لطالما عزا الكثير من الباحثين نهضة الغرب إلى التراكم الاقتصادي الذي حصل إبان عهد التوسعات الاستعمارية، ونتيجة لتراكم الثروات المجلوبة من المستعمرات إلى بلدان الغرب، حصل التغير الاقتصادي الذي أدى إلى تغيير قوانين وسائل الإنتاج الذي أدى بدوره إلى الانتقال من حقبة الإقطاع إلى سيطرة الطبقة البرجوازية الصاعدة بتأثير الثورة الصناعية.
هذا التغيير قاد إلى شيوع قيم العلمانية والحداثة في الغرب، الذي أصبح متقدما على الشرق، وهنا لابد من طرح سؤال؛ هل هنالك حتمية تاريخية مؤداها أن تراكم الثروة يقود إلى تغيرات اقتصادية ستغير بدورها البنى الاجتماعية نحو الحداثة والنهضة؟ ولماذا كان تراكم الثروة في بلدان النفط النامية وبالا عليها وأدى إلى تراجع ملحوظ في قيم الديمقراطية وقيام أنظمة مستبدة أشرس من مثيلاتها في الدول النامية التي لا تمتلك ثروات نفطية؟
قصة النفط العراقي مرت بعدة تطورات منذ 1927، عندما تأسست شركة نفط العراق (IPC) على أنقاض شركة البترول التركية، التي عقدت اتفاقية استثمار البترول العراقي مع المملكة العراقية، ثم مرت هذه المعاهدة بعدة تعديلات تبعا لمطالبة الحكومات العراقية بزيادة حصتها من الثروة النفطية، بناء على زيادة تسويق النفط أو ارتفاع أسعار النفط العالمية، حتى وصلت إلى ما عرف باتفاقية المناصفة عام 1950، وهو أهم تعديل في تلك الفترة بعد ازدياد الطلب العالمي على البترولـ بعد الحرب العالمية الثانية، وبناء على هذا التعديل أصبح العراق يحصل على نصف أرباح النفط المصدر، وتزامن ذلك مع اتفاق الحكومة العراقية مع البنك الدولي على منح العراق قروضا لإقامة عدد من السدود لحماية بغداد من خطر الفيضان، الذي كان يهددها كل عام، وكان من شروط البنك الدولي إنشاء ما عرف بـ»مجلس الإعمار»، الذي تولى الإشراف على مشاريع التنمية في العراق، لأن عمر الحكومات المتتالية كان قصيرا لا يمنحها الوقت الكافي لتنفيذ خطط التنمية، لذلك أصبح مجلس الإعمار هيكلة إدارية مستقلة غير خاضعة للحكومة وتغيراتها، ويقوم بتنسيق أعمال واحتياجات الوزارات عبر رسم خطط التنمية القصيرة والبعيدة المدى. وقد وضعت ايرادات النفط العراقي تحت تصرف مجلس الإعمار فقط لتنفيذ المشاريع والفائض منها يدور للسنوات المقبلة، وفعلا حققت خطط مجلس الاعمار نهوضا حقيقيا على كل الاصعدة في مدة قصيرة، لكن خطط التنمية تحتاج عادة إلى مدى زمني لا يقل عن عشرين سنة ليؤتي ثماره بشكل واضح، وهذا ما لم يتحقق، إذ تم تقليص صلاحيات مجلس الإعمار بعد ثورة 14 يوليو/تموز، ثم ما لبث أن أدمج في البنية الحكومية عبر ربطه بوزارة الإسكان لتصبح وزارة الاسكان والتعمير، وليتحول الجهد التخطيطي إلى وزارة مستحدثة هي وزارة التخطيط، لتعود أموال البترول مرة أخرى تحت نفوذ الحكومات المتقلبة.
توترت علاقة الحكومة العراقية مع شركات البترول الاحتكارية حتى وصلت نقطة الانفجار في عهد الجنرال عبد الكريم قاسم، عندما فرض على كارتل الشركات (IPC) بعد فشل المفاوضات اكثر من مرة قانون رقم 80 عام 1961، الذي انتزع من الشركات الاحتكارية 99٪ من الاراضي المتفق عليها في المعاهدات السابقة للاستثمار، ولم يبق لديها الا الاراضي المنتجة فعليا للنفط حينها وهي 1٪ فقط . لكن هل استطاعت الحكومات العراقية المتعاقبة أن تطور الصناعة النفطية في الاراضي المنتزعة من الشركات الاحتكارية؟ الحقائق التاريخية تقول كلا لم يتم ذلك، على الأقل حتى منتصف السبعينيات عندما أمم العراق حصص الشركات الاحتكارية في الاول من يونيو عام 1972 وأتم تأميم بقية الحصص في ديسمبر 1973. وفي سياق متصل، تناول مؤخرا عدد من الكتاب العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي دور مؤسسة كولبنكيان وما نفذته من مشروعات تعليمية وصحية واجتماعية وثقافية في العراق، في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وللتعريف أكثر بالموضوع، نقول، لقد أسس كولست سركيس كولبنكيان هذه المؤسسة في مطلع القرن العشرين، وهو شاب أرمني مولود في اسطنبول عام 1869 لعائلة ثرية امتهنت التجارة في قطاع النفط الروسي المجلوب من باكو إلى الدولة العثمانية، وقد ارسلت العائلة ابنها كولست ليكمل دراسته في لندن ويتخرج من الكلية الملكية بتخصص هندسة البترول عام 1887 ثم اكمل خبرته العملية بالدراسة في باكو، وبذلك دخل قطاع البترول مسلحا بالعلم والخبرة العملية في سنوات شبابه المبكر، ليلعب دورا مهما في اتمام عقود التنقيب عن البترول في اراضي الإمبراطورية العثمانية وتحديدا في العراق، ولأنه قدم خدمات جليلة للامبراطورية العثمانية فقد عين بمنصب الوزير المفوض في لندن وباريس في نهايات القرن التاسع عشر، وسعى لتأسيس الشركة التركية للتنقيب عن البترول بدعم ومساعدة من الشركات الهولندية والفرنسية والبريطانية، التي تشاركت تحت اسم شركة نفط العراق (IPC)، وهي كارتل من الشركات الاحتكارية التي حصلت على احتكار التنقيب واستخراج وتسويق النفط العراقي من المملكة العراقية الوليدة في عشرينيات القرن العشرين، ونتيجة لجهود كولست كولبنكيان فقد كانت حصة شركته من هذا الكارتل النفطي هي 5٪ من أسهم الشركة العملاقة، لذلك عرف بالسيد خمسة بالمئة في اسواق المال العالمية، وعرف عنه ولعه بالفنون والآداب والمتاحف ودعم النشاطات الثقافية، وبعد تنقله في عدة دول بين الشرق الاوسط واوربا اختار مستقره في لشبونة في البرتغال ابان الحرب العالمية الثانية وهنالك استقرت مؤسسته.
لو نظرنا إلى المشاريع التي نفذتها مؤسسة كولبنكيان كمنح للعراق، وهنا يجدر التنبيه على أنها بالتأكيد غير ملزمة بأي حال من الاحوال على تقديم ذلك، سنجد أن اهم المؤسسات التي شكلت وجه النهضة العراقية منذ الخمسينيات هي مشاريع مؤسسة كولبنكيان، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تبرعت المؤسسة بتكاليف انشاء ملعب الشعب الدولي في بغداد في ستينيات القرن العشرين، ومركز الفن الحديث والمتحف العراقي ومتحف الموصل وعدد من المتاحف الصغيرة في المحافظات وجمعية المهندسين ومدينة الطب (اكبرمؤسسة طبية في العراق وفي المنطقة حين انشائها) وجمعية الفنانين التشكيليين والمجمع العلمي العراقي والمكتبة الوطنية والجامعة المستنصرية وجامعة الحكمة وجامعة الموصل والكلية العسكرية في بغداد، بالاضافة إلى بنايات الادارة المحلية في العديد من المحافظات العراقية، والتي عرفت ببهو الادارة المحلية، إضافة إلى مستشفيات بمواصفات عالمية في عدة محافظات وعدد كبير من المدارس ودور رعاية وإيواء الايتام وإصلاحيات رعاية الأحداث التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعديد من الكنائس في بغداد والمدن العراقية المختلفة. وهنا يجب أن نبين أن مؤسسة كولبنكيان ليست مؤسسة خيرية، بل إنها شركة انتاج وتسويق بترول تسعى للربح بالتأكيد، وبالتالي فإن ما تصرفه على مشاريع كالتي اشرنا لها يأتي ضمن المساعدة في إقامة بنى تحتية للنهوض بالمجتمع الذي تستثمر فيه الشركة، وهي تحصل على 5٪ من اسهم النفط العراقي فقط، وبتخصيصها جزءا يسيرا من ارباحها أنشأت كل ذلك، إذن ماذا فعلت الحكومات المتعاقبة التي تحصل على كل ما تبقى من ثروة العراق النفطية؟
ولكي نبقى في إطار الزاوية الصغيرة التي اخترناها من مشهد البترول العراقي – قصة مؤسسة كولبنكيان- التي اممتها الحكومة العراقية، لنسأل ماذا كان مصير هذه الـ 5٪ من البترول العراقي بعد التأميم؟ سنجد الاجابة في مذكرات جواد هاشم الذي كان وزيرا للتخطيط في الحكومة العراقية ابان المفاوضات مع شركات البترول الاحتكارية، المفاوضات التي كان يديرها صدام حسين عندما كان الرجل الثاني في الحكومة العراقية، فقد كتب جواد هاشم في كتابه «مذكرات وزيرعراقي مع البكر وصدام»؛ كانت مؤسسة كولبنكيان البرتغالية تمتلك 5٪ من امتيازات نفط العراق، وقد شمل التأميم هذه الحصة على مرحلتين: الأولى في 1 يونيو 1972، والثانية في 20 ديسمبر 1973. لقد قرر صدام حسين، بعد تأميم هذه الحصة، الاحتفاظ بعوائدها السنوية في حساب مستقل في الخارج، لكي تكون لقيادة الحزب، على حد تعبيره، مبالغ كافية من المال لاستخدامها في العودة إلى الحكم في حال وقوع انقلاب، أو في حال وقوع غزو خارجي. ويذكر جواد هاشم الحادثة التالية ؛ في إحدى الجلسات الخاصة، وكان حاضراً فيها أمين عبد الكريم وزير المالية، والدكتور فوزي القيسي محافظ البنك المركزي، التفت صدام إلينا قائلاً: «حزب البعث جاء إلى العراق ليحكم 300 سنة، ولكي يستمر في الحكم أو يعود إليه في حال سقوطه نتيجة انقلاب عسكري، فلا بد من وجود مصدر مالي ضخم لديه خارج العراق. نحن لا نريد أن نقع في أخطاء عام 1963 عندما سقط حكمنا وواجهنا صعوبات مالية كبيرة. إذن، فكروا لنا يا رجال الاقتصاد في كيفية تخصيص عوائد حصة كولبنكيان المؤممة للحزب».
وبالفعل، فقد أصدر مجلس قيادة الثورة قانوناً، خُصص بموجبه 5٪ من عوائد العراق النفطية سنوياً للحزب، تُودَع في حساب خاص في الخارج تحت إشراف صدام حسين.
اذن المقارنة باتت سهلة وواضحة لمن يريد أن ينظر إلى نعمة النفط العراقي ونقمته، فمن فتات شركة تملك 5٪ من النفط العراقي تم انشاء أهم معالم وجه العراق الحضاري، بينما الحكومات المتعاقبة التي امتلكت كل ثروة البترول اضاعتها عبر حروب ومغامرات الديكتاتور العبثية، أو عبر حكومات الفاسدين ولصوص المال العام الذين نهبوا ما تبقى من ثروة الاجيال القادمة.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي