نفوذ إيران المتصاعد في سورية والديبلوماسية الهادئة

حجم الخط
0

في أواخر الصيف يظهر مرة أخرى، كبيرا، أسود ومهددا، أخفى للحظة الشمس وألقى علينا بظل ثقيل. مثل التنين في»العاب الكرسي» جاء بالضبط في وقته، يبث النار، ولكنه أيضا معانقا ومواسيا. وفجأة عادت الحُمرة إلى خدي رئيس الوزراء، وفجأة كل شيء بدا مرة أخرى حادا، واضحا ووجوديا. التهديد الإيراني عاد إلينا.
واضح لنا جميعا الآن معنى المحادثات المتوالية التي يجريها رئيس الوزراء مع محرر «إسرائيل اليوم» واضحة أيضا الحاجة العملياتية لفرض الحصانة علينا. ونحن كلنا الآن نفهم لما بات عمل عقيلة رئيس الوزراء في الظل يحتاج إلى السرية. فبنيامين نتنياهو يهدد العالم بحرب، ويمكننا نحن فقط أن نأمل ونحن يمكننا أن نأمل فقط في أن يعرف كيف يديرها مثل تشرتشل، مع مخزون كافٍ من السيجار حتى النصر.
ليس في هذه الأقوال أية توصية للاستخفاف بإيران وبتطلعاتها. أنا آخر من يستخف بها وهي تصبح قوة عظمى إقليمية، مع فروع في أرجاء الشرق الأوسط كله، بل وتتطلع لأن تكون أكثر من هذا. لكن البهجة التي انقض فيها نتنياهو على عودة «التهديد الإيراني» مقلقة. مشكوك أن يكون تهديدا مسرحيا بالحرب يقض مضاجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. والتوسع الإيراني، يجب معالجته بتصميم بوسائل الدبلوماسية الهادئة وبالعمليات السرية ـ وليس بالبوستات على الفيس بوك أو بالمقابلات للقناة 20.
يحذر نتنياهو بلا انقطاع من الخطر الإيراني في الجولان. ولكن لا تسارعوا إلى البحث عن إيرانيين على الجدارن، فهم ليسوا هناك بعد. وفي الأشهر الأخيرة لم يكن هناك أي تغيير في انتشار قوات إيرانية أو مليشيات شيوعية في الجولان. ووقف إطلاق النار الذي أعلنه الروس نجح فوق المتوقع: ففي المناطق كلها التي أعلن فيها وقف النار توقف القتال تقريبا، وفي سورية كلها يوجد انخفاض دراماتيكي في حجم العنف. في إطار اتفاق وقف النار، الذي لم يراعي المصلحة الاسرائيلية، انتشرت عدة وحدات من الجيش الروسي التي تقيم «شرطة عسكرية» في مناطق الجولان وحوران. والقوات الشيعية لم تتقدم منذئذ. والقوة الإيرانية الأقرب إليهم بقيت في جبع في شمال هضبة الجولان، مسافة نحو 15 كيلو مترا عن الحدود. وفي القنيطرة الجديدة هناك وجود مستشارين إيرانيين ورجال استخبارات من حزب الله، لكنهم أيضا لم يتقدموا.
إذا رأينا استئنافا للقتال قريبا من منطقتنا، فهذا سيكون في جنوب هضبة الجولان، حيث يوجد التنظيم المتماثل مع داعش – جيش الوليد (شهداء اليرموك سابقا). فمع انهيار الدولة الإسلامية، يوشك رجال التنظيم الاعلان عن أنفسهم لواء جديدا لها، مثل رفاقه في سيناء. وسيرغب الأسد والروس في تفكيك القوة المهمة الأخيرة التي تهدد الطريق بين درعا والقنيطرة.

علم توجيه المقدرات

أحد الأقانيم المشوقة لدى الجيش الإسرائيلي في مراقبة القوات المقاتلة في سوريا هو أن قوات المحور كلها، ببساطة لا تعرف كيف تقاتل: لا الإيرانيون، ولا حزب الله، ولا الملشيات الشيوعية ولا الروس. كلهم يقاتلون كأنهم مليشيات متخلفة، استنادا إلى استخدام النار المكثفة وغير الناجعة ولا يؤدون مهامهم كالجيش الحديث. هذا مشجع.
حتى قبل إعلان وقف النار كان من الصعب إقناع الروس بأن إيران هي تهديد. في نظرهم إيران هي مصدر استقرار وشريك مهم لإعادة تثبيت حكم الأسد. في الزيارة إلى موسكو هذا الشهر لاحظت رد فعل موحد من كل من حاولت طرح موضوع إيران أمامه: بعيون شكاكة يقولون: إيران؟، يجيبك الروس، «تعال نتحدث عن الهند النووية! هي التهديد للسلام النووي».
بعد نجاح وقف النار بات هذا أصعب بأضعاف، سواء من الروس أم مع الأمريكيين. فالوفد الكبير الذي سافر الأسبوع الماضي إلى واشنطن، برئاسة يوسي كوهن، رئيس الموساد، استقبل بالكثير من العطف. ومن البيت الأبيض واصلوا نحو وليمة عشاء حميمة في بيت مستشار الأمن القومي ماكماستر. لكن باستثناء الضيافة الحارة والصورة التذكارية على طريقة «الصحبة الجميلة»، وجدوا صعوبة في تحريك الأمريكيين للعمل. فالادارة الأمريكية تفهم جيدا قلق اسرائيل من إيران، ولكن ليس لديها وقت شاغر لسوريا ولإيران. فهي منشغلة بالدفاع عن الرئيس، فيما أن قسما كبيرا من الولايات المتحدة غير مستعد لان يسلم بانتخابه الديمقراطي وبالازمة في كوريا الشمالية.
بعد ادارة الكتف مليئة العطف، ولكن الباردة من الأمريكيين سارع نتنياهو إلى سوتشي. ليس تافها ان يستقبل رئيس وزراء إسرائيل لدى الرئيس الروسي كلما أراد، حتى لو كان هذا في منتصف إجازة بوتين. فهذا واحد من الذخائر الاستراتيجية التي أجاد نتنياهو بناءها. بوتين يحترمه ومن المهم له أن قواته والقوات الشيعية التي تحت إمرته لا تصل إلى احتكاك زائد مع إسرائيل. وعليه فيحتمل أن يكون شيء ما من الرسالة التي جاء بها نتنياهو قد وصل. خسارة إنه خرب هذا بتهديدات تبجحية بالحرب. فبوتين يرد بشكل أقل جودة على التهديدات. ناهيك عن أن المهدد سبق أن هدد في الماضي بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية ولكنه في لحظة الحقيقة تراجع.
ما يشغل بالنا أساسا هو المؤشرات على أن إيران تخطط للبقاء لزمن طويل في سورية: بناء مطار، ميناء ومصانع سلاح. هذا لن نتمكن من احتلاله لأن المعنى سيكون أن كل مواجهة في لبنان ستنتشر على الفور إلى سورية أيضا. ولن أتفاجأ إذا ما اصطدمت المساعي الإيرانية بتخريبات خفية. ولكن ما يشغل بالي بقدر لا يقل عن ذلك في الأيام الأخيرة هي التقارير عن اتفاق بين إيران وتركيا على سحق الأكراد في شمال سورية. إذا كان ثمة بالفعل اتفاق كهذا، فإن إسرائيل والعالم الغربي سيفقدان القوة وسويّة العقل الوحيدة التي تقاتل في سورية.
إيران هي دولة أقامت جهازا من آلاف الأشخاص ممن ينهضون كل صباح ويخططون لأن يمسوا بإسرائيل. كما أنها دولة تفوق إسرائيل في كثير من مقاييس التعليم. دولة من 80 مليون نسمة هي الخامسة في الترتيب العالمي لعدد خريجي الجامعات في العلوم، بعد الولايات المتحدة وروسيا.
إذا كان نتنياهو يعتقد أنها تهديد وجودي، فإنه يحتاج لأكثر من مجرد رفع فيديو إلى الفيس بوك. عليه أن يعزز التعليم العالي في إسرائيل، عليه أن يدخل شرائح أخرى إلى دائرة العمل، وعليه أن ينقذ تحريض الإسرائيليين كل ضد الآخر. من يرد أن يوقف دولة تتطور وجعلت المشروع النووي مشروعا قوميا ملزم بربط مقدرات المجتمع الإسرائيلي كلها بالتصدي لها.

معاريف 27/8/2017

نفوذ إيران المتصاعد في سورية والديبلوماسية الهادئة

ألون بن دافيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية