نعم لانتقاد السيسي لا لشيطنة مصر

عقد السيد خليل الحية القيادي في حركة حماس مؤتمرا صحافيا في غزة ظهر امس قال فيه، ان «مصر بذلت جهدا كبيرا ومشكورا في المفاوضات مع اسرائيل، وانها وعدت بتسهيلات ترضي طموح الفلسطينيين بالنسبة لمعبر رفح، وانها تضغط على اسرائيل من أجل تحقيق المطالب الفلسطينية».
وتتطابق هذه التصريحات مع ما نشرته «القدس العربي» من تصريحات خاصة من مصدر دبلوماسي في القاهرة، قبل نحو عشرة ايام، اكد فيها «ان مصر تتبنى المطالب الفلسطينية، وانها تضغط على اسرائيل من اجل تحقيقها»، ونفى فيها ان يكون «نزع سلاح المقاومة جزءا من المفاوضات»، وهو ما يعكس تغليبا واضحا لثوابت استراتيجية لا تتأثر بما هو طارئ او تكتيكي، وتنتصر للأمن القومي المصري الذي تقع غزة في القلب منه، وتمثل المقاومة الفلسطينية رصيدا استراتيجيا له. كما انه يعكس استجابة لغضب متصاعد، وان لم يكن ظاهرا بما يكفي في وسائل الاعلام، في الشارع المصري من مشاهد القتل اليومية في غزة.
وحسب تصريحات القيادي الحمساوي فان مصر لا تتاجر اذن في دماء اهل غزة، بل تسعى الى حقنها، وان الموقف المصري ليس «اكثر تطرفا» من موقف اسرائيل في المفاوضات (..)، بل انه يسعى الى كسر تعنت اسرائيل ومماطلتها التي هي سبب فشل المفاوضات، حسب تعبيره.
وكنت كتبت في هذا المكان قبل اسبوعين مقالا بعنوان «لماذا فشل السيسي في اختبار غزة؟»، تضمن انتقادات شديدة لسياسة النظام المصري والرئيس عبد الفتاح السيسي شخصيا في هذا الاطار، ضمن اسباب موضوعية ومحددة، اعتقدت ومازلت اعتقد انها وراء الفشل المصري في التعامل مع العدوان الاسرائيلي على غزة في مرحلته الاولى. الا ان كل هذا الكلام، سواء تصريحات القيادي الحمساوي ومعناها، او الدبلوماسي المصري او مقالي المتواضع، ما كان ليرضي البعض من الذين قرروا ان «يريحوا» اسرائيل التي تحتل الارض وتقصف الابرياء، وان «يتفرغوا» لشن حملات ليس على النظام المصري او السيسي بقدر ما هي على كل ما هو مصري في الماضي او الحاضر او المستقبل، في السياسة او الاقتصاد او حتى الرياضة، في محاولة فجة لـ»شيطنة» بلد عريق، شاء قدره ان يشغل مكانا ومكانة كانت مصدر تأثير والهام في هذا الاقليم على مدى آلاف الاعوام.
وللاسف فان اولئك «العناترة» – جمع عنتر- او «المحترفين» للتحريض على مصر وشعبها، لا يرون على ما يبدو ما يستحق الانتقاد في سياسات انظمة عربية اخرى، وبعضها يملك اطول حدود مع اسرائيل ولم يحرك ساكنا لاغاثة اهل غزة، وهي انظمة لا تختلف كثيرا عن النظام المصري (ان لم تكن اسوأ كثيرا)، ومصنفة معه في المحور نفسه، لكنهم لا يستطيعون ان ينبسوا ببنت شفة عنها، في دليل على ان «شجاعتهم» لا تُستنفر الا امام مصر ونظامها. ولم تتورع صحف رصينة عن نشر مقالات او تعليقات رسوم كاريكاتيرية تظهر مصر على انها «اكثر صهيونية من اسرائيل»، وما الى ذلك من شتائم وبذاءات عنصرية.
وتصعب هذه الحملات الغوغائية مهمة كل من يحاول توجيه الانتقادات الموضوعية الى النظام المصري سعيا الى تغيير سياساته من الداخل، وهو الاسلوب الوحيد الممكن والفعال حقا لاحداث هذا التغيير، بل ان تلك الحملات من الردح اصبحت توفر للاسف غطاء لبعض الاصوات الاعلامية الشاذة في مصر التي لا تتردد في شن حملات مضادة لا تقل قبحا، وكنت خصصت مقالا قبل نحو شهر لانتقاد تلك الاصوات المعروف لنا تاريخها واسبابها، وبينت فيه ان لا علاقة لها بالتيار الاساسي في الرأي العام المصري.
وحيث ان السياسة في النهاية هي «فن الممكن» وليس فن التمنيات او الاوهام، فقد اثبت الواقع بمعطياته الاساسية التي لا يمكن تخطيها، انه اقوى من تلك الحملات التي يقتصر تأثيرها على ما يحققه اصحابها من فوائد كبيرة بسببها، وهو ما يستلزم اعادة نظر في هذه المقاربة العقيمة التي تأتي بنتيجة عكسية، هذا ان كان المطلوب حقا تحقيق انجازات على الارض في القضايا العالقة، الا اذا كانت حملات الشيطنة تلك مطلوبة لذاتها، او لـ»غرض في نفس يعقوب».
وكنت كتبت العام الماضي مطالبا بلجنة تحقيق مستقلة في كل قطرة دم مصرية اريقت، وقلت ان مصر اليوم احوج ما تكون الى معارضة وطنية قوية، لا تسمح بالعودة الى ما قبل ثورة يناير، ولا تتردد في توجيه اشد الانتقادات للنظام ولمواقف السيسي شخصيا ان اخطأ، وكأي بشر فقد اخطأ كما انه اصاب ايضا. ولن اتردد في مواصلة هذا النهج، كما انتقدت نظام مبارك في عز قوته، بل وارهابه ايضا. الا ان ما يجري من تشويه لمصر وجيشها الوطني لا يمكن الا ان يصب في مصلحة العدو، والعدو فقط.

٭ كاتب مصري

خالد الشامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية