إحدى المشكلات الكبيرة للازمة الديمقراطية في إسرائيل هي أنها ازمة زاحفة، بطيئة ومملة. يوم للتشريع الغريب، وفي اليوم التالي قيود جديدة. مرة تصريح متطرف ومرة الكشف عن شيء محرج. قلائل هم الذين يكلفون أنفسهم عناء الوصل بين النقاط من اجل رؤية الخط الاحمر الواضح. الكثيرون راضون، يوجد خبز وتوجد تسلية. وبشكل عام، في حلب واسطنبول الوضع أكثر صعوبة. إذا ما السيء؟ فقط من ينظر إلى الوراء يكتشف أننا تجاوزنا معا، وكل واحد على حدة، الكثير من الخطوط التي أقسمنا على عدم تجاوزها أبدا.
على قدم وساق، يحول بنيامين نتنياهو وقطيعه إسرائيل إلى نوع من النظام الغريب، حيث إنهم هم الوحيدون الذين يعتبرونه ديمقراطيا. القليل من سلطة الفرد والكثير من الفوضى، سلطة اغلبية لا تحكم، لكنها تحافظ على قمع الأقلية. حرية تعبير واسعة للعنصرية والدينية، وتقييد التعبير الليبرالي. تدخل متزايد للأصولية القومية الدينية المتطرفة في الجيش والقضاء، إلى جانب تقييد وسائل الإعلام ومؤسسات القطاع الثالث. ولم نقل أي شيء بعد عن اختفاء الموضوع السياسي ومصادرة حقوق نصف السكان الموجودين تحت السيادة الإسرائيلية بين النهر والبحر. عندما يحدث الامر ببطء شديد، فمن السهل التجاهل ومن الصعب المعارضة.
ليست الحكومة وحدها هي المسؤولة عن انهيار الديمقراطية. فالمعارضة مسؤولة أيضا. في الديمقراطية السليمة توجد حكومة ويوجد من يعارضها. وطالما أن الحكومة تعمل بشكل صحيح فهي تستطيع الفوز مجددا. وعندما تفشل تكون المعارضة جاهزة مع البدائل. هذا هو جهاز التجدد السياسي والحفاظ على الأمل المشترك. ولكن عندما تغيب المعارضة ويغيب من يخطط للبديل الافضل، يتحول اليأس إلى بديل وحيد لفشل الحكومة.
منذ منتصف الثمانينيات وتشكيل حكومة شمعون بيرس ـ اسحاق شامير، ليس هناك في إسرائيل بديل يعارض السلطة. هناك حكومة وهناك من يريد الانضمام اليها. ايضا حينما يصرخ اسحق هرتسوغ بغضب مصطنع، يبدو بشكل واضح أنه يشتاق إلى الكرسي. هل من الغريب أن الوضع يبدو محبطا؟ رؤوس الجميع أمام الشاشات، وعلى الشبكات وهم يلعبون البوكيمون الحالي. كل شيء عدا السياسة. لأنه عندما ترفض المعارضة لعب دورها الاساسي، يكون من الافضل اللعب بدل اليأس.
لنفرض أنهم يريدون فعل شيء. فما الذي يمكن فعله، باستثناء الخسارة في التصويت؟ كما يتساءلون. يتبين أن هناك مجالا كبيرا لا يتم استغلاله من اجل العمل. لو كانت هناك جرأة وتصميم لكان يمكن عمل الكثير.
لنبدأ بالأساس. السؤال المركزي هو من الذي يفرض برنامج العمل السياسي ومن الذي يفرض مضمونه. في السنوات الأخيرة كان نتنياهو هو الحوار السياسي. وايضا من صرخ «فقط ليس بيبي» مقيد عمليا من قبل بيبي، تماما مثل قانون نيوتن عن الفعل ورد الفعل. وفي المقابل، يمكن وصف ازمة حقيقية في كل يوم. مثلا، التصفية السياسية، الانقلاب الصامت، دولة الدين، عملية تخريبية يهودية في الحرم أو أي أمر خيالي آخر. وهكذا يكون العمل من خلال الشعور المتواصل للسرعة والطوارئ وليس بشكل مريح، مثلما في المعارضة. المعارضة الحقيقية يجب أن تسيطر على الحوار، لا أن تدافع عنه. يجب عليها القيام بتعريف نتنياهو وليس العكس. لا يمكن القول إن هذا غير ممكن ـ دفني لايف ومئات آلاف من اصدقائها فعلوا ذلك بدون أي جهاز، والامواج ما زالت تهدر حتى الآن.
لنفرض أن المعارضة وضعت موضوع انقاذ الديمقراطية موضع الاهتمام. من اجل أن يكون ذلك موضوعا فعليا يجب الكشف عنه على أنه ازمة وتهديد في مستوى المشاعر والتخويف مثل التهديد الإيراني والانفاق وباقي التخويفات التي يقوم بها نتنياهو.
سيكون هذا هو الموضوع المركزي الذي لا يوجد غيره تقريبا. بعد ذلك يجب التصرف بالشكل المناسب. مثلما يتم لبس اللون القاتم عندما يتم الحديث عن الحرب، ويكون الصوت عميقا قبل الذهاب إلى خطوط المواجهة، هكذا ايضا في المعركة على الديمقراطية، لا ندخل إلى قاعة الكنيست ولا نقوم بالتصويت على قوانين ولا نشارك في النقاشات. فليصوتوا وحدهم.
لتكن هذه الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط وفي العالم كله، التي تُدار فقط من قبل اليمين. وليكن واضحا أن هذا التشريع هو سيطرة معادية على الأغلبية. أقيموا «كنيست ظلال» وقوموا بإجراء نقاشات موازية فيها. توقفوا عن إعطاء الغطاء للعنصريين والزعران. تعهدوا بأنهم إذا بدأوا عملية ابعاد عضو كنيست واحد، حسب القانون الجديد الأخير، فإن هذا سيؤدي إلى استقالات جماعية فورية لجميع اعضاء المعارضة من الكنيست، ولن يقوم أحد بأداء يمين القسم بدلا منهم.
إذا لم تصل الرسالة واستمرت سياسة الائتلاف، انتقلوا إلى المرحلة التالية: لن يشارك أي حزب معارض في الانتخابات. في نهاية المطاف هناك دائرة جماهيرية واسعة يمكن تجنيدها من اجل التمرد المدني غير العنيف. تمرد الضرائب وتمرد الاحتياط. من لا يريد حقوقنا فلن يحصل ايضا على واجباتنا. لا تختبئوا وراء ادعاء أن هذا دمار للديمقراطية. احيانا يجب التفكيك من اجل اعادة التركيب. وطالما أنكم لم تتحولوا إلى مضاد حيوي معالج، فأنتم جزء من القيح. لن يكون هذا صراعا بسيطا. البعض منكم غير مبني من اجله. ولكن المصممين سيبقون وهم الذين سيزيلون بأسرع مما تتخيلوا هذه الحكومة الشيطانية ويُعيدون الأمل.
هآرتس 18/8/2016