نقد «براديغم» الاستبداد السياسي

حجم الخط
0

من الاستثناءات المدهشة والصدف الحزينة في هذا الفضاء الشقي أن الذين يمارسون الهيمنة السياسية ليسوا هم الحكماء والسعداء، بل المنحطون الذين نجحت الصدفة في إيجادهم ووضعهم فوق رؤوس الشعوب، هكذا أصبح الحكماء ضعفاء حيث تواجههم غرائز القطيع والعامة، وبما أن إرادة القوة كأنطولوجيا للتنوير والحداثة، فإن غيابها في العالم العربي يجد تفسيره براديغم الأضداد، الضعفاء ضد الأقوياء الفاشلون ضد الناجحون، لأن انتشار أخلاق الانحطاط، والدعاية للجهل ومحبة العبودية أصبحت تجليات للروح، التي فضلت النوم في مخبأ العقيدة الدافئ، بدلا من مواجهة السلطة الانضباطية، ولذلك فان مزج الدين في السياسة هو الوسيلة التي تبرر الغاية، لأن السياسة لم تعد تفكر في الإنسان، ولكنها توجهت نحو التفكير في ضياعه، وتلقي به في العدمية، فأحدثت جرحا عميقا في كينونته، عندما جعلته يفكر في قدره الحزين، بدلا من المطالبة بحقوقه السياسية.
مع شروق حقيقة الضعفاء، تم الإعلان عن غروب عصر العباقرة بعدما اتبعهم التيه في التيه؛ هروبا من صدمة أنطولوجيا الانحطاط التي تروج لذوبان الأجزاء في الكل؛ هذه الذات المقدسة تحكم وتسود مستمدة شرعيتها من الحق الإلهي، ولذلك فإن ما لا يخضع للطاعة بالقانون يرغم على ذلك بالنص الديني، مما يجعل دروب هذا البراديغم تقود إلى العدمية، ومما يحكم أيضا على ألعاب البراديغم والثورات العلمية بالفشل، قبل أن تولد، لأن الثورات العلمية تستنشق هواء الحرية، ولو على مستوى البراديغم.
والحال أن التقدم في العلم، ليس شيئا آخر سوى مقاربة تراكمية للحقيقة، وبعبارة أدق إن البحث عن الحقيقة هو المجال الذي يتطور فيه العلم، ولذلك فان الشعوب التي تدعي امتلاكها للحقيقة بالوراثة، ستظل خارج براديغم الثورات العلمية، وبما أن التمييز بين العلم والتقنية لم يعد ممكنا، فإن من يسيطر على العالم بالتقنية، قد سيطر على حقيقة الأشياء بالعلم، لأن العلم هو التراث العقلاني الحاضر، ذلك أن عقلنة التراث تؤدي إلى جعل منه المحرك الأول لنمو روح الأمة، أما تقديسه فإنه يهزم الروح ويحدث فيها ثقوبا، فبأي يمكن أن نتحدث عن الثورات العلمية في عالم لم يحقق بعد براديغم العلماء؟ وبعبارة أوضح، هل يمكن قيام ثورات علمية بدون علماء ينتمون إلى نفس البراديغم؟ وما الذي يقف كحاجز أمام هذا البراديغم؟ ألا تكون السلطة المقدسة هي من يضطهد العلم والبراديغم؟
لا يمكن لهذا الشعب المقهور أن يسبح في النهر نفسه مرتين؛ انه نهر هيراقليط الذي يعلمنا أن الإنسان ذاته صيرورة يتحكم فيما الزمن، وللروح زمان، ولذلك فان استقبالها للتاريخ يتم عبر التاريخ العادي، والتاريخ الثوري، ومن خلال هذا الوجه الثوري للتاريخ تحقق الشعوب وجودها بالفعل، لأنها تحصل على الحرية والمساواة، ثم على العلم والتقنية، وكل ذلك من أجل بلوغ كمالها في السعادة، لأنه من العبث أن يؤجل هذا الشعب سعادته إلى عالم ما بعد الطبيعة، ويتنازل عن حقوقه، وممارسة لتراجيدية الطاعة والعبودية لتلك الذوات المقدسة.
والحال أن التاريخ البسيط والتقليد يتكون انطلاقا من أعمال الأرواح الميكانيكية التي لا تعاصر فكرها اليومي، ولا يمكنها أن تتحرك إلا مستندة على عكاكيز من قصب، التجربة الحسية، منفعلة مع وجدانها، لا يهمنا التقدم، مادام أنها لا تعرف إن كانت تعيش التأخير، كما أن بعدها عن الفن يصيبه الروح بالعمي، لأن العبقرية تبدأ من الرؤية الفنية الطبيعية، وفي مقابل هذه التاريخية الدوغمائية، تظهر تاريخية العباقرة، انطلاقا من الأرواح العلمية التي تشيد روح العصر، وتفتح دروبا جديدة الفكر وآفاقاً أخرى للعقل، هكذا تنطلق من عملية هدم البراديغم السائد بالعنف الاستيتيكي، والخطابة، فالثورة تسيطر على السلطة، وتزيح الأرواح الميكانيكية، واكتساح فضاءاتها وتطهيرها بنشر المعرفة التنويرية.
وبما أن العلم والتقنية ينتجان التقدم والتطور، فإنهما يتحكمان في التاريخ ويوجهانه نحو تحقيق كماله في التقدم. ولذلك فان العلماء يبدعون للعصر براديغم خاصا به، لأن ثورات الحرية والمساواة لم تكن ستخرج إلى الوجود لولا، الثورات العلمية، ذلك أن الشعوب الأوروبية تم تحريرها بواسطة الثورات العلمية، لأنه إذا كان الفن هو العضو الفعال في الفلسفة، فان الفلسفة هي شجرة العلم، فجدل العلم الفلسفة يؤدي إلى تحرير السياسة من الهيمنةـ كما أن إرادة القوة يتم تشييدها بالفن، وبعبارة نيتشه إن إرادة القوة هي نفسها الفن.

كاتب من المغرب

نقد «براديغم» الاستبداد السياسي

د. عزيز الحدادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية