نموذجان للرواية الناقدة في عُمان

حجم الخط
1

 

تمثل الرواية في هذا العصر ركيزة هامة من ركائز صناعة الوعي وتوصيل الأفكار، وذلك لسهولة حياكة مراميها وأفكارها في بنية سردية متناغمة تجذب المتلقي، وتتغلغل في وعيه، وتسهم في توصيل الأفكار إليه بسهولة وعذوبة، ومن ثم تسهم في تغيير اتجاهاته بيسر وعمق ضمني، خاصة وأنها تشهد الإقبال الأكثر والأوسع بين الفنون الأخرى.
والرواية الناقدة هي الرواية القائمة على نقد الأفكار المتوارثة، أو الكليشيهات الشائعة، بتحليلها، وبيان مواضع الوهن والخلل في المجتمعات والمؤسسات التي تصدّرها، وتفتـــيت المنظومات الفكرية والأخلاقية المتراكبة، والتي تحتاج للمراجعة والتحليل بين الفينة والأخرى لتوضيح ملامح الخلل بشكل جوهري يشكّل هدفها وغايتها الأساسية عبر حدث سردي متتابع بكل مكوناته الفنية، وهي جزء من كلية السرد، وأنواع الرواية المتنوعة الغايات والأهداف بين الذاتي، والتاريخي، والاجتماعي وغيرها من الأشكال والأنواع.
وتشهد رواية النقد المجتمعي في العصر الحــــالي رواجا كبيرا؛ لأنها تستطيع معالجة الكثير من المسكوت عنه، ورفعه على طـــاولة المساءلة الواعية، ووضعه أمام مبضع الــــرؤية، وفكـــرة التحليل، بلا كثـــير معاناة أو تحمل مسؤولية، إذ يجوز للسارد مالا يجوز لغيــــره، وبالتالي فتحقيق هدف النقد الاجتماعي يصبح أوضح وأكثر انتشارا، وأقل ريبة ومساءلة.
ورغم عدم اتساع رقعة المشهد الروائي في عمان أفقيا في الكم، أو عموديا في الزمن، إلا أن الرواية العمانية باتت حاضرة في المشهد الثقافي العربي حضورا متنوعا وعميقا بكافة أغراضها وأنواعها الذاتية والرومانسية والناقدة. وهنا وضمن فكرة رواية الأفكار القائمة على نقد المجتمع؛ بأفكاره أفراده ومؤسساته أطرح للقراءة روايتين عمانيتين تمثل نقد المجتمع والأفكار خير تمثيل.
الأولى هي رواية «أيوب شاهين» للكاتب العماني سالم آل تويه، الصادرة عن دار الفارابي، بيروت، 2011، والتي تمثل صرخة رفض علنية وصريحة لكل مظاهر العنصرية والظلم والقهر المتمثلة في بعض التقاليد والأعراف البالية، مثل تقسيمات المجتمع العرقية والتي يترتب عليها الكثير من الإجحاف والظلم وعدم المساواة، حيث تعمد هذه الرواية إلى تفتيت منظومة المجتمع العرقية والإثنية، وبيان مواطن إجحافها في حق الإنسان وإخلالها بوجوب عدالة المواطنة. السرد يفصّل حكاية أيوب شاهين، المواطن العماني الطيب والبسيط الذي حُرم من حبيبته حميدة لأن والدها يحيى صقر رأى في أصله «البلوشي» ما يجعله أقل من أن يزوجه ابنته، رغم كل جمال روحه، ونقاء سريرته، وطيب سيرته، زاعقا في وجه والده مراد شاهين: «مهما سويتوا انتوه ما من هذي البلاد. الله خلق الناس درجات. لا ترفعوا روسكم فوق. انتوا أقل منا. وطنكم مكران». ذلك جعل أيوب يرفض الحياة تماما، ويرفض الاستمرار فيها، ويذهب في المرض الموجع حتى يسلم روحه لبارئها، وهو لما يفهم فكرة هذه العنصرية المقيتة التي حرمته من الحياة متمثلة في المرأة التي أحب.
كما تمثل هذه الرواية من زاوية أخرى بقعة ضوء كبيرة على ظواهر الخلل الكثيرة، والبيروقراطية المفرطة، والروتين الفاسد، التي تنتشر في الكثير من المؤسسات الحكومية التي تحكمها الرشوة والمحسوبية، وما ينعكس على الإنسان فيها من قهر وظلم يؤدي به للموت كمدا في بعض الأحيان. وهذا تماما ماحدث مع أيوب شاهين في مستشفى «إبرا» حين تعامل الأطباء مع حالته ـ لكونه مواطنا بسيطا ـ بمنتهى الإهمال وعدم الاهتمام، وسوء التشخيص لمرضه، سرطان الغدة اللمفاوية، حتى قضى في المستشفى وحيدا متألما، ليس له إلا رحمة رب كبير كان يؤمن حتى آخر لحظة، وعائلته الطيبة التي وقفت معه متألمة وليس في يدها ما تقدمه له، وهي الفقيرة من المال والسلطة، لتجنيبه بعض ذلك الألم الكبير نفسيا وجسديا، وبعض أفراد القرية التي عكست الرواية وجود الخير والنقاء فيها، وبساطة العلاقات بين أفرادها، وتقبلها للغريب وجعله في مكان لائق بينهم، كما حدث مع الطبيب حسن.
كما تناولت الرواية البعد التاريخي للثورة على الظلم والذي عكسته «جبهة تحرير ظفار» وأهدافها التي كان يؤمن بها الثوار، من خلال صوت لقمان عم أيوب المسترجع في الذاكرة التي كان يفقدها أيوب شاهين تدريجيا، وهو يحكي له عن أهدافها الكبرى: «ياولدي الثورة ضد سلطة القبائل والأسر الحكمة والعصابات ووكلاء الاستعمار، وتحكمهم في خيرات الشعوب، الثورة تلغي القبيلة والألقاب والامتيازات الخاصة وتحرر المرأة والمجتمع من التخلف والاستعباد والقهر وتساوي بين الجميع».
أما الرواية الثانية فهي «سفينة نوح»، للكاتب سلطان العزري، والتي صدرت عن دار نينوى في دمشق، 2012، وتدور أحداثها حول استحضار حالة الموت والرعب التي حاصرت العمانيين في إعصار «جونو»، مجسدة الأحداث والإطار النقدي للرواية عبر معاناة عائلة عمانية صغيرة، زوج وزوجة وطفلتهما، ثم بتفرعاتها الكبرى داخل وخارج مسقط، الوالدة والأخوة وعائلاتهما، وبعض الأصدقاء في التعامل السريع والعاجل مع الغرق المفاجئ. وهذا حدث لم تهتم وسائل الإعلام بتوضيح صورته للمواطنين بشكل جلي وفي الــــوقت المناســـب ليأخذوا حذرهم، بل كانت تمـــوّه حول الأمر، وتهوّن القادم حتى اطمأن الناس ولم يكترثوا، حتى تفاجأوا بالـــهول الكبير الذي عاشوا معاناته من جهتين: غضب الطبيعة، وجشع التجار ومالكي العقارات.
وبالتالي عاشت هذه العائلة ـ في مقايسة تصلح للجميع ـ ظروفا قاسية لعدة أيام، بلا ماء ولا كهرباء ولا وسائل نقل، وغيرها من ممكنات الحياة الطبيعية، في مواجهة استغلال وغلاء أسعار بشع لا يمكن مجاراته، حتى انتهاء تلك المحنة، التي امتدت آثارها على آخرين لفترة أطول بعد أن فقدوا بيوتهم، وكل ملامح الحياة الآمنة والمستقرة التي كانوا يعيشون فيها، وعاشوا في ملاجئ وبيوت غير صالحة للحياة أصلا. كل هذا في مقابل تجاهل المؤسسات المعنيّة بالتعويض والإصلاح لهم لفترات طويلة، حتى جاء التعويض غير المناسب غالبا، وكان الأشد والأنكى أن هذه الظروف الموجعة من شدة الرعب والتعب قوبلت بحالة من التلميع الإعلامي الغزير للصورة، وبثها للعالم الخارجي بشكل براق، حتى ليشعر الإنسان أنه لم يحدث شيء يستحق الانتباه والمساعدة.
وتظهر فكرة النقد في هذه الرواية عبر شخصية الراوي المتأفف والمتذمر والغاضب أحيانا كثيرة، والثائر على منظومة الأفكار والعادات المجتمعية من جهة، وعلى المؤسسات الحكومية والخدمية التي لا تقدم الحالة الخدمية بشكل احترافي في حين تقدمها عبر وسائل الإعلام مثالية وكاملة. «اسمع لا يغرك كل هذا الترويج، الإعصار أظهر مدى هشاشة الوضع ومدى الغباء، ومدى الضحك على اللحى.. يا رجل أنت ما تلاحظ انه في كل مؤسسة وزارية أو عسكرية أو حتى شبه رسمية هناك دائرة كاملة أو قسم كامل للإعلام، كلهم يلمعون الصورة البراقة للحكومة وللمؤسسة وللمسئول عن تلك المؤسسة مع غياب مؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات البحثية وغياب قوى التعدد والأحزاب، من أين تنتظر مؤشرات المصداقية والشفافية المتغنى بها، المواطن البسيط وش بيسوي لمواجهة كل هذا التيار الجارف والتلميع ليل نهار.. وحده بيستوي يلمع الصورة أكثر من غيره .. يحتاجوا وقت ياصديقي ليفهموا كيف تحرك الدمى من بعيد.. لحد الحين لا في أصوات حرة، ولا صحف حرة، ولا إعلام حر.. كله على بعضه كلام فاضي».
وتمثل مثل هذه الروايات قراءة حرة وصادقة للمجتمعات، وبالتالي فهي تشبه دراسات سوسيولوجية لظواهر المجتمع وحيثياته العميقة والخفية في فترة ما؛ يمكن أن يأخذ بها منظرو علم الاجتماع والباحثون لدراسة مواضع الخــــلل وإصلاحها، أو لتجديد منظوماته الفكــرية والأخلاقية، ومساءلة مؤسساته ومحاكمة مواضع القصور والوهن فيها.
وأظنها اليوم الأكثر انتشاراً بسبب تعطش الإنسان للفهم ومحاورة الأفكار الجديدة منها والبالية، وتقصي مواضع خلل المنظومات الأخلاقية والمؤسساتية وعقلية الفرد ومرجعيته الفكرية في المجتمعات العربية تحديدا، في حالة الانزلاق والتراجع التي تعيشها. وبالتالي على كتّاب الرواية الالتفات لها بوفرة في مشاريعهم الإبداعية، والانتباه لتعميق المساءلة وتكثيف النقد فيها، لما له من أثر مستقبلي مأمول في التغيير.

فاطمة الشيدي

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية