نقد ثوابت الحداثة الشِّعريّة

أوَّلاً: إشكاليّة المدخل :
يُولَدُ الشِّعرُ وينمو ويتخلَّق على حبلٍ مُضطَّربٍ قلِق، تُناديهِ دوماً الحوافّ الخطِر، وينأى بطبيعتِهِ التَّكوينيّة عن كُلّ ما هو مُستقِرّ ومُنسجِم ومُتآلِف، نحوَ كُلّ ما هو مُتغيِّر ومُتحوِّل ومُدهِش.
إنَّهُ الانفتاحُ الدّائمُ في عُقر دار الوجود، وهو الصّراعُ الذي لا يُستَنْفَد. وجودُهُ علَّتُهُ، وعلَّتُهُ لا تنفصل أبداً عن أسئلةِ الحداثة وكينونةِ التَّجديد وحُلمِ الانبثاق نحوَ الأمام. لهذا يحمِلُ في أصل تكوينه لعْنَتَهُ العظيمة وخُلودَهُ العتيق، ويعيشُ بلا هوادة أزمَتَهُ الوجوديّة المُلِحّة: أن يكونَ مسكنَ الجَمال الحيّ وشمسَ الأصالة الكاشفة!
فالشعر مأزومٌ بما هو التباسٌ بينَ الزّمن الأفقيّ والزّمن العموديّ في آنٍ معًا، وكُلُّ انقطاعٍ تراكميّ يعتريه في حقبةٍ ما أو في عصرٍ ما، يُسَوِّغ لهُ الخيانة مثلما يدعوه إليها كُلّ اتصالٍ تراكميّ! فمن طبيعتِهِ المُتجدِّدة أن تهترئَ أسئلتُهُ في فَجوات الوجود، وحينها عليه بكُلِّ جسارة أن يُواجِهَ اختبارَ القطيعة: والقطيعةُ نسْفٌ، لا وصْلٌ. والأزمةُ دائماً عُلُوٌّ: فهيَ باستمرارٌ حركةٌ نحوَ الانفصال، وبحثٌ دؤوبٌ عن كينونةٍ حُرّة، وتخفُّفٌ لا نهايةَ لهُ من كُلّ اطمئنانٍ للمُنْجَز.
لقد ازدحمَتْ وتزاحمَتْ في أدبيّات الحداثة مقولاتٌ عريضة من قبيل الحديث والمُعاصِر والجديد، أو من قبيل التّجاوُز والتّفجير واكتناه المجهول، وتحوَّلت هذه المقولات إلى عُدَّةٍ آليّة شكليّة في مُعظَم الأحيان، مُشكِّلةً غشاوةً تحجبُ طبيعةَ الحداثة الشِّعريّة ووظيفتَها الأصليّة!
ولعقودٍ خَلَتْ، تراكَبَتِ التّجاربُ الشِّعريّة على أُسُسٍ مرجعيّة أقلُّ ما يُقال عنها إنَّها أصبحَتْ أُسُساً تقليديّة؛ إذ تقومُ في الأغلب على مُحاكاة أو تقليد تجارب فرديّة سابقة أو مدارس شعريّة أو تيّارات بعينها. لتبدو الصّورةُ العامّةُ بهذا المعنى غير مُبَشِّرةٍ، ولاسيّما في ظلِّ سيادة أنماطٍ قَبْليّة لم تلبث أن تغدو نوعاً من الإيديولوجيا المُعادية لحُرِّيّة الشِّعر، ثُمَّ ليزيدَ من سوداويّة المشهد مآلُ الجَماليِّ نظرَيّةً وشِعراً ونقداً بوصفِهِ الضَّحيّةَ الكُبرى في كُلِّ ذلك.
وهكذا، تعيشُ الحداثة الشِّعريّةُ اليومَ استعصاءً يُعيقُ استئنافَها إلى حدٍّ بعيد. وهذا الاستعصاءُ بما هو أزمةٌ كيانيّة من طبيعة الشِّعر، هو اختبارٌ خطير للقدرة على الخيانة، ولمدى إمكانيّة مُواجَهة التَّحدِّي الوجوديّ الجَماليّ بقطيعةٍ تشفي غليلَ الأسئلة اللّجوجةِ الحارّة، وتمدُّ حبالَ النّجاةِ للرّوح الجَماليّ المغدور، وتستدعي حداثةً شعريّة حُرّة جديدة لا تكفُّ عن الانفتاح نحوَ المُجاوَزة والتَّباعُد والاختلاف.
لهذا تنطلقُ الإشكاليّةُ النَّظَريَّةُ الأكثَر عمقاً ودقّة ممّا هو سؤالٌ مسكوتٌ عنهُ يتعلَّقُ بِمساءَلة مُنطلَقات الحداثة الشِّعريّة نفسها؛ أي إنَّهُ يتعلَّقُ بإمكانيّة أن نسأل: هل تصحُّ مقولاتُ الحداثة الشِّعريّة ومفاهيمها في كُلِّ زمانٍ ومكان؟ أو بمعنىً آخَر: ألا تحتاجُ الحداثة نفسُها إلى إخضاعٍ دوريٍّ للتَّفحُّصِ والتَّنقيح والمُراجَعة تبعاً للمُقتضيات المُستجِدّة وجوداً وفنَّاً؟

ثانِياً: الحداثة الشِّعريّة بينَ الشِّعر الرُّؤيويّ والشِّعر اليوميّ:
احتفَتِ الحداثةُ الشِّعريّة بتيّاريْن عامّيْن اتَّبَعَهُما الشُّعراء بغيةَ الفوز بأهدافها الشِّعريّة المُشتهاة. حيثُ عرَّفَ التَّيّارُ الأوَّلُ الحداثةَ الشعريّة بأنَّها رؤيا، وكُلُّ رؤيا هيَ تغييرٌ في نظام الأشياء وعلاقاتها، وتفتيتٌ لمنطِقها وروابِطها، وقفزٌ مُستمرٌ باتّجاه التَّحوُّل والتَّحويل، وسعيٌ دؤوبٌ إلى خلخلة البُنى والمفاهيم القائمة، وإعادةُ خَلْقٍ وتشكيلٍ لزوايا النَّظَر إليها.
إنَّ الرُّؤيا هي إعادةُ تركيبٍ للرُّؤى الجزئيّة في رُؤيا كُلِّيّة لعالَم مُتكامِل قائم بذاته، ومختلف عن العالَم الوقائعيّ؛ فهيَ لا تنقلُ العالَم مُجزَّءاً إلى أشياء، إنَّما تكشفُهُ في كُلِّيَّتِهِ الحقيقيّة، وفي وَحدتِهِ الكونيّة، وفي شُموليته العميقة.
لهذا، تنتقِلُ الرُّؤيا من حالة الانفعال بالأشياء، إلى حالة الكشف والاكتشاف ولا محدوديّة الخَلْق. وذلك في إطار تجربةٍ جماليّة مُتكاملة تتخطَّى العصور الماضية والعصر الحاضر على السّواء، نحوَ رؤية ما تحجبُهُ الأُلفةُ والعادة، وهو الأمرُ الذي يُفضي إلى اكتشاف علائق خفيّة ضمنَ تداعيات خلّاقة توليديّة قادرة على تجاوُز الأشكال الفنِّيّة المألوفة إلى أشكال غير مُحدَّدة بقالبيّة جاهزة.
لكنَّ هذا التَّيّار الرُّؤيويّ واجَهَ نقضاً له من داخل مفهوم) الكشف( نفسه عند تيّار واسع من الشُّعراء؛ إذ قدَّمَتْ تجاربهم اقتراحات جادّة لمفارقة التَّوغُّل الحداثيّ في العوالِم الميتافيزيقيّة غير المرئيّة والمجهولة، نحوَ الغوص في تساؤلات الإنسان اليوميّة في العصر الحديث.
لقد دعا التَّيّار الشِّعريّ اليوميّ إلى التقاط حركيّة الحياة اليوميّة، وتفاصيلِها، ولحظاتِها الإنسانيّة البسيطة، بغيةَ كشف المساحات الصَّغيرة المعيشة، وصيرورتها، ومشاعرها العابرة المُتحوِّلة، مُستنداً إلى حركة الشعور في الكلام، لا إلى حركة اللاشعور في اللغة، ومعتمداً في تعيين الكشف على توتُّر الكلمات العادية والمُمارَسات اليوميّة والرُّؤى الجزئيّة، لا على الرُّؤى الكُلِّيّة الشُّموليّة المُؤسَّسة على حركيّة تداعي الصُّوَر الشِّعريّة.
وهكذا، تصدَّرَ هذان التَّيّاران المشهدَ الشعريَّ لِعقود، وتناحرا لِرغبة كُلِّ منهما في احتكار الحداثة، أو تجاوَرا أحياناً وتعايشا حتّى في تجربة الشاعر الواحد، وبدا الاطمئنانُ رخيّاً راسخاً عندَ معظم الشُّعراء، ظنَّاً منهم أنَّهُم باتوا يملكونَ الوصفات الآليّة الإجرائيّة التي تسمَحُ لهم بِمُجرَّدِ تطبيقها بالقبض على الجديد، وبسط الكشوف الشِّعريّة غير المَسبوقة!

ثالثاً: المُطابَقات المركزيّة المُسَبَّقة:
إنَّ أيّة مُقارَبة مُعمَّقة تستهدف تفكيك مفاهيم الحداثة الشِّعريّة، ثُمَّ إعادة بنائها، تستدعي بالضَّرورة أن نلتفتَ مُباشرةً إلى مفهوم الذّات. فنقدُ الحداثة الشِّعريّة لا ينطوي فقط على نقد الذّات، إنّما يقوم في جوهره على مُعاينة توضُّعات الذّاتيّة المُبدعِة، وتحوُّلاتها، بدءاً من عالَمها الوقائعيّ، وانتهاءً بعالَمها الشِّعريّ.
والذّاتُ في فهمها الأوَّليّ العام هي كُلّ ما يتّصل بحالة الفرد، وموقعه الاجتماعيّ، وعلاقته بمُحيطه، وإدراكِهِ نفسِهِ وخبراتِهِ والآخرينَ في هذا المحيط. فالإنسان دائماً موجود في عالَم يُحيط به ويُكوِّنه، ومعَ آخرين يُؤثِّرونَ فيه، ويُؤثِّر فيهم، ولذلكَ فإنَّ أيَّ حوار مع مفهوم الذّات هو بالضَّرورة حوار مع علاقتها بالمُحيط الخارجيّ.
تقومُ الرُّؤيا الحداثيّة على حركيّة تقليديّة، يستدرِجُ بها الشّاعِرُ العالَمَ الخارجيَّ إلى داخلِهِ، بغيةَ محو الفواصل بينَ الذّات والموضوع إلى حدِّ التَّوحُّد مع الإنسان والمجتمع والكون؛ فالخطُّ البيانيُّ لهذهِ الحركيّة ينطلِقُ من العالّم الوقائعيّ (الخارجيّ (إلى اللاوعي الدّاخليّ، ومن الواقع الفيزيقيّ إلى الواقع النّفسيّ، ومن الغرض الشِّعريّ إلى الرُّؤيا، مُحاولاً أن يبلغَ الكشفَ اعتماداً على سلسلة تحوُّلات يُفترَضُ أن تبسطَ عالَماً جديداً.
تُعَدُّ خلخلةُ وَحدة الذّات، والنَّظَر إليها بوصفِها تعدُّداً، من أهمّ خُطوات الفكر المُعاصر الذي سعى إلى مُجاوَزة ميتافيزيقا الحُضور بتحطيم النَّظرة التي ترى أنَّ الذّاتيّة مبدأ مُوَحِّد لكلِّ ما هو موجود، وأنَّ الوعي الذّاتيّ حَكَمٌ وحيدٌ على الحقيقة، والتي كانت مُرتبطةً فقط بما تُقرِّرُهُ الذّات المُتعالية، وما تُسوِّغُهُ وترفعُهُ إلى مستوى اليقين. وهي المسألةُ التي وضَعَتِ الإنسان في مركز الكون بوصفِهِ العقل والأنا والفاعل الإنسانيّ المُفكِّر، والمُتأكِّد المُتيقِّن من هُوِيَّتِهِ، في مُقابِلِ الموضوع بوصفِهِ الشيء الموجود في العالَم الخارجيّ، والذي ينبغي أنْ تتمثَّلَهُ الذّات الواعية حاضِراً أمامَها، ثُمَّ تُطابِقَ بينَهُ وبينَ عقلها وفكرها، في وضع يسمَحُ لها بالتّحكُّم قَبْليّاً به. وهذا الفهم ليسَ سوى تثبيت ميتافيزيقيّ لمركزيّة الذات بِوصفهِا وَحدة شموليّة مُسيطِرة تقنيّاً على العالَم، إذ تتجرَّدُ بذلكَ من بُعدِها التّاريخيّ لتكونَ هُوِيّة مُستقرّة وكونيّة، تطمسُ كُلَّ العناصر التي تُعاصِرُها، وتَسْتَبْعِدُها، لكونِها مركزاً مُتعالياً يُمثِّل المبدأ الواحد والثَّبات والدَّيمومة والتَّطابُق.
إنَّ الحداثة الشِّعريّة ليست في أدبيّاتها وتطبيقاتها سوى احتفاء مُستمرّ بالذّات الميتافيزيقيّة الواعية، والتي تفترس بوفائها لميتافيزيقا الحُضور إمكانيّات الاختلاف الوجوديّ الشِّعريّ؛ ذلك أنَّ شُعراء الحداثة ما برحوا يتحرَّكون في إطار وَحدة الذّات ونظام التَّمركُز. ولم يكُنْ اعتمادُهُم على اللاوعي الباطني لبلوغ الرُّؤى الكاشفة سوى تثبيت لآليّة نفْسيّة مُتعالية لطالَما قالت بوجود جوهر بذاتِهِ يُسمَّى (النَّفْس( التي تُذيبُ الأشياء والعالَم الخارجيّ في وعيها، إذ حافَظَتْ هذه الذّاتيّةُ في مُحصِّلتها النهائيّة على سُلطة الوعي المُهيمنة على العالَم الخارجيّ، والتي تُحضِرُهُ موضوعيّاً، وتطويه ليتطابَقَ مع مركزيَّتِها، مُتحكِّمَةً مُسَبَّقاً بما افتُرِضَ أنَّهُ أنساق كُلِّيّة لاواعية، وعلى الأغلب كان هذا على حساب تجرِبة الوجود الحُرّ الذي هو شرطٌ حاسِم لكُلّ انبثاقٍ شِعريّ! ويبدو لي أنَّ أزمة الحداثة المُزمنة، ومعنى الجَماليّ المغدور فيها، يرتبطان عُمقيّاً بكون الشِّعر الحديث عَجِزَ في مُعظم الأحيان عن بلوغ الكشف المُبتغَى، وظلَّ يُكرِّرُ باستمرار مُطابقاتٍ ميتافيزيقيّة خارجيّة وقَبْليّة؛ أي بعبارةٍ أخرى، بقيَ شُعراءُ الحداثة مرهونينَ للموجود تحت اليد، وللمُتَحَكَّم به مُسَبَّقاً، وللمطويِّ على مركزيّة الذّات، من غير أن يفتتحوا عصرَ مُجاوُزة ميتافيزيقا الحُضور، وذلكَ – نحوَ الاحتفاء بالكشف الأصيل للمسكوت عنه والغائب والمجهول، و نحوَ الانغماس بجماليّات التَّعدُّد والتّجاوُز والاختلاف.

شاعر سوري

مازن أكثم سليمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية