ترفض الإدارة الأمريكية بإصرار عجيب الشروط التركية للمشاركة في الحرب على «داعش» والمتمثلة في إقامة منطقة عازلة يؤوي إليها ملايين المهجرين السوريين، بالإضافة إلى فرض منطقة حظر طيران، تمنع طائرات نظام الأسد من توزيع الموت بالمجان على عشرات آلاف السوريين المنهكين المعذبين في الأرض..
ورغم الصخب الإعلامي والضجيج الذي لا يتوقف حول محاربة واشنطن لتنظيم داعش، إلا أن المسؤولين الأمريكيين مازالوا لا يريدون اتخاذ الخطوات الحاسمة وإنما يصرون على السير في طريق «بين بين»، لا يقضون على داعش ولا يتركونه فاعلا قويا، بمعنى آخر هم يريدون أن تستمر الحرب السورية بين نظام بشار وبين داعش وبذلك يضمنون استمرار الإنهاك والمأساة حتى يكتمل خراب سوريا، بل ولعل خارطة التدمير أن تمتد إلى العراق وهو ما حصل بالفعل، وإلى لبنان وهو ما بدأت نذره السيئة تلوح في الأفق..
لا يخفى على أبسط المتابعين لتفاصيل ما يجري في سوريا أن ما آلت إليه الأمور هناك هو بالضبط ما حذر منه العقلاء والمخلصون في بدايات الثورة السورية، حيث رفع الجميع وقتها أصواتهم منادين بتدخل دولي عاجل يساند الثوار السوريين ويحسم المعركة، قبل أن تتفاقم الأمور وتنتج لنا المأساة، كما دائما تفعل، عصابات الإرهاب والخراب، التي تستغل كل بقعة فوضى لتملأ الفراغ ولتبسط سيطرتها على الأرض، وهو ما حصل في سوريا حيث أنه بعد أكثر من ثلاث سنوات وبعد أن كانت الثورة في بداياتها حراكا سلميا يطالب بالعدل والديمقراطية، تحولت الأمر إلى حالة حرب لا تبقي ولا تذر، تتشابك فيها المصالح وتتداخل فيها الأيادي الدولية والإقليمية، ودخل المتطرفون على الخط، وهو أمر سعى إليها نظام دمشق وساهمت فيه بوعي أو بدون وعي القوى الداعمة للثورة جراء ترددها وتخبط قراراتها، وساهمت فيه، غالبا بوعي وتخطيط، القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة التي أرادت للمأساة السورية أن تستمر، ولحالة «الفوضى الخلاقة» أن تتكفل بصناعة خرائط جديدة للمنطقة، خرائط إثنية ومذهبية، مصبوغة بصبغة الدم والحزازات والعنف…
ولأن شكك كثيرون في نظرية المؤامرة، إلا أن المواقف الأمريكية الملتبسة، تجعلنا نقتنع أن صيرورة أحداث الربيع العربي تم التحكم فيها وتوجيهها، وأن أيادي خفية وظاهرة، لعبت لعبتها الكبرى، لإجهاض حلم العرب في الديمقراطية وتحويله إلى كابوس حقيقي، أحال أوطانهم المقسمة أصلا إلى أشباه أوطان، ودولهم المتعبة والمنهكة إلى أشباه دول تشوبها عوامل الضعف والاحتراب الداخلي، وتعيش شعوبها حالة انقسام حاد، نحو طوائف ومذاهب وإثنيات كل منها تريد أن تسحق الأخرى وتبقى وحدها تجلس على الجماجم والخراب..
إن تنظيم داعش لم يهبط من السماء، ولم يطلع فجأة من الأرض وإنما هو حالة فكرية شاذة، أصبحت لها أظافر ومخالب، وتم تسمينها وتصنيعها على أيادي لا تريد لهذه المنطقة أن تنعم أبدا بالاستقرار أو أن تتفيأ ظلال الحرية والعدل…
وإن الحديث اليوم عن جهود أمريكية وتنسيق محكم لمحاربة هذا التنظيم المتوحش، قد لا يبدو مقنعا إطلاقا، بل وقد يصبح نكتة سمجة لا تضحك أحدا، فواشنطن وحلفاؤها الغربيون، يدركون جيدا كيف نشأ هذا التنظيم وأي ظروف أخرجته، وبدل أن ينتظروه حتى يتحول إلى وحش كاسر، كان من الممكن أن يقضوا على عوامل نِشأته، وذلك عبر دعم الثورة السورية في بداياتها، وعبر فرض حلول سياسية تضمن حق السوريين في الديمقراطية.
وفي الوقت نفسه تبقي على كيان سوريا الدولة والوطن، كما أن غضهم الطرف على مدى سنوات عن سياسات رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الطائفية، وسكوتهم عن تماديه في إهانة طوائف عريضة ومهمة من الشعب العراقي، كلها أمور جعلت داعش «يعشش ويبيض ويفرخ» في بلاد الرافدين حتى وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه حيث تحولت حياة العراقيين إلى جحيم حقيقي..
محمد سعدن ولد الطالب