لا يمكن في أي حرب أهلية يشهدها بلد ما، أن تكون دول الجوار مهما كانت توجهاتها السياسية واقفة على الحياد من التطورات التي تعصف به. سيكون هناك ولا شك تماس ما، تماس تسعى فيه هذه الدول إلى أن تكون فيها طاولة للحوار بين أطراف الصراع أو لمدهم بالسلاح أو تحمل أعباء اللاجئين في أفضل الأحوال. والدول التي شهدت وتشهد حروباً أهلية تقدم خير مثال على أنه يصعب أن تلتزم دولة ما الحياد، بل تصر على الاستفادة من هذه التطورات، أو أنها كانت مساهمة أساساً في التطورات التي أدت إلى هذه الحرب الأهلية. في بعض الأحوال وخاصة في المشهد الأفريقي يصل الحال أن تكون هناك أكثر من دولة تدعم حلفاءها في البلد الذي يشهد احتراباً داخلياً ويتحول أبناء البلد الواحد إلى محاربين بالوكالة عن دول الجوار.
لعل سوريا التي تشهد اليوم كبلد وللسنة الخامسة على التوالي حربا أهلية تعتبر من حيث نتائجها إلى الآن الأكثر تكلفة ليس فقط على دول الجوار بل على العالم أجمع، هي دولة تشابكت فيها أياد كثيرة أوصلت البلد وأبناءه إلى هذه الحال التي يبث منها مؤخراً صور تعد أبشع ما يمكن أن تستقبل به البشرية هذا العام الجديد، حيث وصل الحال بالنظام السوري إلى حصار مدن وتطبيق سياسة التجويع بشكل محكم على أكثر من مدينة وبلدة لتكون نتائج هذا الحصار جوع مات إلى الآن نتيجته العشرات وآلاف أخرى على الطريق ما لم يقل المجتمع الدولي كلمة حازمة على أقل تقدير لقتل الناس بآلة الحرب لا بالتجويع، وكل ما يتفق عليه من إدخال مساعدات ستكون لمرة، ولكن ما من مدينة يستطيع أبناؤها العيش على مساعدات خاصة غذائية لمرة واحدة. وتركيا التي تعد دولة جارة لسوريا لم تكن بمنأى عن التطورات في هذا البلد، حيث كانت لها كلمتها في كل مرحلة من عمر هذا الصراع، والتي علق الكثيرون آمالاً عريضة عليها خاصة مع الخطوط الحمر التي تحدث عنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي كان حينها رئيساً للوزراء، لم يعد الموقف الذي اتخذه الكثير من السوريين حينها من أردوغان اليوم هو نفسه، حيث لا يزال البعض يرى فيه أنها أكبر دولة جارة لسوريا تستضيف اللاجئين وتقدم لهم امتيازات لا نظير لها في دول الجوار التي ذهب إليها اللاجئون، وأنه بسبب تعاطفه مع السوريين في وجه الرئيس السوري بشار الأسد دفع تكاليف عالية داخل بلده منها التفجيرات التي عصفت بأكثر من مكان في تركيا، وعلى النقيض يجد فيه آخرون أن الحرب في سوريا جددت من أحلامه ليستعيد أمجاد الإمبراطورية العثمانية ولو بشكل قليل من خلال السعي لمنطقة آمنة تحت سيطرة تركيا وتعيين وال تركي للسوريين في تركيا والمناطق الخارجة عن سيطرة النظام، بل يذهبون إلى القول إلى ما ذهبت إليه تقارير دولية كثيرة إلى دعم جهات إسلامية ومتشددة على الأرض ومنها تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي أعلنت تركيا أكثر من مرة أنها ستخوض الحرب ضده، ولكن في مقابل ذلك كانت هناك دائماً رصاصات تطلق وطائرات تقصف، وتتوقف بعد ساعات.
كان للحدود التركية تأثير كبير على مجرى الأحداث دائماً في سوريا، حيث مرّ من خلالها مئات آلاف الهاربين من الموت طلباً للأمان إلى حين تستعيد بلادهم عافيتها، وفات من هذه الحدود السلاح الكثير وجاء من خلالها تنظيم الدولة، واخيراً أغلقت في وجههم وذلك بحسب تصريحات رسمية تركية تفيد أن أكثر من 90 ٪ من المعابر تم إغلاقها ناهيك عن سجل كبير في حالات قتل وتعذيب الجنود الأتراك لعشرات السوريين الذين كانوا ينوون منذ أقل من سنة الهجرة عبر الحدود التي كانت مفتوحة لهم مع بدء الثورة في بلادهم.
لم تبق ولا شك تلك الحدود على ما كانت عليه إنما تخطى الأمر إلى بناء جدران عازلة في مناطق حدودية كثيرة، وهنا كانت المفارقة الكبرى في بلد عوّل عليه كثير من السوريين آمالهم في الخلاص من واقع الحرب لاسيما في بدايتها مع تصريحات الرئيس التركي الحالي في أن لديهم خطوطاً حمراء لن يلتزموا الصمت حيالها إذا ما قام الأسد بمجازر وإبادة ضد شعبه، مروراً بأنهم لن يسمحوا بتكرار حلبجة ثانية في سوريا، وانتهاء بإمكانية مشاركة الأسد في الحل السياسي على لسان الشخص نفسه ومن ثم تبرير الأمر في أن هذا الحل الذي يكون الأسد جزءاً منه سيكون عبارة عن مرحلة انتقالية.
ما يدفع إلى الحيرة في المشهد السوري أمور كثيرة، وفيما يخص الحدود التركية فإن هناك أيضاً مسائل كثيرة منها كيف استطاعت أمريكا عبر الأقمار الاصطناعية أن تكشف عن استعدادات روسية لبناء أول قاعدة عسكرية في الساحل السوري قبل أن تكشف روسيا عن ذلك، ولم تستطع أن تكشف عن كميات الأسلحة التي وصلت إلى تنظيم الدولة عبر المناطق الحدودية المشتركة، أو أن ترصد صوراً للشاحنات التي كانت تقل النفط السوري من خلال المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم؟ إذ أنه ليس من المنطقي القول أن كل أسلحة تنظيم الدولة التي حصل عليها هي من خلال معاركه مع النظام أو فصائل المعارضة السورية لاسيما في مناطق لا تصل إليها الأسلحة من العراق حتى بعد فتح التنظيم للحدود بين سوريا والعراق.
إلى جانب هذا فإن التقارير الأمريكية التي تثبت حصول التنظيم على عائدات مالية تبلغ أكثر من 40 مليون دولار شهرياً من خلال بيع النفط الذي ما كان يذهب خارج سوريا من خلال الأردن أو لبنان أو العراق، بل من خلال تركيا والمناطق التي تقع تحت سيطرة التنظيم ويتم فيها استخراجه وتصديره، لم تشهد أيً منها رصدا من قبل الأقمار الاصطناعية الأمريكية، وهذا الأمر هو أيضاً ما قالته وزارة الدفاع الروسية عقب إسقاط طائرتها الحربية السوخوي من قبل تركيا.
بعد أكثر من سنة على كلام نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن في جامعة هارفرد من اتهام أطراف عديدة وعلى رأسها تركيا بمساعدة تنظيم الدولة لا تزال الدعوات الأمريكية تتكرر مطالبة تركيا ببذل جهود أكبر في محاربة هذا التنظيم دون أن يكون هناك أي تقدم في هذا الملف باستثناء قول تركيا بأنها ضبطت قسماً كبيراً من شريطها الحدودي وأغلقته مع سوريا.
الحدود التركية التي لعبت مع بداية الثورة السورية دوراً كبيراُ في تغيير مسار أحداثها من خلال الطرف الحدودي مع سوريا، انتقلت اليوم إلى مرحلة جديدة حيث كل ما يتعلق بالجانب السوري من الحدود صار مغلقا وحدودها البحرية مع أوروبا صارت مفتوحة والتي تريد أن تحصل من خلالها على مكاسب سياسية من بينها العضوية في الاتحاد الأوروبي من خلال استخدامها وسيلة ضغط على أوروبا التي عصفت أزمة اللاجئين بوحدتها وأمنها إلى درجة زيارة رؤساء دول ومسؤولين كبار لتركيا وإعطائها أكثر من ثلاثة مليارات دولار مقابل وقف هذه الهجرة وتوفير احتياجات اللاجئين.
بعد كل هذه السنوات من الحرب في سوريا يحق للمتابع أن يتساءل ما الذي قدمته الحدود التركية سواء إيجاباً أم سلباً للسوريين، الحدود التي فتحت لتستوعب عدداً محدداً لتنفيذ خطة تركية بالتحرك ضد الأسد وإقامة منطقة عازلة، ومن ثم صار الداخلون منها إلى تركيا بالملايين والسلاح الذي فات في إتجاه معاكس بالأطنان لتتوقف في النهاية كل أشكال الدخول إلى تركيا إلا ضمن ظروف وحالات استثنائية ومعقدة؟ كانت عدسات الأخبار التركية ترصد يوماً ما دخول القوافل الأولى بتغطية كبيرة واليوم ترصدهم أيضاً ولكن في خروجهم منها ليس مع الطرف السوري بل بحرياً مع أوروبا، فهل تغيرت استراتيجية هذا البلد تجاه هذا الملف أم دخلت مراحل جديدة، مراحل صار من الواجب فيها إغلاق الحدود وإغراق العالم باللاجئين والأزمات أو القبول بسياسة تركيا في رسم ملامح سوريا بحسب الماضي الذي كانت فيه كل سوريا تابعة للقسطنطينية وقبول شروط تركيا على أوروبا في الاتحاد الأوروبي ونيل موافقة أمريكا في رسم ملامح المنطقة بشكل عام؟
٭ كاتب من سوريا
كرم يوسف