«دخل شخص يمني إلى مطعم في باريس وسأل النادل: هل عندكم أقدام ضفدع؟ فأجابه النادل: نعم. فقال اليمني: إقفز عليها وأعطني حمص». هذه نكتة حلوة، خصوصا أن من يرويها هو دودو طوباز الذي يُقلد اللهجة اليمنية جيدا. إلا أنهم طلبوا منه في سلطة البث أن يروي النكتة قبل بدء البث وأن تُستخدم كلمة إسرائيلي بدل كلمة يمني – هنا لا يُسمح بتقسيم الشعب. وبدل باريس طلبوا منه أن يقول تل ابيب ـ التلفاز لا يشجع الهجرة من البلاد. وأقدام الضفدع الغير صالحة للأكل، طلبوا منه إزالتها. هكذا وجدت نكتة وطنية جيدة: دخل إسرائيلي إلى مطعم في تل ابيب وطلب الحمص. «الآن استمر، قالوا لدودو طوباز في سلطة البث».
نشر في الاسبوع الماضي في الشبكة أن رجال الكيرن كييمت لإسرائيل سيكشفون في الكرمل عن متاريس قديمة تم استخدامها لانتاج التبغ قبل سبعين سنة. هذه المتاريس التي تمتد على مساحة 100 دونم بجانب منطقة نير عتصيون اكتشفت بعد اعمال اعمار الكرمل بعد الحريق الكبير. التبغ الذي كان يُنتج هناك كان يتم تصنيعه في قمة الجبل حيث يوجد اليوم سجن الدامون.
سألني صديق قلق: هل اصطدم نيزك بالكرة الارضية قبل سبعين سنة؟ أم أن الحديث عن آثار من العصر البرونزي. قمت بتهدئته وقلت له إن الحديث في نهاية المطاف عن نظرية الضفدع: لا ذكر لهوية اولئك الذين سكنوا في المكان، لا ذكر لمهارة الفلسطيني بالزراعة كي لا يتم الحاق الضرر بالرواية القائلة إن البلاد كانت فارغة. لكن لماذا الاستغراب. فخطابات نتنياهو ايضا هي عن طهارة نظرية الضفدع. فيما يتعلق بغزة سيقول إن الفلسطينيين أطلقوا آلاف الصواريخ على الجنوب. لكن سيتم اخفاء 2500 قتيل فلسطيني عن الشاشة كي لا يلحق الضرر بصورة اليهودي الضحية.
الحقيقة هي أن أب وأم نظرية الضفدع هي وثيقة الاستقلال نفسها. الامر البارز في وثيقة الاستقلال هو غير الموجود فيها: تاريخ البلاد على مر الاجيال. ليس فقط أن الفلسطينيين اختفوا، بل لم يحدث شيء خلال ألفي سنة من اختفاء اليهود.
من ناحية أعطت الوثيقة الاشارة لتطهير البلاد من كل ذكر لاولئك الذين عاشوا فيها. ومن ناحية اخرى تجاهلت المساهمة الكبيرة لليهود الذين عاشوا في اوروبا والدول العربية. قد يكون هذا سيئا لأسس الصهيونية، أنه في إسرائيل فقط يستطيع اليهود اظهار قدراتهم، رغم انجازاتهم اللافتة في اوروبا والدول العربية.
لذلك فإن نص وثيقة الاستقلال هو بذرة الفساد. التيار العلماني استعبد وثيقة الاستقلال من اجل رواية مسيحانية متجاهلا القيم الانسانية العالمية التي كانت الأساس لتأييد العالم لاقامة الدولة. يبدو أنه من غير الممكن اقامة دولة تعزل أبناءها عن باقي شعوب العالم دون تبني رواية كهذه واضطهاد أطراف اخرى في حياة الشعب اليهودي. أحد أبطال رواية عاموس عوز «البشرى حسب يهودا»، يقول إنه في أحد الايام سينقض الوحش: «الطاقات غير العقلانية التي حاول مؤسسو الصهيونية تجنيدها في الصراع العلماني الحاضر ستنفجر في أحد الايام وستسحب معها كل ما سعى آباء الصهيونية إلى تحقيقه هنا». الامر الايديولوجي بنكهة مسيحانية يستعبد الواقع هنا ـ إسرائيل تعيش في حالة انكار للواقع الذي يحيطها. من المتاريس في الكرمل ومرورا بتعديل التاريخ وانتهاء باخفاء المواطنين العرب عن شاشات التلفاز وصفحات الصحف. لكن الواقع هو الذي سينتصر وليس الايديولوجيا. هذا أمر مفروغ منه.
في الوقت الحالي يزداد الاغتراب بين إسرائيل وباقي العالم، والادعاء الإسرائيلي حول ضرورة استمرار الاحتلال يتحول شيئا فشيئا إلى نكتة سيئة أكثير بكثير من النكتة المُعدلة لطوباز.
هآرتس 7/12/2015
عودة بشارات