«نكبة وبقاء» لعادل مناع .. رواية النكبة الفلسطينية في حِسها الإنساني

حجم الخط
0

«نكبة وبقاء: حكاية فلسطينيين ظلوا في حيفا والجليل «1948- 1951»، كتاب لمؤلفه عادل مناع يروي حكاية في مدينة حيفا وقرى الجليل، حيث تهجير سكانها والظروف التي أدت إلى بقاء بعضهم وصراع هؤلاء من أجل البقاء. يستند الكاتب في دراسته إلى التاريخ المحلي بمنظور مجهري للوقائع، محاولا الغور في تسجيلها وتحليلها. ويرى الكاتب في ذلك تعزيزا للرواية التاريخية للنكبة التي غالبا ما تم تناولها من منظور سياسي عام. وفي هذا الإطار، يستحضر المؤلف الأبعاد الإنسانية – التي غابت عن المشهد العام للنكبة.

ما بين الذاكرة والوثائق

يسلط المؤلف الضوء على مَن بقوا، أو هُجِّروا ثم عادوا إلى بيوتهم وبلداتهم، وليس اللاجئين ممن طُردوا من وطنهم. ذلك عبر مقابلات عديدة أجراها كاشفا عن حكايات هؤلاء. وهي حكايات مثيرة ومُغَيَّبَة في معظم الدراسات المتعلقة بالنكبة. في هذا السياق، أخذ مناع على عاتقه مهمة تسجيل شهادات عديدة لفلسطينيين وإسرائيليين أجراها على مدار سنوات في حيفا والجليل. كان لهذه الشهادات أهميتها في إثراء الرواية التي رسمتها بعض الوثائق والمراجع وكتب المذكرات التي تناولت طرد الفلسطينيين. وبحكم موقعه كباحث فلسطيني يعيش بين مَن بقوا في وطنهم، راجع ما نُشِر في إسرائيل من صحافة عربية وعبرية خلال فترة الخمسينيات. وقام بتحليل نقدي لأعمال أكاديميين ودارسين إسرائيليين وفلسطينيين. كما اطلع مناع على ما توفر من وثائق مُتاحة في الأرشيف الإسرائيلي، بينما تم حجب وثائق أخرى تتعلق بجرائم الحرب التي ارتُكِبَتْ ضد الفلسطينيين، يروي مناع في مقدمة كتابه حكاية طفولته عندما طُرِد من قريته مجد الكروم ليعيش مع عائلته لمدة أكثر من عامين في مخيم عين الحلوة قبل أن تعود العائلة بحرا في قارب صيد تهريبا. كانت القرية تعرضت لغزوات ومذابح على يد الجيش الإسرائيلي وطرد المئات من أهلها خارج الحدود. ظلت حكاية النكبة في مجد الكروم «سرا لا يذاع بحسب توصيات الوالد».

الطرد المُمَنهج

يُلقي الكاتب الضوء على معلومات جديدة حول المجازر التي ارتُكِبَتْ على يد الجيش الإسرائيلي وعصابات الإرهاب في طبريا وحيفا وعدد من البلدات والقرى مثل ترشيحا، عيلبون، الطنطورة، بلد الشيخ، شعب، النطورة، ومجد الكروم، وبعضها لا يزال مجهولا أو نُشِر بجهود فردية وبكثير من الحذر.
فهل كانت عمليات الطرد تتم بصورة عشوائية أو بناء على تعليمات قادة محليين، كما يشير بني موريس؟ لقد اطّلع موريس على وثائق مهمة – لم تُتَح لغيره- كافية لكشف الحقيقة في عمليات الطرد التي ما كانت في الواقع سوى نتاج لتخطيط مُسبق وسياسة عُليا، وهو ما كان بن غوريون يطالب به خلال «عملية حيرام» بهدف تنظيف الجليل من العرب. وهو ما أشار إليه باكرا وليد الخالدي ولاحقا نور مصالحة وعدد من الإسرائيليين من المؤرخين الجدد بمن فيهم إيلان بابي في كتابه «التطهير العرقي».
يناقش الكاتب الأسباب التي حالت دون طرد سكان مدن كالناصرة وبعض قرى الجليل بينما اُفرِغت مدن مثل حيفا وعكا وطبريا وصفد. ويحلل الكاتب العوامل التي دفعت إسرائيل، بعد انتهاء الحرب، الموافقة على عودة آلاف المهجرين إلى خارج البلاد تقدرها المصادر الإسرائيلية بحوالي عشرين ألفا إرضاء لاعتبارات قبلية ودينية ودولية. إذ سهلّت الطبيعة الجغرافية العبور لسنوات في القرى الحدودية بين فلسطين ولبنان، بينما أقامت مناطق عازلة كما حدث في قرى الجليل الشرقي المحاذية لهضبة الجولان السورية، وتهجير معظم سكانها. أما بالنسبة لِقُرى المُثلّث فقد جرى ضمها إلى إسرائيل رسميا في ربيع 1949 بعد توقيع الأردن على اتفاقيات الهدنة وفق الحدود الموسعة التي تجاوزت حدود قرار التقسيم. ومع أن الاتفاق كان برعاية دولية يضمن بقاء حوالي ثلاثين (30) ألفا من السكان، إلا أن إسرائيل واصلت السعي إلى التخلص منهم بعدوانها المتكرر على القرى الحدودية وارتكاب جرائم عديدة في مطلع الخمسينيات في قرى كفر قاسم وقبية والسموع، فيما سُمِّي بـ»حرب الحدود». أما اتفاق الهدنة مع مصر فلم يوقِف عمليات التهجير من سكان النقب وسكان مدينة مجدل عسقلان إلى قطاع غزة بعد سنوات من انتهاء الحرب. وهو ما حدث أيضا بالنسبة لسكان قرى الحولة الذين هُجِّروا إلى الداخل السوري في مطلع الخمسينيات.

الهزيمة العربية وتداعياتها

يُسلّط الكاتب الضوء على جماعتين من الباقين في شمال فلسطين هما، الدروز والشيوعيين. ويشرح بشيء من التفصيل أن هاتين الجماعتين غيّرتا منفردتين موقفهما من الدولة العبرية لأسباب مختلفة تتصل في الأساس بتداعيات الهزيمة العربية. وساهمت قيادة هاتين المجموعتين إلى حد ما في بقاء الآلاف من سكان الجليل. إذ تعاونت قيادات قبلية كان أبرزها الزعيم الدرزي جبر معدي مع حزب ماباي الحاكم في إسرائيل. وفي الوقت الذي حاربت فيه كتيبة درزية إلى جانب متطوعي جيش الإنقاذ في بداية الحرب، شاركت أعداد من الدروز لاحقا إلى جانب الجيش الإسرائيلي حفاظا على الطائفة وتمسك أفرادها في البقاء في قراهم. كما تم تجنيد أعداد أخرى من الأقلية الشركسية ومن عرب الهيب من البدو في طوبي – الزنغرية في الهاغانا والجيش الإسرائيلي مجاراة للقاعدة الاستعمارية في جذب الأقليات ومنحها بعض الامتيازات.

شيوعيو فلسطين

يتناول مناع جانبا ضبابيا في موقف الشيوعيين الفلسطينيين، يتعلق بتحول مهم وتاريخي في موقف «العصبة» التي كانت رفضت كباقي الأحزاب الشيوعية العربية قرار التقسيم. يرجع هذا التحول لعاملين: الأول موافقة الاتحاد السوفييتي «المفاجئ» على قرارالتقسيم في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 ما أدى إلى ارتباك في أوساط الأحزاب الشيوعية العربية وانسياقها وراء موقف موسكو. أما العامل الثاني فكان إعلان قيام دولة إسرائيل في 15 مايو/أيار 1948 واندلاع حرب غير متساوية أنجبت هزيمة متوقعة. كان من نتيجة ذلك أن بادرت العصبة إلى فتح حوار في صيف 1948 مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ماكي) تمخض عنه الانضمام إلى ماكي في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه والتعاون مع حزب مبام الصهيوني «الاشتراكي» النزعة آنذاك. شكّل هذا الحدث تحولا سياسيا مهما في موقف العصبة تمخض عنه تعاونها مع الحكومة الإسرائيلية ومعارضتها تدخل جيوش الدول العربية العربية. ولا يرى مناع في كشف ما كان مستورا يضير بنضال الشيوعيين السياسي ضد الحكم العسكري، والقمع والتمييز ودورهم الريادي في قيادة وتمثيل من بقوا في فلسطين. ويشير الكاتب إلى أن عشرات من قيادات العصبة، بينهم أميل حبيبي ونعيم الأشهب، عادوا إلى حيفا والجليل منذ صيف 1948 مع قرب الانتخابات البرلمانية أوائل 1949.

الحالة الطائفية

ومن ناحية أخرى يكشف مناع جوانب قد تكون مجهولة للبعض من ذلك البعد الطائفي في عمليات الطرد؛ إذ لاحظ في بحثه أن الطرد استهدف الأكثرية المسلمة السنه بالدرجة الأولى. كما أن ضغوطا دولية وكنسية في الدول الغربية أبدت بعض الاهتمام مما ساعد على بقاء نسبة كبيرة من المسيحيين في مدينة الناصرة وقرى الجليل. يكشف الكاتب مع ذلك بُعدا آخر يتمثل في تعاون الطوائف في كثير من الحالات، خاصة في القرى والبلدات المختلطة، كما قرى الشاغور. ويذكر، على سبيل المثال، أن المسلمين السنة في بعض القرى كانوا استعانوا في بعض الحالات بالقيادات التقليدية الدرزية لإنقاذهم من عمليات الطرد التي استهدفتهم وإنقاذ سكان عدد من القرى في الجليل الغربي من الطرد، أما أغلبية قرى الساحل فدُمرت وشُرِّد أهلها.
ويشير الكاتب إلى أن الزعامات التقليدية من المسلمين السنة في مدينة الناصرة، من آل الزعبي وحلفائهم، سارعت بدورها إلى التعاون مع الحكومة الإسرائيلية بعد انسحاب جيش الانقاذ من المدينة ونجحت إلى حد ما في تسهيل عودة بعض الشخصيات ممن طُردوا خارج البلاد. وجد الفلسطينيون أنفسهم طيلة عام 1948 في عالم آخر من التشرد والخوف وفقدان كامل لنمط حياة فقدوه فجأة. بعضهم كان عليه أن يقضي ليالي في الجبال خوفا من مداهمة الجيش الإسرائيلي لقراهم وما يمكن للجيش ارتكابه من مذابح. آخرون لا يدرون أين يتجهون أما «المتسللون» عبر الحدود فكانوا عرضة للعصابات أو القتل على يد الإسرائيلي أو الطرف العربي من الحدود. إذ تقدر المصادر الإسرائيلية أن أربعة آلاف من المتسللين قتلوا وغدت الحدود تدريجيا أسوار عزل للباقين عن أهلهم في الشتات، أو أشقائهم من العرب.
كتاب مناع موثَّق وموضوعي أعطته الشهادات بُعدا انسانيا مؤثرأ، أغنت الرواية التاريخية للباقين من الفلسطينيين في أرضهم، وكفاحهم اليومي المرير لتحقيق المساواة والعدالة في مجتمع استيطاني عنصري. وفي تقديري، فإن الكتاب مدعاة للحفاوة بعد انتظار طويل لصدوره وقد يفسح المجال ليشمل رواية الباقين في مناطق فلسطين الأخرى، كما في ساحل يافا والنقب والقدس وبعض من بقي في الأغوار الشمالية.

٭ كاتب فلسطيني
الكتاب: نكبة وبقاء: حكاية فلسطينيين ظلوا في حيفا والجليل (1948- 1951)
المؤلف: عادل مناع
الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية ط1 ـ 2016 بيروت ـ رام الله ـ 480 صفحة.

«نكبة وبقاء» لعادل مناع .. رواية النكبة الفلسطينية في حِسها الإنساني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية