نظرية المراحل الحمساوية

حجم الخط
0

اتفاق المصالحة «التاريخي» بين حماس والسلطة الفلسطينية، الثالث في عدده في العقد الأخير، الذي وقع الأسبوع الماضي في القاهرة، استقبل بصمت صاخب ونال تجاهلا شبه تام، وقبل كل شيء في أوساط الفلسطينيين أنفسهم، وكأنه لا يدور الحديث عن «مصالحة تاريخية»، من شأنها أن تفتح صفحة جديدة واعدة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.
يحتمل أن تكون أحداث دراماتيكية أخرى، مثل البطاقة الصفراء التي أصدرها الرئيس ترامب لإيران يوم الجمعة، دحرت المصالحة عن العناوين الرئيسة. ولكن يخيل أن غياب كل رد فعل على الاتفاق يدل أكثر من أي شيء آخر على أن أحدا لا يأخذه على محمل الجد، وفضلا عن ذلك، بأن أحدا لا يؤمن بتحققه. وفي أقصى الأحوال يرى فيه الفلسطينيون مثابة ترتيب عمل مؤقت ومريح، ولكن أيضا محدود في غاياته، يمكن للطرفين أن يكسبا منه من دون أن يخاطرا او يدفعا الثمن.
بالنسبة لحماس يدور الحديث عن إنجاز ينقذهم من الضائقة التي علقوا فيها. بالضبط، بالمناسبة، مثلما أنقذ اتفاق أوسلو في أيلول 1993 عرفات وم.ت.ف من الطريق المسدود ومن العزلة التي وجدا نفسيهما فيها في أعقاب حرب الخليج. فبعد كل شيء، فإن السيطرة الفاعلة لحماس في القطاع ستبقى وستتواصل ـ باستثناء أن هذه ستكون بستار وغطاء من الاحترام والشرعية الذي منحها إياها الوجود الرمزي والمحدود للسلطة الفلسطينية، ولا سيما في معابر الحدود.
الكل يشير إلى الخطر أن تصبح حماس توأم حزب الله في لبنان، الذي يعمل برعاية الحكومة في بيروت. وفقط للتذكير، فمن واشنطن قيل إن رئيس الأركان اللبناني دعي إلى الولايات المتحدة ضيفا على وزارة الدفاع الأمريكية، كدليل على من تريد الولايات المتحدة رفع مكانته. وفي ظل ذلك، سارعت وزارة الخارجية الأمريكية إلى الدفاع عن الجيش اللبناني من غضب وزير الدفاع افيغدور ليبرمان، الذي ادّعى مؤخرا بأن هذا الجيش يتعاون عمليا مع حزب الله، وإنهما الاثنان أصبحا عمليا واحدا.
ولكن يخيل أن حماس تسير في أعقاب م.ت.ف التي تبنت في الستينيات «نظرية المراحل» الاصطلاح الذي استمدته من منظمات ماركسية ثورية كانت تعمل في حينه في العالم، وتقول إن طريق الثورة تمر في مراحل وكل واحدة منها تستوجب طريقة مختلفة في التعامل، بل وتبني سياسة معتدلة وبراغماتية إذا كان الوقع يتطلب ذلك ـ شريطة أن يبقى الالتزام بالمرمى النهائي.
في إسرائيل يوجد الكثيرون ممن يرغبون في أن يروا في الاتفاق مثابة نزول من حماس عن شجرة الكفاح لتصفية إسرائيل، ولكن تجدر الإشارة إلى أن حماس تشدد حاليا بأنها لا تزال، برغم الاتفاق، ملتزمة بمرماها النهائي. وبالمقابل، ليس لأبي مازن على أي حال ما يخسره. فقد عاد ليكون ذا صلة بل وعزز نفسه في نظر إدارة ترامب التي تسعى نحو «صفقة القرن»، اتفاق السلام التاريخي إياه الذي يخطط لفرضه على إسرائيل وعلى الفلسطينيين. لقد تصرفت إسرائيل بحكمة في أنها لم تسارع إلى الوقوف حيال مصر وواشنطن عرابتي الاتفاق. فالقاهرة تأمل في أن تتمكن من إغراء حماس خطوة إثر خطوة للامتيازات الاقتصادية لسكان القطاع ولكن أيضا بالضغط لنزع ذخائرها؛ أما واشنطن فتأمل بأن أبا مازن سينجح في نهاية المطاف في أن يسيطر بطريقة ما على القطاع. فبعد كل شيء، في الولايات المتحدة البعيدة يتأثرون في الغالب بالتصريحات ويميلون إلى تجاهل التفاصيل والواقع على الأرض. ولكن قصر النظر وعدم استعداد الولايات المتحدة لمواجهة الواقع على الأرض هما اللذان سمحا لحماس منذ البداية للتنافس والفوز في الانتخابات الفلسطينية في عام 2006، ولاحقا السيطرة على غزة أيضا.

إسرائيل اليوم 15/10/2017

نظرية المراحل الحمساوية

ر ايال زيسر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية