«مهما يكن من غرابة في انتصار إرادة العدم على إرادة الاقتناع، فإن عدم الوجود أفضل من الوجود عند العامة»
نيتشه
من الاستثناءات المدهشة والصدف الحزينة في هذا الفضاء الشقي، أن الذين يمارسون الهيمنة السياسية ليسوا الحكماء والسعداء، بل هم المنحطون الذين نجحت الصدفة في إيجادهم ووضعهم فوق رؤوس الشعوب.
هكذا أصبح الحكماء ضعفاء حيث تواجههم غرائز القطيع والعامة، وبما أن إرادة القوة كأنطولوجيا للتنوير والحداثة، فإن غيابها في العالم العربي يجد تفسيره براديغم الأضداد، الضعفاء ضد الأقوياء، الفاشلون ضد الناجحين، لأن انتشار أخلاق الانحطاط، والدعاية للجهل ومحبة العبودية أصبحت تجليات للروح، التي فضلت النوم في مخبأ العقيدة الدافئ، بدلا من مواجهة السلطة الانضباطية، ولذلك فإن مزج الدين في السياسة هو الوسيلة التي تبرر الغاية، لأن السياسة لم تعد تفكر في الإنسان، ولكنها توجهت نحو التفكير في ضياعه، وإلقائه في العدمية، فأحدثت جرحا عميقا في كينونته، عندما جعلته يفكر في قدره الحزين، بدلا من المطالبة بحقوقه السياسية.
مع شروق حقيقة الضعفاء، تم الإعلان عن غروب عصر العباقرة، بعدما اتبعهم التيه في التيه؛ هروبا من صدمة أنطولوجيا الانحطاط التي تروج لذوبان الأجزاء في الكل؛ هذه الذات المقدسة تحكم وتسود مستمدة شرعيتها من الحق الإلهي، ولذلك فإن ما لا يخضع للطاعة بالقانون يرغم على ذلك بالنص الديني، ما يجعل دروب هذا البراديغم تقود إلى العدمية، وما يحكم أيضا على ألعاب البراديغم والثورات العلمية بالفشل، قبل أن تولد، لأن الثورات العلمية تستنشق هواء الحرية، ولو على مستوى البراديغم.
والحال أن التقدم في العلم، ليس شيئا آخر سوى مقاربة تراكمية للحقيقية، وبعبارة أدق أن البحث عن الحقيقة هو المجال الذي يتطور فيه العلم، ولذلك فان الشعوب التي تدعي امتلاكها للحقيقة بالوراثة، ستظل خارج براديغم الثورات العلمية، وبما أن التمييز بين العلم والتقنية لم يعد ممكنا، فإن من يسيطر على العالم بالتقنية، قد سيطر على حقيقة الأشياء بالعلم، لأن العلم هو التراث العقلاني الحاضر، ذلك أن عقلنة التراث تؤدي إلى جعله المحرك الأول لنمو روح الأمة، أما تقديسه فإنه يهزم الروح ويحدث فيها ثقوبا، فكيف يمكن أن نتحدث عن الثورات العلمية في عالم لم يحقق بعد براديغم العلماء؟ وبعبارة أوضح، هل يمكن قيام ثورات علمية بدون علماء ينتمون إلى البراديغم نفسه؟ وما الذي يقف حاجزا أمام هذا البراديغم؟ ألا تكون السلطة المقدسة هي من يضطهد العلم والبراديغم؟ لا يمكن لهذا الشعب المقهور أن يسبح في النهر نفسه مرتين؛ انه نهر هيراقليط الذي يعلمنا أن الإنسان ذاته صيرورة يتحكم فيها الزمن، وللروح زمان، ولذلك فان استقبالها للتاريخ يتم عبر التاريخ العادي، والتاريخ الثوري، ومن خلال هذا الوجه الثوري للتاريخ تحقق الشعوب وجودها بالفعل، لأنها تحصل على الحرية والمساواة، ثم على العلم والتقنية، وكل ذلك من أجل بلوغ كمالها في السعادة، لأنه من العبث أن يؤجل هذا الشعب سعادته إلى عالم ما بعد الطبيعة، ويتنازل عن حقوقه، وممارسة الطاعة والعبودية لتلك الذوات المقدسة.
والحال أن التاريخ البسيط والتقليد يتكون انطلاقاً من أعمال الأرواح الميكانيكية التي لا تعاصر فكرها اليومي، ولا يمكنها أن تتحرك إلا مستندة إلى عكازات من قصب، التجربة الحسية، منفعلة مع وجدانها، لا يهمنا التقدم، مادام أنها لا تعرف إن كانت تعيش التأخير، كما أن بعدها عن الفن يصيب الروح بالعمى، لأن العبقرية تبدأ من الرؤية الفنية الطبيعية، وفي مقابل هذه التاريخية الدوغمائية، تظهر تاريخية العباقرة، انطلاقا من الأرواح العلمية التي تشيد روح العصر، وتفتح دروبا جديدة للفكر وأفاقاً أخرى للعقل، هكذا تنطلق من عملية هدم البراديغم السائد بالعنف الاستيطيقي والهيرمنطيقا، والخطابة، فالثورة تسيطر على السلطة، وتزيح الأرواح الميكانيكية، واكتساح فضاءاتها وتطهيرها بنشر المعرفة التنويرية.
وبما أن العلم والتقنية ينتجان التقدم والتطور، فإنهما يتحكمان في التاريخ ويوجهانه نحو تحقيق كماله في التقدم. ولذلك فإن العلماء يبدعون للعصر براديغم خاصا به، لأن ثورات الحرية والمساواة لم تكن ستخرج إلى الوجود لولا، الثورات العلمية، ذلك أن الشعوب الأوروبية تم تحريرها بواسطة الثورات العلمية، لأنه إذا كان الفن هو العضو الفعال في الفلسفة، فإن الفلسفة هي شجرة العلم، فجدل العلم الفلسفة يؤدي إلى تحرير السياسة من الهيمنةـ كما أن إرادة القوة يتم تشييدها بالفن، وبعبارة نيتشه إن إرادة القوة هي نفسها الفن». الاستطيقا والحداثة وجهان لحقيقة واحدة، ولا يمكن إبداع النهضة الفكرية والسياسية، بدون العودة إلى الأصل، أي إلى الفن، باعتباره إنصاتا لنداء الطبيعة والحياة، فعصر النهضة عند الغرب بدأ بعصر الفن، ولذلك فإن الأمية التي تقاوم الفن، فإنها تؤخر نهضتها.
لأن الاهتمام بالفنان وإبداعاته هو اهتمام بالنفس، ما يجعل الثقافة والحضارة تعودان إلى أصلهما، أي الاستطيقا، كما أن ظاهريات الروح في الاستطيقا يعجل بالثورات العلمية والسياسية. هكذا تكون الاستطيقا هي المحرك الأول للحداثة الكلية، بل أن العالم لا يظهر إلا كعامل فني يبدع نفسه، ولذلك فإن تسمية الفنان بالعبقري، معناه أن يجمل العالم، ويقحمه في فضاء الأنوار، مما يؤهل إلى خلق المشترك بين الفنان والعالم، إنهما الشيء نفسه، فالعالم يتطور في مجال الحقيقة، باكتشافه لشيء يكون موجوداً من قبل وغير معروف، والفنان ينمو في المكان الذي يرقص فيه الوعي النظري من أجل تجديد إرادة القوة وماهية الحداثة، وبعبارة أخرى، إن إرادة القوة هي ماهية وجود عصر الحداثة، وبامتلاك الاستطيقا لرؤية خاصة لتاريخ العلم، تكون قد نشرت سيطرتها على ثقافة الحداثة، فالحداثة لا يمكن أن تكون في متناول الإنسان إلا من خلال الاستطيقا، ولذلك فإن مدينة الأنوار هي نفسها مدينة الاستطيقا، ومجال الموضة، في الأزياء والعطور.
والحال أنه لو كان للعالم العربي هدف لتحقق منذ سنوات، بيد أن هدفه الوحيد هو جعل التراث رتابة يكررها للأجيال، لأن العودة الأبدية لهذا التراث أفقدته الحياة فتحول إلى جثة يتم تأجيل دفنها، ولذلك فإن إرادة القوة على التجدد لم تعد وسيلة، بل أصبحت متهمة بالانحراف، مما يعني أن الحداثة بكل قيمتها، لا يمكن تحقيقها في الوقت الراهن، فهو استحالة المستحيل، لا جدوى من هذه الأسئلة القلقة في فضاء أسطوري شعاره لا للعقل، نعم للوجودات المستعملة بعنف الأخلاق الدينية، وبما أن الإنسان لم يعد يتألم من هذا العنف اليومي، فإن تحريضه على الحرية والمساواة أضحى متجاوزاً، وبهذا يكون التنوير الفلسفي واحداً من تلك الأشياء المضحكة، لأن من طبيعة العبيد أن يسخروا من كل محرر يسعى إلى تكسير أفلامهم، ويأكلون فوق الحاجة، وينامون أكثر من اللازم. فكيف إذن يكون من لا هدف له موضوعاً للتفكير الفلسفي؟، هل بإمكاننا أن نواجه هذا العبث بالعقل؟ أم باللامبالاة؟
كاتب عراقي
عزيز الحدادي