نقاب الوجه أم نقاب العقل؟!

حجم الخط
3

محجبة منذ صغرها وملتزمة بصفات الحجاب الشرعي التي يجمع عليها علماء المسلمين حتى وصلت إلى بلاد الحرمين لتكتشف أنها متبرجة حسب رأي العلماء هناك لأنها لا تغطي وجهها بنقاب، مع أن الأمر محل اجتهاد بين كونه سنة او فرضا!
وصف صعب هو الوصف بالتبرج على نفس امرأة مسلمة اتخذت من الحجاب عبادة وهوية وليس مجرد زي تقليدي تملي شروطه وشكله المكان والعادات! وصف منفر لمن لم ثتبت العقيدة في قلوبهن وما زلن يتأرجحن في ايمانهن والتزامهن! وصف مبعد لمن يقتربن خطوة خطوة من رب يهرول سبحانه لاحتضان عبد يأتيه مشيا بخطوات بطيئة!
عادت صديقتي من أقدس البقاع، والحمد لله أنها تستطيع التفريق بين الأحكام والآراء، في وقت تعرض فيه قناة تلفزيونية يفترض أنها مملوكة لأشخاص من البلد ذاته مسلسلا يتفنن في الطعن بكل الرموز الإسلامية بحجة أن تنظيما ارهابيا يستخدمها لتسويق نفسه!
لا يختلف غالبية المسلمين على رفع الغطاء عن كل من يستخدم الإسلام ذريعة لاستهداف أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم وهي الحرمات التي حددها الإسلام دون مواربة وغلظ في عقوبة منتهكيها ولذا لم يحظ أي تنظيم متطرف منذ تاريخ نشوء هذه الظاهرة بدعم او اجماع.
وظلت هذه التنظيمات حالة شاذة ومدانة ومستهجنة وتصدى علماء المسلمين لبيان انحرافاتهم العقدية والفكرية وممارساتهم عن روح الإسلام ومبادئه في مفهوم الجهاد والخلافة خصوصا وعموم أدبياتهم وتصورهم للحياة.
وظل سليمو الفطرة والفهم حتى من العامة يعرفون أن هذه التنظيمات تسيء للاسلام أكثر من اعدائه بل ويشكك بعضهم أن بعض هذه التنظيمات هي صنيعة العدو للضرب في الدين وغالبا ما يرددون أن هؤلاء ليسوا بمسلمين ولو ظهروا بمظهر المسلمين في أقوالهم وأفعالهم وأشكالهم فاستخدام الظواهر الحسنة لتبرير قبيح الأفعال لم يساهم إلا في مزيد من الادانة لهم فليس كل من اطلق شعر وجهه بملتح مقتد بالسنة وليس كل من لبست الحجاب طاهرة في قلبها.
وليس كل من صلى قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما مقياس قبول الصلاة فقد لا يملك المرء من اسلامه سوى اسم الديانة في بعده عنه او في تشويهه لصورته وهو، او هي، يظنان أنهما يحسنان صنعا بينما هم كما وصفهما القرآن من الاخسرين أعمالا!
يزداد التشويه لصورة الإسلام عندما ينتقل إلى الإعلام فالإعلام من وسائل الهيمنة الناعمة على العقل وهو يشكل الرأي والسلوك والانطباعات ومسلسل كغرابيب سود الذي يحمل في ظاهره انتقادا لتنظيم الدولة يحمل في باطنه عداوة وتشويها وتنميطا لكل رمز إسلامي!
ما يفعله مسلسل كهذا هو تنميط صورة «الإرهابي المسلم» على نحو يتماهى مع أي مسلم عادي يمارس واجباته الدينية وهذا سيؤدي عادة إلى الربط بين كل مظاهر الإسلام من صلاة ولحية وحجاب وبين العنف والاجرام!
فكم من المشاهدين سيستحضرون الصور ذاتها والمحادثات وحتى المخاوف كلما رأوا محجبة او شيخا أو مسجدا او حلقة قرآن وعلم؟ بل كم من العلمانيين العرب سيفرحون ويوظفون هذا السياق وهذه الغنيمة الإعلامية ويسوقونها كدلالة على أفكارهم في ضرورة تنحية الدين عن الحياة وشخصنته بين الإنسان وربه أو تركه والتشكيك فيه بالكلية؟
كانت هذه الجرأة في التشويه والافتراء على الإسلام وخلط الأوراق ووضع الجميع في سلة واحدة صنعة هوليوود التي انتجت أكثر من ألف فيلم يصور العرب والمسلمين بأبشع الصور حسب الباحث جاك شاهين في كتابه العرب الأشرار اذ قال: « معظم الافلام لا تأتيك بالعملية الإرهابية الا على خلفية صوت الأذان او بعد مشهد للإرهابيين وهم يصلون او مع ذكر التكبير والمطلوب أن يفهم المشاهد أن كل من يصلي الصلوات الخمس ويؤمن بالله ويتعلم القرآن في المسجد لديه مشكلة في التعامل مع الكفار وربما يكون إرهابيا. وهذه التقنية تسمى بتقنية الخلط المتعمد من اجل ارسال رسالة مشوشة للمشاهد تجعله يربط بين هذه العناصر في تفكيره ويعطيها جميعا نفورا واحـدا».
ولكن الجديد في الأمر أن هذه السياسات لم تعد تطبق بأيد غربية ظاهرة وانما بوكلاء عرب ليكون تأثيرهم أكبر بلسان عربي لا يستفز في كثير من المشاهدين احساسا بالاستغراب ولا التربص!
الإرهاب لا دين له هذا ما نحسن ترديده على ما يبدو على مستوى الشعارات ولكن دون قناعة ولذا تظهر مثل هذه المسلسلات التي تزيد التشويه والطين بلة وتبقينا في خانة الدفاع بدل الانتقال إلى فسحة العمل والتبشير بالسماحة والقيم!
هذا التناقض في الخطاب خطير ولا يجب أن تسمح بلاد الحرمين لهذه القناة المنسوبة لها جماهيريا باقتراف مثل هذه الاساءات للمرأة المسلمة ولرموز الدين بنسبتها إلى تنظيم ضال ومضل!! الارهاب يعالج بخطاب العقل لا بمزيد من التضليل والتجهيل!
المشكلة ليست فيمن لا يغطين وجوههن أخذا بفسحة اجتهاد المشكلة فيمن يغطون عقولهم قصدا ويتبعون الهوى!

نائبة في البرلمان الأردني

نقاب الوجه أم نقاب العقل؟!

د. ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية