عز الدين نجيب، ناقد مهم في حركة التشكيل العربية، فهو الإنسان الأكثر أصالة والأكثر جسارة والأكثر تمرداً، وهو الشخص الذي لم يتخل يوماً في كتاباته عن ترسيخ قيم الحرية والعدالة والثورة.
قال عنه الطيبون من الناس إنه لا يخاف من السلطان الظالم، يشعر بمتعة في الصدام يصافحنا كالحجر الصوان، دائماً على الجهة اليسرى من المواقف، يمتلئ قلبه بالمساكن الشعبية هذا الرجل «قيمة» نختلف معه إنسانياً أو نتفق، ولكن علينا أن نعترف بأنه لا يمكن أن يؤرخ إلى الحركة التشكيلية في مصر على مدار خمسين عاما ً، أو أكثر من نصف قرن من دون أن يكون عزالدين واحداً من العلامات البارزة فيها كناقد وفنان، وصاحب مشاريع ومبادرات وطنية مهمة.
لماذا نكتب عن عز الدين نجيب الآن؟
آن لنا أن نكتب عن هذا الرجل العبارات الآسرة تكريما له بمناسبة معرضه الاستيعادي المقام في أتيليه القاهرة، الذي قام بتنكيس لوحاته اعتراضاً على تشويه لوحة آدم وحواء من قبل زائر مجهول. يا أصدقائي الكتابة عن هذا الرجل الآن، شاهد وشهادة على قيمته ووفاء وواجب، فنكران الجميل أشد وقعاً من سيف القدر.
إذن سأكتب عن هذا الناقد الفني الذي أمضى عمره يجوب صحراء حركة التشكيل في مصر مكتشفاً للأبطال، يروى سيرتهم الفنية في الكتب والجرائد والدوريات، وهو كمبدع وإنسان واقف خارج الحدوتة كبطل تراجيدي يتأمل كل الناس، ويكتب عن كل الناس. إنني أكتب عن تجربة حياة شديدة الثراء، وعن إنســان مفعم بالوطـنية والحرية، نكتب عنه الآن لنعزز ثقة الناس بالصدق في زمان الكذب والقبح، نكتب للمطر، للعدالة، للربيع، لرائـحة المسك. نكتب لينتصر الضوء على العتمة ليسقط الخوف والقهر للإنسان، نكتب لكي تقرأه العصافير الصغيرة في الشوارع في مواسم الكلام.
للمرة الثانية أسأل.. ماذا ستكتب عن هذا الرجل؟
أنا سأكتب عن رحلة عبور رجل حي أتم عامه الخامس والسبعين ترك أثناء المرور في هذه الحياة ما يستوجب الحكي والتذكار.
فالتوقف عند بعض المحطات المهمة في سيرة حياة عز الدين نجيب يمكن أن يلقي بعض الضوء على ملامح وجه هذا الإنسان، من أجل كشف الغطاء عن المياه الغيبية المتحركة في صحراء النفس لهذا الرجل، التي تقدم نفسها لنا كسر مغلق، طلسم، في حاجة إلى الاكتشاف.
المحطة الأولى: البـدايــــــات.. والذكريات في القاهرة
الحديث دائماً يبدأ بالإنسان، والإنسان هنا هو محمد عزالدين نجيب، المصري ابن مشتول السوق، محافظة الشرقية. ولد يوم الثلاثاء في 30 إبريل/نيسان عام 1940، جاء إلى المدينة كغريب وترك الأرض الخضراء وأشجار التوت وبيوت الطين وصفير القطارات ومصابيح الجاز، ترك بكارة الفلاحين والتسامح والناس الطيبين بالفطرة وجاء إلى القاهرة وحيداً للدراسة في كلية الفنون الجميلة، متوجساً كأبناء الأقاليم عام 1958، حيث صدمة البدايات، الزحام والليل الأصفر المضاء بالمصابيح، البيوت الهندسية الحادة والحيطان العالية والأقفال والأبواب والترام الحديد، وعوالم روايات نجيب محفوظ، ولكن ما لبث أن عشـــق الطالب عز الدين القاهرة، الشــوارع والميــادين والأزقة القديمة، بعد أن عرف مناضد المقاهي والوراقين واغتــسل بماء المطر والحرية، وتشرب ثقافة الستينيات، حيث الرفاق والفكر المتحرك والوعي المتموج وعنفوان الشباب.
وأمام صفحة جديدة من دفاتر عزالدين نجيب، أي من قبل خمسين عاماً تخرج نجيب من قسم التصوير عام 1962، وخرج على المعاش كوكيل وزارة لمراكز الحرف التقليدية والتشكيلية عام 2000، والمنطقة الوسطى ما بين التاريخين وإلى الآن رحلة طويلة من الكفاح موصولة بالجهد والعرق، كللها بحصوله على جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2015
المحطة الثانية: الفنان.. وروحانية الصحراء
عز الدين نجيب هو واحد من مريدي الصحراء انبثقت معظم أعماله في التشكيل من روحها وموجوداتها وملكوتها المحكوم بالحتمية والقدر، الذي لا يرد. علينا الاعتراف بأن الصحراء وواحاتها التي تسكن عزالدين نجيب، أعادت صياغة رؤيته الفنية مرة بعد أخرى، حتى اكتسب هذه الروح التي لفحته بالإنسانية والحكمة الصوفية. الرجل هنا التزم بشريعة الصحراء واستلهم إستراتيجياتها في الفن والحياة فتخلص من كل شيء زائد في لوحاته، الأضواء، الألوان، الخطوط، مثلما تفعل النباتات الصحراوية عندما تتجرد من أوراقها عند مجيء القيظ أو الجدب، فهو لا يصور منظراً طبيعياً، إنه ينقب عن روح الشكل في المكان يبحث عن التجريد الحى الذي يحمل سر الصحراء. هذا الرجل التبست به حكمة الزمن، فأعطته رؤية خاصة للحياة وللكون، موصولة بالتجدد السرمدي، إنه كحبة الحنطة التي لا تموت إلا لتبعث من جديد. أصدقائي هذا الرجل في حياته شيء من المعنى يجب أن يقال، فهو من آن لآخر يطل علينا بلمحات إنسانية قليلة وروحانية تحمل روح الصحراء، تجاعيد الحكمة وشجن الحياة.
المحطة الثالثة: الناقد الوطني المقاوم للاستعمار الجمالي
حاول عز الدين نجيب في شبابه ألا يكون شبيها بأحد في كتاباته، رفض الكلام المعلب ورفض عبادة أي وثن، فأصبح أحد كبار حركة النقد المخضرمين في العالم العربي، ويعد علامة مهمة على طريق الكتابة النقدية التي رصدت بوعي فجر حركة التشكيل المصري الحديث.
هذا الكاتب فارس من السيرة الهلالية، من الزمن الجميل خارج عن الصف بلا ريب. هذا الكاتب شارد منفرد، وهو في الكتابة النقدية دائماً مشتبك مع دائرة الثقافة الغربية لتعرية بربريتها وعنصريتها، والكشف عن السياق الإمبريالي الجديد لها من الخضوع والسيطرة، وفي دائرة الداخل كان يكتب أن أوطان الطغاة لا تمنح الناس سوى القهر والذل والفاقة، وأن التعبير عن الظلم واجب إنساني. وظني هنا أنه يذكرني بحالة البراءة والخيال المفرط في روايات الفروسية التي سيطرت على «ميجيل سيرفانتس» وهو يكتب روايته «دون كيشوت».
هذا الرجل كإنسان يقف على يسار المشهد. يعتقد أن الغرب يتعامل معنا كما لو كنا فضاء، مدى استراتيجيا، فراغا يجب ملؤه بالبضائع والأفكار. ونحن كائنات لا وجود لنا، ولا هويـة لنا. فالأوروبي دائماً ما يحمل نموذجه المعرفي القائم على القوة والاستعلائية. وحيثما ذهب ينشئ عن قصد أو غير قصد في هذا الفراغ ما يسمى بالحالة الاستعمارية للآخر. فهو يسلم بأن هناك استعمارا جماليا للمخيلة، وأن النظام العالمي الجديد الآن ينتج الثقافة والاقتصاد والقوة والتيارات الجمالية جنباً إلى جنب كأشكال جديدة من السيطرة على الإدراك. كتابات «عز الدين نجيب» في مجال الفن التشكيلي تحمل عاطفة مشبوبة بالرومانسية القومية، وتتذكر دائماً الجرح الاستعماري القديم. نعم، نحن الآن في رحاب شيخ كبير مقاوم للتغريب وفاضحاً للخطاب الجمالي الاستعماري الجديد. واعتقد أن هذا الهاجس في بغض الآخر جسدته الرواية العربية من خلال الترميز المكشوف له في العديد منها، وليس من قبيل المصادفة أن أتذكر عز الدين نجيب وكرهه لبعض القيم الغربية مقروناً في ذاكـرتي بـ»محسن» البطـل الروائـي العربي ، في روايــة «عصـفور من الشـرق» ( 1938) لتوفيق الحكيم، الذي جسد هذا الكره وهذا البغض في صورة الآنسة «سوزي ديبون» عاملة شباك تذاكر مسرح «الأوديون» في باريس، الغادة الشقراء تلك الفتاة اللعوب الجميلة الغانية المادية، التي لا قلب لها أو ضمير، والتي لا يعنيها إلا نفسها واستعبادها لغيرها. وإذا كان لكل إنسان بعض الملامح التي تميزه عن غيره في الكتابة وتجعله مختلفاً، فإن أهم ما يميز عز الدين نجيب كناقد تشكيلي هو البيان في اللغة، بساطة الأسلوب، وتدفق المعاني كما يتدفق الماء في النهر، فالكتابة بالنسبة له فعل صدق ومجاهدة وسؤال مستمر عن الحقيقة، واسمحوا لي أن أتكلم هنا بإيجاز عن استخدام عز الدين نجيب أنساقا لغوية فصيحة من الكلام اليومي المتداول في الشارع بكتاباته، تتيح التواصل مع طبقات عريضة من المجتمع بمن فيهم الناس البسطاء، وهو في هذا يكون قد بشر بنوع جديد من الخطاب النقدي تفهمه طبقة عريضة من المجتمع، ومن ثم أعاد للعربية بعض بهائها المفقود واستعاد بنية لغوية ملغاة من اهتمام حركة النقد التشكيلي المشغوفة دائما بلغة الاصطلاح الغربي، التي لم يعرها أحد في المجتمع انتباهاً كبيراً، وأحدثت قطيعة معرفية مع الجمهور العريض الفقير والأمي.
ورغم هذا الزيغ الثقافي الذي مرت به مصر المحروسة، يؤمن عز الدين نجيب بأن الهيمنة تطمس الملامح وتشتت الذاكرة والمقاومة بالكتابة وبالتذكر الدائم هو فعل، أو قوة ناعمة، ومن ثم علينا أن نشحذ ذاكرتنا طالما أن الهيمنة تمحوها، إن ما يقوله الآخر هراء، ما يهم ما نقوله نحن، ما نبدعه نحن، ومن ثم فعلينا بالتذكر الدائم. فالتذكر في نهاية الأمر، وجود.
على الجانب الآخر هناك مجموعة من النقاد كتاب الرطانة، ينتظرون دائماً وصول المصطلحات الكبيرة من الغرب ليرددوها كالببغاوات. هذه النخبة من النقاد والمثقفين الذين يحملون قلبا من طين، يمكن تشبيههم بممثلي أدوار الخدم الصامت في الروايات الكلاسيكية الإنكليزية، هؤلاء دائما ما يشعرون الناس بأنهم في عزلة غرباء في أوطانهم، فالمعرفة النقدية التي يبشرون بها صنعت الفراغ القاتل، والشرخ الحقيقي بين الفنان وبين رجل الشارع البسيط الذي لا يرى في حركة النقد غير الصمت والسواد.
المحطة الرابعة: عاشق الغلابة والناس على الرصيف
عز الدين نجيب، شخص مفعم بحب الناس اللي تحت «كناسة الدكان»، الكتل الهائلة من البشر الغلابة، العمال والفلاحين، فقراء المدن والعشوائيات، الموظفين والمهمشين، تلك الطبقات التي تحمل روح الوطن ورائحة الحياة في مصر. وأحاول هنا رسم ملامح إنسان دائم الترحال، باحث عن المعنى العميق في الأشياء والمنحاز إلى الفقراء والمسحوقين من الناس والمطالب بحقهم في العدل والمساواة، فهو المحب لرواية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي، هذه الرواية التي تجسد الصراع بين الإقطاع والفلاحين في قلب الريف المصري الرازح تحت الظلم والجوع والمرض، خاصة مشهدها الأخير الذي يسكن ذاكرة المصريين، فلن ننسى سقوط «محمد أبو سويلم» في فيلم «الأرض» عام 1970 وسحله على وجهه مكبلا بالحبال والخيل تجره وهو يحاول التشبث بالأرض ممسكاً بيديه المجروحتين جذور شجيرات القطن ليرويها بدمائه النازفة.
عز الدين ما باع الخيال في دكاكين النضال، مثل الآخرين فهو الشـاب الحالم في الستــينيات بتوزيع الخيرات على كل الناس. كما يتوزع نور الشمس وكما ينتشر الهواء، ودفع ثمن رؤيته هذه فاعتقل أكثر من مرة. وهو في هذا صادق مع نفسه ومؤمن بثورة يوليو/تموز التي انحازت للبسطاء من الناس فنادت بالقضاء على الفقر، الجوع والمرض.
عز الدين ظل متمسكاً بخطابه النقدي المقاوم للسلطة والظلم وحينما انتـقل بعض المثقفين من ضـفة إلى أخرى في الحياة والسياسة، لم يخن الأفكار والشعارات التي حلم بـها، وهو الشيء المهم والنبيل الذي يميزه عن الآخرين أصحاب الياقات البيضاء من الأفندية والوسطاء، الذين باعوا الحلم والجنة الكاذبة للناس البسطاء. فهو في شبابه وإلى الآن كان دائماً وما زال مع الناس اللي تحت مع العمال والفلاحين، والفنانين التلقائيين، هو يؤمن دائما ًبأن فعل النقد هو فعل مقاومة وأن التغيير والثورة في الفن لابد أن يأتي من الجذور من ميراث الناس الغلابة في مصر.
في نهاية المطاف عز الدين نجيب يعتقد بأن الكلمة كائن حي وفي مثل هذا الزيغ الذي تمر به مصر على صعيد الرؤية السياسية والجمالية، مازال يؤمن بأن الكلمة الحرة هي مفتاح الكون، نجمة الشمال وبوابة الأمل للناس الغلابة.
كاتب واكاديمي من مصر
رضا شحاته أبوالمجد