحة السورية سيفتح باب الرهان من جديد، فإما أن يتفق الطرفان أو يختلفا، وسيعتمد ذلك على ما ستختاره الدول الداعمة لكل طرف».
ويحذر الكاتب أيضاً من أن «الروس والأمريكان يتشاركون في كثير من تفاصيل اللعبة السورية، فكلا البلدان يريد من تركيا أن تدخل في الأزمة السورية وتفشل في هذا التدخل، لأن فشلها هذا سيعني حاجتها لمن يُنقذها، فيستغلوا هذا الفرصة حتى يساوموها على الإنقاذ، لهذا نراهم يدعمون حزب الاتحاد الديمقراطي، كما ونرى دعمهم للعراك السعودي الإيراني، لكن الموقف المضاد لبعض الدول الأوروبية عارض هذا السيناريو وسار في طريق إصلاح العلاقات بين إيران والسعودية».
وفي تحليل آخر، ترى الكاتبة في صحيفة صباح التركية «هلال قابلان» أن «تركيا لم توجه نيران مدفعيتها من أجل استهداف «وحدات حماية الشعب» فحسب، وإنما ضربت المخططات التي ترسمها روسيا وأمريكا في المنطقة، وضربت مساعي إيران التوسعية، وضربت كذب الغرب الذي وقف في وجه مشروع المنطقة الآمنة للاجئين، وربما لم نملك قوة بعد تكفينا لرسم مخططاتنا ورسم أبعاد اللعبة، لكننا نملك قوة «إفساد» المخططات التي تضعها القوى الظلامية».
الكاتب التركي المعروف والمقرب من دوائر صنع القرار كمال أوزتورك قال في مقاله في صحيفة يني شفق: «قد بلغ العجز لدى الرئيس أوباما إلى درجة قال فيها خلال مكالمة هاتفية أجراها مع الرئيس أردوغان تتعلق بسوريا وإسرائيل وقضايا الشرق الأوسط «أنا أتفهم وضعك، أنت محق، ولكن افهمني أيضاً. أنا عالق هنا لا يمكنني القيام بأي شيء».
وتوقع أنه وحتى يتم إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الجاري، فإن هذه المدة الرئاسية بالنسبة إلى حالة «البطة العرجاء» تعني تقييد الولايات المتحدة لمدة سنة، وقال: «وبناءً على ذلك من سيوقف روسيا؟ الاتحاد الأوروبي العاجز أم الولايات المتحدة الأمريكية المقيدة؟».
إسماعيل جمال