نهاية الخلافة: ألعاب نارية وأسبوع رقص على أنقاض الموصل

حجم الخط
1

ربما كانت الحكومة العراقية متعجلة في إعلان النصر على «مملكة» أبو بكر البغدادي في الموصل. فالخلافة التي بدأت قبل ثلاثة أعوام تقترب من نهايتها. يتحدث العراقيون كعادتهم ومنذ أن بدأوا حملتهم لاستعادة المدينة الكبيرة قبل ثمانية أشهر عن نهاية قريبة، أما الأمريكيون الذين وفروا الغطاء الجوي للمعركة ونشروا القوات الخاصة، فيتحدثون عن نهاية العام كموعد لإعلان النصر. وهم وإن لم يكونوا متعجلين مثل حلفائهم العراقيين إلا أن رئيسهم الطامح لانتصار يريد تأكيد نصره في معقلي التنظيم، الموصل والرقة. وبالنسبة للعراقيين فقد حضروا الألعاب النارية وأسبوعا من الإحتفالات لاستعادة «الحدباء» وقد دمر مسجدها العريق وترك الجانب الغربي منها حطاما وهجر أهلها وهم الذين وعدهم المحررون أن يظلوا في بيوتهم ولا يخرجوا أسوة بمدن السنة في العراق الفلوجة والرمادي وتكريت التي دمرت ولا يزال أهلها يعيشون في الخيام.
ويتساءل المراقب لما جرى ويجري في البلدين سوريا والعراق- اللذين أصبحا ساحة للتنافس الدولي والإقليمي ومخبرا للنزاعات الطائفية، إن كانت مناسبة سقوط الموصل والرقة بعدها تستدعي الإحتفال أم التفكر مليا بما أدى إلى ظهور الجماعة الجهادية باسم المظلومية السنية والتغول الشيعي الإيراني والغزو الأمريكي. وتقول مجلة «إيكونوميست» (8/7/2017) إن هناك صعوبة في بناء أرضية للإحتفال بعدما دمر جامع النوري الذي يعود إلى القرن الثاني عشر وسقطت مئذنته الحدباء التي كانت علامة على الموصل التي عرفت بالإسم نفسه. فمصيرها مثل مصير حلب الشهباء التي فقدت مسجدها الأموي وسوقها الذي يعود للقرن السادس عشر. فرحيل البغدادي عن المدينة لم يكن ليكتمل دون فعل وحشي آخر وهو تدمير المنبر الذي أعلن عنه «خلافته» ودعا المسلمين من كل أنحاء العالم ليأتوا ويسهموا في بناء اليوتوبيا الأرضية. ويبدو أن ما أراده البغدادي وما أرادته القوى التي لاحقته كان التأكيد على استحالة قيام الحلم هذا على أشلاء الظلم الإنساني. فقد وصف الرحالة الأندلسي إبن جبير المسجد قائلا: «يطل على دجلة ولا يوجد مكان أنبل وأشرف منه».
ومن هنا تبدو عبثية الإحتفال إلا إذا كانت رقصة نصر فارغة على أشلاء ما تبقى من المدينة القديمة التي دمر معظمها. ويقدر عدد البيوت التي انهارت بحوالي 20.000 بيت إن لم تكن أكثر. وسمع أحد الجنرالات الأمريكيين الذي زار المدينة وهو يتمتم لنفسه «مثل دريسدن» في إشارة للمدينة الألمانية التي دمرها طيران الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. وبدلا من أن تنبعث رائحة النصر من المدينة «المحررة» نقل إلينا المصورون رائحة الموت وعفن الأجساد التي لا تزال عالقة في ركام البيوت التي سقطت بفعل القصف أو المفخخات التي نصبها جهاديو تنظيم «الدولة». فيما لا يزال الألوف عالقون مع من تبقى من مقاتلي التنظيم بدون طعام ولا ماء ولأيام عدة.
وعلى خلاف المعارك التي مرت على الموصل في تاريخها المعاصر مثل عام 1918 و 2003 حيث تراجعت المقاومة عندما زحف البريطانيون ومن ثم الأمريكيون إليها، ففي المعركة الأخيرة قاتل تنظيم «الدولة» عن كل بيت وحي ولم يكن أمامه مفر إلا القتال والموت، فهو محاصر من كل الجهات. وبخلاف معركة حلب الأخيرة التي سمح فيها لمن تبقى من مقاتلي المعارضة الخروج وعائلاتهم إلى مناطق أخرى تسيطر عليها فصائل الجيش الحر، لم يكن هناك من يفاوض عن التنظيم في الموصل. وترى المجلة أن عمليات التمشيط والتنظيف ستحدد فيما إن كانت الحكومة قد ربحت المعركة أم لا، فبالإضافة للدمار الشامل، فالرحيل الجماعي فاق ما حدث في معارك أخرى، فقد هجرت المعركة 900.000 من مليوني نسمة كانوا يعيشون فيها قبل وصول التنظيم إليها ولا يزال 700.000 منهم بدون مأوى. وتقول الأمم المتحدة ان هناك ستة أحياء دمرت بالكامل بينما تعرضت البقية لشيء من الدمار. ويريد حيدر العبادي أن يعود السكان إلى بيوتهم، إلا أن هناك 200.000 بدون ملجأ يعودون إليه ومعظمهم جاء من المدينة القديمة الفقيرة التي وجد الجهاديون فيها شيئا من التعاطف. ولا يوجد أمل بإعادة إعمار سريعة، فبعد ستة أشهر من الإعلان عن «تحرير» الجزء الشرقي لا يزال سكانه بدون طاقة كهربائية وتقدم الأمم المتحدة لهم يوميا 6 ملايين لتر من المياه الصحية. ورغم الفرحة التي اعترت التلاميذ والأساتذة بفتح المدارس، إلا أنهم ومنذ ستة أشهر لم يتلقوا رواتبهم. ولا تزال جامعة الموصل التي كانت تفتخر بأحسن كليات للهندسة في المنطقة العربية مهجورة ومغلقة.
وكان يجب على المحررين-من أمريكيين وعراقيين-معرفة الواقع أحسن، فبعد سقوط بغداد السريع عام 2003 تركوا المقاتلين لكي يملأوا الفراغ وفعلوا الأمر نفسه مع القاعدة عام 2007 فلم يهتموا بالإعمار ولا تقديم الخدمات الرئيسية. وتقدر الحكومة العراقية كلفة إعمار المدن التي دمرت في الحرب ضد تنظيم «الدولة» بحوالي 100 مليار دولار أي المبلغ نفسه الذي انفقه الأمريكيون والعراقيون على المعركة. والمشكلة هي من سيقوم بعملية الإعمار؟ فالحكومة مفلسة بسبب تراجع أسعار النفط. أما دول الخليج فتقول إنها تعيد النظر بمشاركتها في الحرب ولم تسهم بأي شيء.
وقدم البنك الدولي 300 مليون دولار وألمانيا 570 مليون دولار. ويتحدث المسؤولون عن خطة إعادة إعمار تمتد على عشرة أعوام، ولكن متى تبدأ وكيف تطبق؟ مرهون بالوضع السياسي والتزام الأطراف. فجنرال الكتريك، مثلا والتي حصلت على عقود لإصلاح شبكات الكهرباء في القيارة القريبة من الموصل تقول إنها لا تزال في مرحلة التفاوض وتجد صعوبة بسبب المخاطر والفساد. وعلى خلاف الحس بالتحرر من سطوة الجهاديين، فنشوة الإنتصار الأولى تحولت إلى تذمر. ويقول السكان إن تنظيم «الدولة» قام على الأقل بتوفير الكهرباء وجمع القمامة وهو ما لم تقم به الحكومة. وقامت عناصره بإصلاح الحفر في الشوارع أسرع من السلطات المحلية. ويتساءل أحد الخريجين من جامعة الموصل «لماذا تخلت عنا الحكومة عام 2014 وتركتنا طعما لتنظيم الدولة ودمرت كل شيء عندما عادت؟». وهناك إشارات على عودة الخلايا النائمة فقد قتل 3 مخاتير في فترة قصيرة.

مشكلة أخرى

وقد تكون المشكلة الأمنية أقل إثارة لقلق السكان، فالقوى التي قاتلت تنظيم «الدولة» الجيش وقوى الأمن والحشد الشعبي تحتل الآن المساحات التي سيطر عليها التنظيم سابقا. وهناك جيل من العراقيين ممن قضى وقتا وهو يقاتل تنظيم «الدولة». وربما شكلوا طموحات أخرى غير التخلص من التنظيم. وفي الوقت الذي تجنب فيه أعداء التنظيم الخلافات فيما بينهم، فالمواجهة باتت قريبة بين أمريكا من جهة وحلفاء إيران من جهة أخرى. وتتشكل جبهة احتكاك في جنوب-شرق سوريا، حيث تدفقت الميليشيات الموالية للنظام السوري وتلك المدعومة من الأمريكيين على المنطقة في محاولة للسيطرة على ما يمكن من أراضي التنظيم السابقة. وهناك معركة جارية بين السياسيين داخل أسوار المنطقة الخضراء في بغداد والتي تكشف أن نهاية تنظيم «الدولة» ليست في الحقيقة بداية لفجر جديد في العراق بل هي مرحلة صراعات واستمرار للمماحكات التي ولدها الغزو الأمريكي وأدى لظاهرة «الدولة الإسلامية في العراق» أولا و«الدولة الإسلامية في العراق وسوريا».

المناطق المتنازع عليها

والمعركة داخل الصف الشيعي هي واحدة من المعارك التي ستندلع بعد الموصل. فهناك الطموحات الكردية الساعية للإستقلال. فقد أعلن حاكم إقليم كردستان، مسعود البارزاني عن موعد للإستفتاء في إيلول (سبتمبر) المقبل. ويرى جون هيلترمان، مسؤول برنامج الشرق الأوسط وشمال افريقيا بمجموعة الأزمات الدولية في بروكسل في مقال نشره بموقع «نيويورك ريفيو أوف بوكس» (1/7/2017) إن نهاية الحرب على تنظيم «الدولة» تمثل استمرارا للحروب التي يشهدها العراق منذ اكتشاف النفط في ثلاثينات القرن الماضي. فنهاية الخطر الجهادي تعني كما يقول الكاتب عودة للحروب بين العرب والأكراد والشيعة والسنة والجيران الأتراك والإيرانيين وبين الأكراد أنفسهم حيث ستكون المواجهات أكثر شدة وسيستخدمون السلاح الذي زودتهم به القوى الكبرى والخبرات التي تلقوها من الحروب المقبلة. وأشار الكاتب لاستفادة الأكراد من الحرب على التنظيم من ناحية توسيع سيطرتهم على «المناطق المتنازع» عليها وحل المشكلة لصالحهم رغم زيادة وتيرة النزاع. ويقول الكاتب إن الأكراد رغم نظرتهم لتنظيم «الدولة» باعتباره جمعا بين الشوفينية العربية والأيديولوجية الجهادية إلا أنهم لا يعترفون أن صعود التنظيم كان في جزء منه جراء المشاعر العربية الغاضبة على تصرفاتهم، خاصة حول الموصل وفي كركوك. وتمثل المناطق المتنازع عليها مشكلة نظرا لتنوعها السكاني، فبالإضافة للعرب والأكراد هناك التركمان والكلدان والأشوريون وجماعات اثنية أخرى. كما انها غنية بالنفط والمصادر الطبيعية الأخرى. وتمتد المنطقة من الحدود الإيرانية جنوبا إلى السورية شمال قريبا من جبال الأكراد. وكانت تعتبر معبر تجارة استراتيجيا محمية بمدن حدودية عمل الجنود العثمانيون والحرفيون على حمايتها. وتحدث هيلترمان عن ثلاثة تطورات ستترك أثرها على مسار الأحداث في شمال العراق: الإستفتاء حول مصير الإقليم ورفع العلم الكردي على المباني الحكومية في كركوك ووصول مقاتلي الحشد الشعبي إلى الحدود العراقية السورية. وكان وصول هؤلاء للمناطق التي لا توجد فيها تجمعات شيعية أمرا غير مسبوق وله علاقة بمحاولات إيران ربط العراق وسوريا من خلال ممر يمتد من حدودها إلى البحر المتوسط. وهذا يعني توفير الممر للجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري للسفر عليه بالسيارة إن رغب من طهران إلى بيروت. وحذر الكاتب هنا من إشكاليات داخلية وخارجية قد تحبط الحلم الكردي في الإستقلال. منها عدم إجماع الأكراد على قيادة البارزاني ورفض كل من إيران وتركيا للإستفتاء. كما أن الأكراد لا يستطيعون فرض حل في كركوك ولا المناطق المتنازع عليها إلا من خلال التفاوض مع بغداد. يضاف إلى هذا العامل الأمريكي وعدم اهتمام إدارة دونالد ترامب بما سيجري في سوريا والعراق بمرحلة ما بعد تنظيم «الدولة». وعليه يعتقد الكاتب أن المدخل الصحيح لتجنب الإشكاليات التي قادت لظهور تنظيم «الدولة» واستمرار الأزمات هو خروج الأكراد من المناطق المتنازع عليها والتفاوض مع الحكومة في بغداد وبدعم من الأمم المتحدة على كل منطقة متنازع عليها. ولا يحتاج الأكراد في النهاية لعقد استفتاء على أمر يعرفونه، إلا أن الدفع به قبل حل كل هذه المشاكل قد يؤدي لخسارة الأكراد كل ما حققوه. فخطر تنظيم «الدولة» لم ينته كما أن السخط العربي بسبب ضم الأكراد لأراضيهم ومنابع النفط ولا تنسى حكومة بغداد التي تتمتع بدعم جيرانها وخرجت منتشية من معركة الموصل، وهي عوامل يجب أن لا ينساها الأكراد وهم يحلمون بدولة.

درس في الدعاية

كان تنظيم «الدولة» يعرف أن سيطرته على المدينة مسألة وقت وأنه لا يستطيع أن يتحكم بأهم مدينة في العراق بعد العاصمة لأمد طويل، إلا أن دفاعه العبثي عنها كان في حد ذاته درسا في الدعاية. فهي محاولة منه لإثبات أنه قاتل حتى الرمق الأخير عن العاصمة. وكما يقول تشارلي وينتر في «ذا اتنلاتك» (3/7/2017) فالموصل التي حكمها الجهاديون لألف يوم أو يزيد كانت كافية لأن يجرب ويحكم ويعلم عودة مثال «الخلافة» وبالنسبة له فهذا كاف للدعاية التي ستظل حاضرة على العالم الإفتراضي وفي تجربة الجهاديين. والسؤال هل كنا بحاجة لدريسدن جديدة بعد كابول طالبان وغروزني الشيشان لكي نثبت أن «الخلافة باقية وتتمدد» ولنعترف أنها لم تعد باقية وتتآكل؟ من المنتصر والمنهزم ليس مهما، المهم أن المدينة العربية تخسر كل يوم جزءا من تاريخها وكأن الهدف هو تجريدنا من هويتنا وتاريخنا وحضارتنا والعودة بنا إلى عام «الغول».

نهاية الخلافة: ألعاب نارية وأسبوع رقص على أنقاض الموصل

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية