نهاية عهد الغموض

حجم الخط
0

إن ما حدث حتى فترة قصيرة بنوع من الغموض، اذا لم نقل السرية، يحدث الآن على الملأ. أكدت سوريا أمس في خبر لوكالة الانباء الرسمية أن سلاح الجو الإسرائيلي قصف في الصباح الباكر موقع عسكري قرب مطار دمشق. وزير الاستخبارات إسرائيل كاتس اعترف بمسؤولية إسرائيل في مقابلة صباحية في «صوت الجيش» من الولايات المتحدة وقال «إن الحادثة تناسب تماما سياستنا في منع نقل السلاح إلى حزب الله». وكل ذلك حدث اثناء وجود وزير الدفاع ليبرمان في روسيا التي تعطي الدعم الاساسي لنظام الاسد في سوريا.
جاءت اقوال كاتس استمرارا للاعتراف الإسرائيلي الاولي بعد عشرات التقارير في وسائل الاعلام العربية، بقصف سلاح الجو لسوريا في نهاية آذار/مارس. وقال ضابط رفيع المستوى في الجيش في يوم الثلاثاء الماضي للمراسلين عندما تحدث عن القصف في آذار/مارس، إنه تم تدمير عدد من الصواريخ كان من المفروض أن يصل البعض منها إلى حزب الله.
ليس من المؤكد رغم ذلك، أنه تم اتخاذ قرار سياسي بالتخلي عن الغموض الذي امتنعت إسرائيل في اطاره خلال السنوات الخمسة الماضية عن المصادقة أو نفي القصف. يبدو أن الغموض يعتمد على فرضية أن هذا التجاهل هو أقل احراجا للنظام ويقلص الرغبة في الانتقام من قبل السوريين. يمكن القول إن الغموض قد تم الاخلال به بالصدفة، وليس نتيجة لتفكير استراتيجي بعيد المدى.
أمس وصل ما يبدو كأنه رد أولي من سوريا على الهجوم: طائرة بدون طيار تم تشغيلها كما يبدو من قبل سلاح الجو السوري، اقتربت من حدود هضبة الجولان، وتم اسقاطها بواسطة الباتريوت التي أطلقت من صفد. وخلافا للسابق، يبدو أن إسرائيل لا تريد الاعتماد على ضبط نفس سوريا على عمليات سلاح الجو.
في التقارير الاولية من دمشق لم يتم تفصيل الوسائل الحربية التي استخدمت صباح أمس. مصادر استخبارية عربية (اقتبسها مراسل رويترز من عمان) قالت إن ارساليات السلاح التي تصل من إيران والتي يتم تهريبها في طائرات الركاب من مطار دمشق الدولي، هي التي كانت مستهدفة. أما سوريا فقد قالت إن الطائرات الإسرائيلية لم تخترق أبدا المجال الجوي السوري، بل قامت باطلاق الصواريخ في سماء إسرائيل. وهذا قد يفسر امتناع الدفاعات الجوية الروسية والسورية عن الرد على الطائرات. رغم أن الرادار السوري في شمال غرب سوريا يستطيع ملاحظة حركة الطائرات في جزء كبير من مجال الجو الإسرائيلي.
لماذا لم تفعل روسيا أي شيء؟ بعد القصف في آذار/ارس قيل إن موسكو قدمت احتجاجا لإسرائيل لأن الهدف السوري الذي تم قصفه في تدمر كان قريبا جدا من معسكر روسي. ويبدو أن موسكو تهتم أقل طالما أن القصف لا يعرض بقاء الاسد للخطر. اغلبية الجنود والطائرات الروسية توجد في شمال غرب سوريا، في اللاذقية وطرطوس، وهناك لم يحدث قصف إسرائيلي منذ بدء تواجد روسيا العسكري في ايلول 2015. في الصعيد التكتيكي يبدو أن إسرائيل وروسيا تستطيعان التفاهم في ظل الفوضى السائدة في سوريا: الطاقم العسكري الذي يهدف إلى منع الاحتكاكات الجوية بين الدولتين يعمل بوتيرة طبيعية، وهناك قادة في إسرائيل، على رأسهم رئيس الحكومة نتنياهو، يقومون بالتشاور مع نظرائهم في روسيا.
على الصعيد الاستراتيجي بعيد المدى توجد لإسرائيل مشكلة وهي أن النجاح في الحرب يعني انقاذ نظام الاسد، وفي نفس الوقت انجاز لحلفائه إيران وحزب الله. واذا قررت روسيا تحقيق مصالح اطراف التحالف في سوريا فسيكون ذلك على حساب مصالح إسرائيل.
لقد أكد ليبرمان في محادثاته في موسكو على الخط الاحمر الجديد الذي وضعته إسرائيل وهو لا للتواجد العسكري الإيراني، أو تواجد حزب الله قرب الحدود السورية في هضبة الجولان. ومع تقدم قوات الاسد في جنوب الدولة توجد تقارير اولية عن وصول مقاتلين من حرس الثورة وحزب الله ومليشيات شيعية وفلسطينية إلى منطقة الحدود، لا سيما في شمال الجولان. اضافة إلى منع تهريب السلاح تعتبر هذه مسألة اساسية تقلق إسرائيل الآن. واذا قررت العمل من اجل تطبيق موقفها، كما قال وزير الدفاع، فستضطر إسرائيل إلى أن تأخذ في الحسبان الاحتكاك المحدود مع إيران، وايضا تغيير محتمل في علاقتها مع موسكو.

يوم غضب

اضراب الاسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية عن الطعام، الذي يدخل اليوم إلى يومه الـ 12، يجد حاليا صعوبة في التحليق. وحسب تقارير مصلحة السجون فإن المشاركين في الاضراب هم 1150 أسير معظمهم من فتح. مشاركة أسرى حماس في الاضراب هامشية، وهذا تراجع بنسبة 15 في المئة مقارنة مع ذروة المشاركة في ايام الاضراب الاولى. زعيم الاضراب مروان البرغوثي تم نقله من سجن هداريم في الشارون إلى العزل في سجن كيشون. القسم الذي وجد فيه البرغوثي مع أسرى آخرين كانوا نشطاء في تنظيم الاضراب، تم اخلاءه وتوزيع السجناء على السجون الاخرى. يبدو أن البرغوثي قد توقع ذلك مسبقا، لأنه ترك لدى زوجته ومحاميه في رام الله توجيهات مفصلة قبل بدء الاضراب. ولكن لأنه لا يوجد خطر على حياة المضربين عن الطعام، ولم تحدث أي مواجهة متعمدة، فان اهتمام المناطق بما يحدث في السجون محدود. الجمهور الفلسطيني غير مبال نسبيا، رغم التأييد الكبير لمطالب الأسرى في تحسين ظروف الاعتقال والغاء الاعتقال الاداري.
صحيح أن فتح قد أعلنت عن يوم غضب في الضفة الغربية أمس، لكن هذا لم يرض الرئيس محمود عباس كما يبدو، الذي يعتبر البرغوثي منافسا فظا لوراثته. وهو في الاصل قلق من الاستعدادات للقاء مع رئيس الولايات المتحدة في الاسبوع القادم في واشنطن. لقد قام عباس بالغاء خطاب مخطط له، وكان يتوقع أن يتحدث فيه عن اضراب الاسرى وعن الازمة بين السلطة الفلسطينية وحماس في قطاع غزة. وحتى الآن الاهتمام الدولي باضراب الاسرى محدود. ووسائل الاعلام الغربية منشغلة بالانتخابات الفرنسية، وبالخشية من عمليات ارهابية اخرى في اوروبا، بعد الحادثة التي أطلق فيها أحد مؤيدي داعش النار على شرطي في الشانزليزيه في باريس. والعالم العربي ينشغل بمشاكله، من سوريا وحتى اليمن.
لقد وفر اضراب الاسرى لنتنياهو فرصة لادخال المزيد من الدسم إلى المفاوضات السياسية. نتنياهو الذي طلب في هذا الاسبوع من السلطة الفلسطينية وقف المساعدات المالية للسجناء الامنيين ولعائلات المخربين الذين قتلوا، يعرف أن ذلك لن يحدث الآن. إن التنصل من اجمالي الصراع الفلسطيني سيكون مثابة الانتحار السياسي لعباس. ولكن الادارة الامريكية الحالية المتشددة أكثر ضد الارهاب قد تجد الشرط المسبق الجديد لنتنياهو بأنه مقنع أكثر من الادعاء الإسرائيلي القديم حول التحريض في وسائل الاعلام وكتب التعليم الفلسطينية. ترامب يفكر في زيارة إسرائيل للمرة الاولى بعد أقل من شهر. وبعد هذه الزيارة يمكن التحدث أخيرا عن سياسة الادارة تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
نتنياهو يتصرف بحكمة حتى الآن مع الرئيس الامريكي غير المجرب. إن موافقة رئيس الحكومة على التوصل بسرعة إلى تفاهمات مع الادارة الامريكية حول تجميد البناء في المستوطنات، خدمته مرتين. فمن جهة أخرجت الرياح من الصقوريين في حزبه، الذين طلبوا استغلال فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية للتملص نهائيا من حل الدولتين وضم مناطق ج في الضفة. ومن جهة اخرى اعتبرت واشنطن ذلك تنازلا إسرائيليا سياسيا، وهذا يجعل الامريكيين ينتظرون المقابل من الفلسطينيين. كل ذلك قام نتنياهو بفعله دون أن يتعرض لأي ضرر سياسي داخلي.
إن ما يتم فعله بدهاء قبالة ترامب، يتم بهزلية مطلقة قبالة الاوروبيين، كما تبين في هذا الاسبوع في قضية الغاء اللقاء بين نتنياهو وبين وزير الخارجية الالماني غبريئيل. الدول المتصدرة في الاتحاد الاوروبي تهتم كثيرا باستمرار الاحتلال الإسرائيلي للمناطق والبناء في المستوطنات ونشاط منظمات السلام مثل بتسيلم ونحطم الصمت. وهي تغرق ايضا في هذه المواضيع، حيث لا تخصص أي تفكير للتساؤل عن رغبة القادة في الطرفين في التوصل إلى حل دائم. نوايا غبريئيل في لقائه مع ممثلي نحطم الصمت، ساعدت نتنياهو الذي سارع إلى استغلال ذلك من اجل احتياجاته السياسية.
في نفس الوقت حرف رئيس الحكومة النقاش الجماهيري في إسرائيل نحو البحث عن خونة داخليين، واستمر ايضا في سحق ما تبقى من الشرعية لانتقاد التأثير الاخلاقي للاحتلال. اليمين في إسرائيل هاجم تلون المانيا على خلفية حقيقة أن القضية تفجرت عشية يوم الكارثة. ولم يقدروا هناك ما أظهره نتنياهو تجاه حكومة ميركل التي تقوم بصناعة السفن والغواصات لإسرائيل، والتي تم تمويل جزء كبير منها من اموال دافع الضرائب الالماني.
في نهاية الاسبوع اضاف نتنياهو لمسة خاصة للهجوم: اللقاء السنوي بينه هو وزوجته مع أيتام الجيش الإسرائيلي عشية يوم الذكرى منحه الفرصة لتكرار ذكر المنظمات «التي تقوم بتشويه صورة الجيش الإسرائيلي».

مشكلة حكم

محمود عباس سيصل إلى البيت الابيض بأيد فارغة، ايضا عندما يتم الحديث عن غزة. وكما كتب هنا فإن الرئيس الفلسطيني قد قرر وقف التمويل للقطاع دون أن تسمح حماس للسلطة الفلسطينية بأخذ بعض المسؤوليات في ادارة القطاع. وبسبب ذلك جاء الضغط الذي تستخدمه السلطة على حماس من خلال تقليص رواتب عشرات آلاف موظفي السلطة في القطاع. وفي نفس الوقت اشتد الجدل بين السلطة وحماس حول دفع ضريبة السولار الذي يدخل إلى القطاع، والذي يضر بتوفير الكهرباء للقطاع. وقد انخفض زمن توفير الكهرباء في القطاع إلى 3 ـ 4 ساعات يوميا في بعض المناطق. وأعلنت السلطة أمس عن اجراء آخر يزيد الخناق على القطاع. فهي ستكف عن الدفع لإسرائيل من اجل توفير الكهرباء لغزة. ولكن خطوة عباس لن تحقق أي شيء في الوقت الحالي. حماس تصمم على موقفها وهي لا تريد اعطاء السلطة أي صلاحيات في غزة.
واذا اختار البيت الابيض استخدام ادعاء من ادعاءات نتنياهو البارزة الذي يقول إنه لا يمكن التقدم مع عباس لأنه لا يمثل فعليا كل الشعب الفلسطيني، وليست لديه سيطرة في غزة، ولن يكون لديه أي رد على ذلك.
حسب رأي إسرائيل، المشكلة هي أن الصراع بين السلطة الفلسطينية وحماس ليس صراعا على الربح والخسارة فقط، يكون فيه تراجع مكانة حماس مثابة خدمة للمعسكر الفلسطيني الاكثر اعتدالا، وبالتالي خدمة لإسرائيل بشكل غير مباشر.
عندما تكون ظروف الحياة الاساسية في غزة بائسة إلى هذه الدرجة، فليس هناك ضمانة بأن صراع القوة الداخلي لن يتحول إلى عنف ضد إسرائيل. وقد اعترف نتنياهو في الاسبوع الماضي في الكنيست بأنه لم يرغب في الحرب الاخيرة مع حماس في صيف 2014، بل هو انجر إلى ذلك في اعقاب اختطاف الفتيان الثلاثة في غوش عصيون والتصعيد بعد ذلك في حدود القطاع. التسخين البطيء لوعاء الضغط في غزة عن طريق ازمة الرواتب وضائقة الكهرباء تزيد من فرص اشتعال الحريق. وفي منطقتنا هناك ميل طبيعي للتصرف بعقلانية أقل عندما تزداد درجة الحرارة في الخارج.

عاموس هرئيل
هآرتس 28/4/2017

نهاية عهد الغموض

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية