انتقد صديق عزيز مقالي «أي منقلب ينقلبون» الذي نشرته «القدس العربي»، في عددها الصادر بتاريخ 6 آب/اغسطس، واصفا إياه بالعاطفي»حبتين».. والمقال يدور حول الإعلاميين العرب المتصهينين الذين يختارون دوما اللحظات الدقيقة والحرجة التي تسفك فيها دماء الفلسطينيين، أطفالا ونساء وشيوخا، وتدمر بيوتهم وتحرق أشجارهم وحتى حيواناتهم، ليبرروا عدوان دولة الاحتلال عبر الإعلان «عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره، الذي يدفع ثمن مغامرات بعض فصائله التي تعمل لحساب محور ما من المحاور العديدة في المنطقة، والتي بدأت ترفع رؤوسها مع ما يسمى بالربيع العربي».. وهم بذلك ينطقون بباطل، وباطل جدا يراد به حق.
هؤلاء هم ابعد الناس عن الحق.. لأنهم هم أنفسهم يدورون في فلك واحد او اكثر من هذه المحاور المستجدة، التي يدور معظمها في فلك اسرائيل.. بعبارة اخرى نواياهم وغاياتهم غير شريفة، والشعب الفلسطيني وقضيته ودماء ابنائه بعيدون كل البعد عن اهتماماتهم.. لأنهم لو كانوا كذلك لكرسوا أقلامهم لرفع الضيم عنه.. ولاتحفونا بالحلول التي تخرج «هذا الشعب المغلوب على أمره»، من محنته الحقيقية، ممثلة بالاحتلال الاسرائيلي الجاثم على صدره منذ اكثر من 47 عاما، ولن نقول 66 عاما حتى لا نتهم بالعبثية واللاواقعية والتفكير المتطرف الداعي الى تحرير فلسطين، كل فلسطين من النهر الى البحر و»القضاء على الدولة الصديقة والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، اسرائيل».
نعم أيها الصديق العزيز اعترف بأنني كنت عاطفياً، ولكن ليس بالقدر الكافي.. ولم اطلق العنان لنفسي لأعكس ما يعتمر في نفسي ويختمر في داخلي ازاء هؤلاء الإعلاميين المتصهينين، الذين يقتنصون دوما أحلك الأوقات وأكثرها حرجا، في محاولات بائسة لضرب الروح المعنوية لهذا الشعب ومقاومته، كي يركبوا مطيهم وينقضوا عليهما، بالتحريض واتهامهم بافتعال الحروب واستفزاز اسرائيل، لتطلق العنان لطائراتها لارتكاب المجازر تلو المجازر ضد الفلسطينيين العزل، لأغراض غير وطنية.
تلك هي الاتهامات الباطلة التي يحمّلون فيها الضحية مسؤولية ذبحها وسلخها، ويصدرون لكيان الاحتلال الغاصب صكوك البراءة والغفران من دم الفلسطينيين.. وتزويد هذا العدو بالسلاح الذي يدافع فيه إعلاميا عن نفسه.. هذا السلاح الذي لا يقل أهمية عن طائرات (اف 16) ودبابات الميركافاه والصواريخ الخارقة الحارقة التي تزود بها الولايات المتحدة اسرائيل لإنزال مزيد من الذبح والقتل بالأطفال والنساء والشيوخ والأبرياء، وتدمير منازلهم فوق رؤوسهم وحرمانهم من البنى التحتية والمرافق العامة وحرق شجرهم وحقولهم والقضاء على كل مقومات حياتهم.
نعم أيها الصديق كنت عاطفياً ولا غضاضة في ذلك.. فأنا اولا وأخيرا، وخلافا لهؤلاء المتصهينين من إعلاميين وسياسيين الذين يحركون كما الدمى متجردين من كل القيم الأخلاقية والإنسانية، انتمي الى الجنس البشري.. إنسان من دم ولحم ومشاعر وأحاسيس، فكيف لا أكون عاطفياً اذن.. وإلا كيف سيكون الفرق بيني وبين اي حيوان على اربع؟
ليس عيبا ان أكون عاطفياً، بل العيب ان يبقى الانسان صامتا صمت القبور على المجازر الإعلامية التي يرتكبها هؤلاء المتصهينين.
كيف لا أكون عاطفياً يا صديقي ومشاهد القتل والذبح والمجازر تدمي القلوب وتبكي الصخور.
كيف لا أكون عاطفياً وصواريخ العدو الاسرائيلي تمزق أجساد اكثر من 600 طفل، أشلاء تتطاير في كل مكان؟
كيف لا أكون عاطفياً وصرخات الأطفال المتصاعدة من بين الأنقاض ترّن في الاذن ليل نهار؟
كيف لا أكون عاطفياً وصرخات الثكالى من الأمهات تأتينا من تحت ركام منازلهن ولا من مجيب؟ بينما تتعالى الإدانات والأصوات المتعاطفة مع مقتل طفل اسرائيلي؟
كيف لا أكون عاطفياً وطائرات العدو وصواريخه وقنابله أبادت عائلات وأسر بأكملها، على مسمع ومرأى هؤلاء المتصهينين وحكام العرب وزعماء العالم اجمع.. ولا من مغيث؟
كيف لا أكون عاطفياً وتقبل لي ان أكون اقل إنسانية من المسؤول الأممي كريس غونيس الذي انهار على شاشات التلفزة وهو يتحدث عن احدى المجازر في مدرسة للاونروا، وترك دموعه تتحدث عن بشاعة ما شاهده في هذه المجزرة، وهي السادسة آلتي ترتكبها سلطات الاحتلال ضد اللاجئين الفارين من الموت الى مؤسسات الامم المتحدة، التي وقفت عاجزة عن حمايتهم ولا من مدين. نعم يا صديقي لقد بكى غوينس الصحافي البريطاني، كما لم يبك من ذي قبل، وهو يقول ان «حقوق الفلسطينيين او حتى أطفالهم، تنكر عليهم.. انه لأمر بشع.. الأطفال والنساء يذبحون..». وقال ايضا: «هناك أوقات تكون فيها الدموع اكثر بلاغة من الكلام..».
كيف لا أكون عاطفياً وقوات الاحتلال ترتكب المجزرة تلو المجزرة وأعداد الضحايا تتزايد بالعشرات يوميا وأحيانا بالمئات ولا من حراك؟
كيف لا أكون عاطفيا بينما العدو يمارس قولا وفعلا الإبادة الجماعية بحق أبناء شعبي؟
كيف لا أكون عاطفياً وغاضبا وانا اسمع سياسيين واعلاميون عرب وهم يتبنون الدعاية الاسرائيلية الكاذبة ويرددون مقولة ان، أهل غزة يدفعون ثمن «تهور المقاومة العبثية» بدون ان يقدموا البدائل.. الا اذا كانت بدائلهم غير المعلنة ان يستسلم الشعب الفلسطيني ويرضى بمصيره الذي يحددونه له هم واوصياؤهم.
وبالمناسبة لا ينطبق هذا الوصف على شعب معروف بانه صعب المراس.. يقود قيادته وليس العكس.. يناضل ويقاتل ويكافح منذ حوالي القرن بدون كلل او ملل، بأسلحة بدائية، نعم بدائية، لان «ايادي إخوانه العرب ولا اقصد المسلمين» ضنت عليه لا على غيره، ببعض مما تغص بها ترساناتهم من أسلحة يتآكلها الصدأ والجراذين.
هذا الشعب صاحب ميراث زاخر بالثورات والانتفاضات منذ مطلع القرن الماضي، مرورا بثورة الـ36 وانطلاق المقاومة، والثورة المعاصرة مطلع الستينات، وانتفاضة 1987 وانتفاضة الأقصى 2000.. وحصار الرئيس ياسر عرفات في مقره في رام الله وخذلان الزعماء العرب له الذين أغلقوا هواتفهم في وجهه، وعدوان 2008 وحتى العدوان الاخير الذي عزز عقيدة توازن الرعب مع دولة الاحتلال، الذي انتصرت فيه المقاومة بتحقيق أهدافها، رغم المشككين والمتصهينين والمأزومين والمهزومين. ولن يسكت وسيواصل المقاومة بأشكالها كافة حتى يتحقق الانتصار الأعظم.. هذا الشعب ومقاومته لا هم عبثيون ولا عدميون، لم يتركوا دربا الا سلكوه للتخلص من نير احتلال استعماري سرطاني مقيت.. أعطوا بناء على نصائح أسيادكم، فرصا كثيرة لما يسمى بالحلول السلمية والتسويات السياسية.. طرقوا كل الأبواب معكم ولا من مجيب.. وقبلوا بالمبادرات الأمريكية والأوروبية والعربية.. بدءا من مؤتمر مدريد في أكتوبر/تشرين الاول 1991، وأوسلو 1993 وكامب ديفيد وطابا وواشنطن، على سبيل المثال لا الحصر، مرورا بما يسمى بالمبادرة العربية 2002 (بالمناسبة هي مبادرة أعدها كاتب أمريكي يهودي هو توماس فريدمان لحساب العرب وكأن العرب عاجزون) وما تلاها من مفاوضات علنية وسرية.. فماذا كانت النتيجة.. مزيد من المماطلة والتسويف من قبل اسرائيل والمجتمع الدولي والأنظمة العربية، لعشرات السنوات، قضمت خلالها اسرائيل مزيدا من الاراضي وواصلت تهويد القدس «عروس عروبتكم»، وبدأت عمليا بتقسيم الحرم القدسي الشريف والمسجد الأقصى المبارك «أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين»، زمنيا بين اليهود والمسلمين كخطوة لتقسيمه مكانيا، تمهيدا لبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه، كما فعلت بالحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل عام 1995.
هذا يتم على مرأى ومسمع 22 دولة عربية، والرقم مرشح للازدياد مع ما تشهده المنطقة من تفتت جديد بفضل «الربيع العربي». من اي طينة أنتم مصنوعون.. اذا كان الأقصى مسرى الرسول لا يحرككم فما الذي يحرككم؟ لا نريد «مشاعركم الطيبة ولا حرصكم الزائد» على هذا الشعب فهو ليس بحاجة اليها، وعاش وقاوم من دونها.. كفوا شركم عنه وحرصكم عليه الذي والله لا تبتغون فيه الا شرا.. وكفاكم كفرا ولا تحاولوا فلن تأتي أفكاركم الهدامة أكلها، ولن تفلحوا في كسر شوكة هذا الشعب الذي سيبقى صامدا وراء مقاوميه.. العبوا بغيرها.. وغيركم كان اشطر.
٭ كاتب فلسطيني
علي الصالح