نعوم تشومسكي، كاتب أمريكي من أبرز كتاب العالم في الشؤون السياسية، يعتبره كثيرون أحد المعلقين النزيهين النادري الوجود عموما وبالنسبة لقضايا الشرق الأوسط خصوصا وفي طليعتها القضية الفلسطينية، فيما يرى آخرون انه منحاز إلى الموقف الفلسطيني ومن ألد أعداء إسرائيل وهذا يعود إلى كونه يساري الميول.
الأمر الأكيد، هو ان هذا الأكاديمي المخضرم الذي يحتل منصباً رفيعاً في احدى أهم جامعات أمريكا، وهي (ام. آي. تي)، حيث يدرّس الفلسفة والعلوم اللغوية والسياسية، له تأثير كبير على الرأي العام الأمريكي والعالمي وخصوصا على الشباب والأجيال الطالعة وكتبه تباع بكثافة في أمريكا والعالم.
في كتابه بعنوان: «مَنْ يحكم العالم؟» الذي صدر مؤخراً، يتناول دور الولايات المتحدة حالياً في العالم، وإذا كانت وما زالت بالفعل المدافعة عن الحرية وحقوق الإنسان، كما تدعي، بعد غزوها العراق وأفغانستان واستمرار موقفها المنحاز لإسرائيل في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وانعكاسات الاتفاقية التي وقعتها أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون مع إيران، أو ان أمريكا فقدت هذا الدور وخسرت سلطتها شبه الأحادية في العالم وقد تُعرّض العالم للخطر بسبب سياساتها الخارجية الخاطئة؟
الكتاب يشمل مجموعة مقالات عن مواضيع مختلفة تتعلق بدور الكتاب والمثقفين والإرهاب وخيارات باراك أوباما وغير ذلك. ولكن الفصول التي هي ربما الأكثر أهمية بالنسبة للقارئ العربي هي التي تتطرق إلى اتفاقيات أوسلو وانعكاساتها السلبية وإلى الخيارات المتاحة بين إسرائيل وفلسطين، بالإضافة إلى محاولة الكاتب التطرق إلى ما يسمى «الخطر الإيراني»، وهل يشكل الخطر الأكبر للسلام في العالم؟ هذا بالرغم من ان جميع الفصول الأخرى مرتبطة بالموضوع الرئيسي للكتاب ألا وهو خطر السياسات الامريكية الأحادية التوجه والمنحازة على السلام في العالم.
يعتبر تشومسكي ان اتفاقيات أوسلو التي وقعتها الحكومة الإسرائيلية تحت قيادة اسحق رابين وشمعون بيريز مع «منظمة التحرير الفلسطينية» بقيادة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، هي التي مهدت للوضع الحالي الخطير للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية وتوسع هذه المستوطنات الخطير والمستمر الذي أصبح يمنع نشوء الدولة الفلسطينية.
ويرى تشومسكي ان مشكلة الرئيس عرفات انه كان على عجلة من أمره لانشاء كيان فلسطيني في الأراضي الفلسطينية ولم يستمع بما فيه الكفاية لنصائح القيادات الفلسطينية في الداخل، أي القيادات التي أدركت وجود خدعة حول ما ظهر وكأنه انفتاح إسرائيلي لتحقيق تسوية مع الفلسطينيين.
وفي طليعة هذه القيادات البعيدة النظر، حسب تشومسكي، كان الراحل الدكتور حيدر عبد الشافي الذي نبّه منذ بداية التفاوض العربي الإسرائيلي في مدريد ان القبول بأي شكل كان بالاستيطان، وحتى بحجة احتياجات أمنية إسرائيلية، سيؤدي في النهاية إلى سيطرة إسرائيلية على المزيد من الأراضي الفلسطينية خارج المناطق المتفق عليها وسيوسع الاحتلال ليصبح شبيهاً بما هو عليه الآن بحيث يشكل خطراً على حل الدولتين والقدس.
ويؤكد تشومسكي في الكتاب ان اتفاق (أوسلو 2) زاد في غموض اتفاق (أوسلو 1) وخصوصا عندما نصّ على استقلالية بعض مناطق الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة ووقوعها تحت سلطة إسرائيل وتشريعاتها.
كما ان هذا الاتفاق أزال عدم شرعية الاستيطان عموماً، حسب ما نصّت عليه الشرائع الدولية في هذا الشأن، مما ساهم في افراغ اتفاق (أوسلو 1) من الوضوح بشأن إزالة الاحتلال وتطبيق القرارات الدولية. وكل ذلك تم تحت أعين القيادة الأمريكية والوسطاء الآخرين الذين وافقوا ضمنياً على ما جرى.
ويؤكد تشومسكي ان اتفاقيات أوسلو قسمت وساهمت في فصل الضفة الغربية عن غزة وفي انشاء الجدار الفاصل وضاعفت الوجود الاستيطاني وشرعنته.
ويتساءل أيضا حول صواب المنطق المستخدم الآن وربما في المستقبل في عقد مفاوضات فلسطينية ـ إسرائيلية وسيطتها الولايات المتحدة طالما ظلت أمريكا حليفة منحازة لإسرائيل، كما كانت في العقود الماضية، مما عرقل الحلول الدبلوماسية للنزاع والتي يجب ان يكون في قلبها ولبها مبدأ إزالة الاحتلال.
ويقترح تشومسكي تطبيق حل الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة للشعبين لأن الحكومات الإسرائيلية السابقة وخصوصا بقيادة بنيامين نتنياهو لم ولن تقبل بمشروع الدولتين، كما ان حل الدولة الواحدة من دون المشاركة في شرائع علمانية ديمقراطية تُطبق على الشعبين اليهودي والعربي ـ الفلسطيني لا يشكل حلاً عملياً سهل التطبيق.
مشروع الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة، حسب تشومسكي، يجب ان يطبق على مراحل، ولكن المشكلة ليست في رأيه أن الفلسطينيين يضعون شروطاً مسبقة، بل ان إسرائيل وأمريكا هما اللذان يضعان مثل هذه الشروط. وطالما استمر فرض الشروط المسبقة، فلن يتحقق السلام، وإذا لم يتم العثور على حلول لسلام فلسطيني ـ إسرائيلي فمن غير الممكن تحقيق السلام الإقليمي في المنطقة.
ويربط مواقف أمريكا المنحازة لإسرائيل بإمكان افشال الاتفاقية الأمريكية الأوروبية مع إيران في قضية التسلح النووي. وينبه الكاتب إلى ان الرأي العام الأمريكي وخصوصاً لدى مؤيدي وقيادات الحــزب الجمهوري (الذي فاز في الانتــخـــابات الرئاسية مؤخراً) يعـــارض بـــشـــدة الاتفاق النووي مع إيران، مما قد يؤدي إلى عرقلته.
ويقول في الصفحة (219) ان الرأي العام الأمريكي قد تبدل مؤخرا من مؤيدٍ للاتفاق النووي مع إيران إلى الانقسام مناصفةً بين مؤيد ومعارض له، بحجة استمرار قدرة إيران على إنتاج السلاح النووي. وبعض أعضاء مجلس الشيوخ اقترح (حتى قبل انتخاب دونالد ترامب) توجيه ضربة عسكرية إلى إيران. كما يستشهد تشومسكي بما قاله عضو مجلس الشيوخ الجمهوري ليندسي غراهام بان هذا الاتفاق يشكل حكماً بالإعدام على دولة إسرائيل ومن الضروري ان يُلغى.
وهذا الموقف في رأي المؤلف أدى إلى دهشة حتى في أوساط الاستخبارات الإسرائيلية والمحللين الاستراتيجيين في إسرائيل.
ويعتبر تشومسكي ان قيادة الحزب الجمهوري الأمريكي، ومنذ أيام الرئيس السابق رونالد ريغان، أصبحت في جيب مجموعة من كبار أثرياء أمريكا وأصحاب الشركات الضخمة، علماً ان الكتاب صدر هذا العام ولكن قبل ان يدرك المؤلف ان الرئيس الجديد لأمريكا هو دونالد ترامب.
غير ان الآراء المتشددة في شأن إيران، حسب تشومسكي، تتجاوز الحزب الجمهوري الأمريكي، إذ يطرح مسؤولون ديمقراطيون في أمريكا على شاكلة المفاوض السابق دينيس روس طروحات مشابهة، حيث يوصي روس باستخدام العنف العسكري ضد إيران إذا ظهر بانها تتجه نحو إنتاج السلاح النووي متجاوزة الاتفاق ونصوصه.
ويعتبر تشومسكي ان الحل الأمثل لتفادي التسلح النووي في الشرق الأوسط هو بفرض منطقة تشمل جميع دوله يُحظّر فيها هذا التسلح، ولكن أمريكا في رأيه تستمر في تعطيل مثل هذا الحل خشية من اغضاب حليفتها إسرائيل، المتسلحة نوويا، في هذا المجال.
وهذه السياسة حسب المؤلف تتبعها قيادات الولايات المتحدة المتتالية برغم ان الرأي العام الدولي (حسب دراسات أجرتها مؤخراً مؤسسة غالبو الدولية المتخصصة في هذا المجال) يعتبر ان أمريكا نفسها هي الخطر الأكبر على السلام العالمي (النووي وغيره) تليها باكستان قبل إيران وإسرائيل والصين وكوريا الشمالية وأفغانستان وروسيا.
ويؤكد تشومسكي ان القيادات الأمريكية السابقة كانت تشجع الطلاب الإيرانيين، خلال عهد الشاه في ستينات وسبعينات القرن الماضي، على الانخراط في الجامعات الأمريكية المتخصصة بتكنولوجيات التسلح المتطورة التي كانت الولايات المتحدة تزود نظام الشاه بها، على عكس ما تفعل الآن.
كما يرى أن الخطر الأكبر في استخدام السلاح النووي يكمن في امكان وقوع هذا السلاح في أيدي إحدى المنظمات الإرهابية الدولية التي تتصاعد أدوارها في منطقة الشرق الأوسط.
ويختتم المؤلف الفصل المخصص لإيران بالقول ان الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش قدّمَ أكبر هدية لإيران عن طريق قضائه على نظامي الرئيس صدام حسين في العراق وطالبان في أفغانستان، عدوي إيران اللدودين.
وبالتالي، فحسب تشومسكي، الخطر الأكبر على السلام البشري وإمكان انتقال السلاح النووي إلى ايدي قيادات قد تستخدمه كارثياً يكمن في استمرار الأخطاء في السياسة الخارجية الأمريكية مما سيهدد السلام الفعلي في الشرق الأوسط والعالم.
وكما ذكرنا، فكتاب تشومسكي صدَرَ قبل انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، ويبقى السؤال هل بالإمكان تطبيق الحلول التي يقترحها الكاتب في الشأنين الفلسطيني والإيراني في ظل قيادة ترامب وقرارات الصقور الذين يعينهم في المناصب الهامة في السياسات الأمريكية الخارجية والدفاعية؟
الجواب لأول وهلة هو سلبي وتشاؤمي، ولكن ربما من الأفضل اعتماد المواقف المبدأية والمثالية التي يطرحها تشومسكي والشبيهة بمواقف المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد حول فلسطين حول الانخراط في مشاريع تفاوض فلسطيني ـ إسرائيلي قد تؤدي إلى نتائج سلبية كما حدث في اتفاقيات أوسلو.
ويبقى الأمر الأهم هو الرد على السؤال الذي طرحه تشومسكي كعنوان لكتابه ألا وهو: «مَنْ يحكم العالم؟» فاذا كان الجواب أن أمريكا وحدها ستستمر في حكم العالم من دون تغيير جذري في سياساتها، خصوصاً في الشرق الأوسط، فان الأمر يدعو إلى التشاؤم، ولكن حسب المعطيات الواقعية والتطورات السياسية والاقتصادية في العالم، يبدو ان محاوراً أخرى فاعلة تواجدت وأصبحت تنافس أمريكا في قدراتها وخياراتها. وهذا قد يدفع القيادة الأمريكية، حتى لو كانت بيد دونالد ترامب وأعوانه، إلى مراجعة سياساتها في العالم وتعديلها لتصبح أقل انحيازاً بدلاً من العكس. والعكس السلبي قد يحدث إذا تم الخضوع في الجانبين الفلسطيني والعربي للإملاءات والمشاريع «السلمية» الأمريكية ـ الإسرائيلية المنحازة بتسرّع كما حدث في أوسلو.
Noam Chomsky: Who Rules the World?
Metropolitan Books/Henry Holt & Co., NYC 2016
320 pages.
سمير ناصيف