يفتح حوار تنشره «القدس العربي» اليوم مع عبد المنعم أبو الفتوح، الشخصية السياسية المهمة والمرشح الرئاسي المصري السابق ورئيس حزب «مصر القوية»، قوساً واسعاً للتفكّر في شؤون مصر السياسية الحالية وفي طرق الخروج من الاستعصاء الكبير الراهن الذي تعتبر سياسات نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي الراهنة مركز الثقل فيه.
يكشف الحوار، بداية، العبثية الكبيرة التي تحيط عملية الانتخابات المقبلة التي سيجريها النظام، فما هو معنى أي انتخابات من دون مناخ ديمقراطي تتواجد فيه أحزاب حقيقية ويتنافس فيه المرشحون في أجواء تضمن سلامتهم وتضمن للمواطن العودة آمنا إلى بيته إذا لم يصوّت للسيسي، ومن دون إعلام يسمح لمعارضي النظام بإسماع أصواتهم، وفي ظل عمليات اعتقالات وقمع للنشطاء السياسيين الذين يوجد منهم أكثر من 60 ألف في السجون.
وإذا كان من المفروغ منه اعتبار النظام أسّ المشكلة وأن الصراع عمليّاً ليس بين هذا النظام وجماعة «الإخوان المسلمين»، وأن المصالحة المطلوبة هي مع الشعب المصري كله، فإن الحوار لا يمنع من فتح مجال لنقاش مفيد داخل وخارج جماعة «الإخوان المسلمين» (التي انتمى إليها أبو الفتوح حتى عام 2009) من خلال قول زعيم «مصر القوية» إن إحدى نقاط خلافه الرئيسية مع الجماعة هي خلط العمل الدعويّ بالحزبيّ.
هذه الفكرة التي تتوخّى «فلترة» الشأن السياسي وإعلاءه وتحويل «الجماعة» إلى حزب سياسي بالمعنى المعاصر للكلمة كانت موضوعاً اشتغلت عليه حركة «النهضة» (التي تعتبر الممثل التونسي لتيار الإسلام السياسي بنسقه الإخوانيّ) وأقرّت العمل به في مثل هذا الشهر من العام الماضي، بهدف التحوّل إلى «حزب سياسي مدني ديمقراطي متأصل في هويته الإسلامية» مع ترك الشأن الدعوي للجمعيات المدنية، وهي بالتالي فكرة موجودة داخل الجسم العام لتيار الإسلام السياسي لكن السؤال المهم هنا: هل تملك الجماعة المصرية التي تتعرّض لإبادة سياسية مقوننة وممنهجة ترف تطبيق هذه الفكرة، والسؤال الثاني والأهمّ، هل يقوم النظام المصري بمطاردة الجماعة لأسباب دعويّة أم لأسباب سياسية في المقام الأول؟
إحدى الأفكار المهمة التي لا يمكن المرور عليها بسهولة والتي تعكس عنفاً كامناً في الخطاب السياسي المستجدّ في ليبراليته هي استكمال فكرة فصل الدعويّ عن السياسيّ بالسعي «لتشريع يمنع وجود أحزاب دينيّة» على الإطلاق، وهذه الإطلاقية، للأسف، إحدى مكامن الضعف في الفكر السياسيّ لأنها تتخيّل عالماً أيديولوجياً صافيّاً وهذه كانت إحدى أوهام الفكر الشيوعي والنازي وتطبيقاته العلمانية الاستئصالية التي فشلت فشلاً ذريعاً في روسيا الشيوعية وتركيا الأتاتوركية وفي كل مكان حلمت فيه النخب السياسية بتطبيق نظام سياسيّ قوميّ أو ماركسي أو علماني «معقّم» من شبهة التديّن.
المطلوب ببساطة، لمصر وغير مصر، نخب سياسية تؤمن بنظام سياسيّ ديمقراطي مدنيّ متوازن لا تفترس فيه السلطات الأمنية والعسكرية السلطات القضائية والتشريعية، ولا تبطش فيه بالأحزاب والنشطاء والمعارضين، ولا تحتكر فيه الاقتصاد والمعرفة والإعلام… والدين.
رأي القدس