نقاش حول مصير الرواية الروسية في مؤتمر مترجمي الأدب في موسكو

حجم الخط
1

موسكو ـ من فالح الحمراني: خسر الروائي في روسيا معركته ودوره كعامل مؤثر على ميول المجتمع. ولم يعد للرواية تاثيرها الكاسح كما كانت في روسيا القيصرية.
وانحسر حاليا الاهتمام بها، ولم تعد عنصرا مطلوبا اجتماعيا يجد فيه المتلقي المتعة الفنية ويحس عبرها بتطلعاته المنشودة، كما كانت عليه أعمال تولستوي أو دستويفسكي ولا قبلهما بوشكين أو غوغل تورجينبف ولا بعدهم بولغاكوف وزيماتين شولوخوف وبلاتونوف و.. و.
انحسرت الرواية وغدت لها أدوار ثانوية وهامشية. لم يعد هناك روائيون كبار ولا قراء نهمون، وهدأت الجبهات. ولكن هل هي نتائج مأساوية؟ ولماذا بلغ الأمر هذه النتائج؟ وأين يكمن السبب في ضعف الكتاب ووهن مواهبهم؟ هل في المجتمع الذي باتت لديه مشاغل ومتاعب وتطلعات أخرى اقتصادية وأخلاقية ووجودية وإيكولوجية؟ هذا جانب من الأسئلة التي أثيرت ونوقشت بحرارة وتباينت حولها الآراء خلال ورشة «العملية الأدبية في روسيا المعاصرة: موضوعات وأفكارا».
التي أقيمت في إطار أعمال «المؤتمر الدولي لمترجمي الأعمال الأدبية الروسية» الذي اختتم أعماله مؤخرا في موسكو. وشارك في الورشة عدد من الأدباء الروس المعاصرين المعروفين على الساحة الثقافة الروسية من بينهم ألكسي فارلاموف والشياشني كانتا إبراهيموف والقاصة الصاعدة ماريا كوتشيرسكايا، وأدار الورشة الناقد يفغيني ريزنيتجسكي.
وتعددت القراءات في استكشاف السبب الحقيقي وراء ما يمكن اعتباره بداية لموت الروايه كنوع أدبي. هناك سبب وجيه يذهب إلى أن الرواية تنهض وتغدو مهمة ومطلوبة حينما تعارض وتقاوم. حينما تطرح رأيا مغايرا لتوجهات السلطة والمجتمع. حينما تدعو لطرح البديل. ولكن الآن ليس هناك ما يثير هواجس السلطات أو يبعث الروع فيها. القاص حر، بإمكانه أن يطرح أي قضية من دون عواقب. وغابت الرقابة عنه وليس هناك من يحظر على نشر أعماله أو يأمر برفعها من المكتبات ويمنع بيعها في المخازن، ومن حقه أن يطرح أي مسألة. والروائي يبدع برأيهم وينتج أفضل وأجمل حينما يتحدى، ويرسم تطلعات أغلبية السكان، لذلك ظهر المعارض سولجينيتسين برائعته الأولى «يوم من حياة إيفان دينيسوفتش» حينما كان معارضا للسلطة السوفييتية، وكذلك كتاب مدرسة «النثر الريفي» ولفتت الانتباه أعمال ايتماتوف وغروسمان وقبلهم بولغاكوف وباسترناك وفوينوفيتش… وتظهر الآن أصوات خافتة هنا وهناك ولكنها لا تحرك المياه وتحولها إلى تيار، وإنما تبقى هامشية.
وهناك أيضا أسباب أخرى لإهمال القارئ الروسي الرواية وتجاهل الروائي وكونه لم يعد مطلوبا. إن المطالب الاجتماعية غدت تتحقق بوسائل أخرى، وهناك أدوات أخرى أكثر فعالية للتعبير عنها، من دون تدخل البعد الجمالي فيها. ولم يعد الأديب في روسيا هو المنبر الوحيد الذي يعبر عن تطلعات الرأي العام. لقد تغير الزمن. واختفت في زمننا الأسماء المؤثرة. كما لم يعد هناك وجود لدور نشر مستعدة لنشر العمل الذي لا يحظى بعوائد ربحية، ولم يجد القاص الذي لا يجد له ناشر حافزا لمتابعة العمل الروائي الشاق. فهناك مشاغل أسهل.
ولكن ربما أن أزمة الرواية والروائي لا تنحصر في روسيا، ربما هي تكمن في انعطاف حضاري عالمي، فالرواية انحسرت أيضا في فرنسا، لم تعد هناك أسماء مثل جيد أو مارلو أو سارتر ولا حتى فرانسوا ساغان أو البرت كامو ولا في أمريكا مثل فوكنر وسالنجر أو الدوس باسوس أو همنغواي والأصوات المعاصرة مثل بول أوستر أو ريتشارد وايت لم يعد من يسمعها وكذلك في ألمانيا وحتى في عالما العربي. وظهرت الأعمال التي أشرت لموت الرواية بشكلها الكلاسيكي والأكثر حداثة، والكاتب بل والناقد أيضا.
إذن فالقضية لا تمس وضع الروائي في روسيا وإنما هي ظاهرة عالمية، هناك مؤشرات جدية على دخول فن الراوية عصرا جديدا. ربما هذا إرهاص لظهور نوع جديد، بعد أن فشلت الرواية الجديدة التي نظر لها غروب غرييه وآلان بورتيه، في أن تكون البديل لها. وهناك مؤشرات متعددة لشكل الطابع الجديد.
ولم يتفاعل الروائي الروسي بصورة كاملة مع التطورات الهائلة التي شهدها فن الرواية في الغرب، ولم يتعرف أو بالأحرى تجاهل الأفكار الجديدة بشأن الرواية. وهو يهمل عموما منجزات البنيوية وغيرها من نظريات ما بعد الحداثة في الأدب وفي الرواية على وجه الخصوص (علما بأن أعمال معظم رواد البنيوية في الأدب ترجمت إلى الروسية) ولم تجد أفكار ومناهج ما بعد الحداثة ردودا تشجيعية في مؤسسات الثقافة الروسية من أجل تطويرها، ولم يتم الاعتراف بها كتيار أدبي تنبغي دراسته، بما في ذلك المقررات التعليمية الرئيسية. وغالبا كما قال ممثلو المؤسسات الرسمية، أنهم لا يعترفون بنمط ما بعد الحداثة في القصة والقصة القصيرة.
إن قضية انحسار الروائي والعمل الروائي عموما لا تشمل وضع ومصير الرواية في روسيا وحدها، وإنما هو في واقع الأمر تطور حضاري عالمي طال كافة الثقافات، وثمة مؤشرات على ظهور نوع أدبي نثري جديد، ينفي شكل الرواية كما نفى بروست وجيمس جويس وكافكا وفرجينيا وولف وفوكنر رواية القرن التاسع عشر، إن مؤشرات هذا النوع ظهرت.

نقاش حول مصير الرواية الروسية في مؤتمر مترجمي الأدب في موسكو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية