نهر الشتات السوري ونداء الحلم الاوروبي

حجم الخط
1

هي صورة واحدة ـ صورة ذلك الطفل الذي لفظت أمواج البحر المتوسط جثته الشبيهة بلعب الاطفال، وألقتها على رمال شاطئ مدينة سياحية تركية ـ ما أدى إلى العولمة الإعلامية للكارثة السورية المتناسلة منذ أربع سنوات.
قبل صورة هذا الطفل السوري الكردي، اختفت في البحر آلاف جثث الفارين من كوارث بلدانهم المشرقية والافريقية، استجابة لنداء الحلم الأوروبي. ألقت الأمواج مئات كثيرة من الجثث على الشواطئ اليونانية والايطالية والليبية والتونسية والمصرية والتركية. لكن الصخب الإعلامي الدولي المعولم جعل من صورة جثة الطفل اللعبية وحدها وليمته الفريدة في كرنفال استصراخه «ضمير العالم» وصدمه وتنبيهه إلى نتائج هول ما يحدث في سوريا. وهذا بعد ما ينوف من أربع سنوات من يقظة سوريا من سباتها الأسدي المديد، وشغف منتفضيها الثائرين السلميين على سباتهم، بالصور المرتجلة المرتجفة خوفا، لاستصراخ ضمير العالم وتنبيهه إلى يقظتهم وفرحهم بالحرية، علّ العالم يسعى إلى تخليصهم من المقتلة الأسدية.
أنهار من الصور التي بثها الثائرون السوريون طوال ثورتهم الملحمية، طواها النسيان، من دون أن تؤدي إلى وقف أنهار دم الحرية وتكديس جثثها في الديار السورية. هكذا استوطن الدمار والخراب في سوريا، وانجرف الملايين من أهلها إلى الشتات.
فكيف يمكن أذا لصورة ذلك الطفل الملقى وحيداً على الرمال أن تصدم وحدها من دون سواها ضمير العالم وتنبهه إلى الكارثة السورية؟!

جثة في غير موضعها

براءة الطفولة. جثتها على شاطئ سياحي. جمال الصورة الفريد. قوة الصدمة مجسّدة في صورة سياحية مترفة. غرابة الجثة في غير موضعها، حيث يطيب الاسترخاء والاستجمام. الموت على شاطئ الطمانينة والمتعة السياحية والاستقالة من مشاغل الدنيا وهمومها اليومية المتعبة،  والاستسلام لالحان الشاطئ. الطفل الميت كأنه لعبة في اعلان تلفزيوني عن لعب الأطفال.
كأن هذه الصورة تجسيد لنفور العالم من الملاحم الشعبية البطولية الكبرى، القديمة والحديثة المعاصرة. وتجسيد لشغفه بالملاحم الفردية الصغرى المصورة في الاعلانات الدعائية عن صور الرخاء المعولم.
وكان الروائي ميلان كونديرا، التشيكي ـ الفرنسي المنشق في بلده الاول تشيكوسلوفاكيا عن امبراطورية الستار الحديد السوفياتية في العام 1975، قد سخر متهكماً من الشغف الأوروبي الغربي المترف والشبق بصور أعضاء الجمعيات المدافعة عن حقوق الانسان في زياراتها الإعلامية والإعلانية والدعائية إلى بلدان الحروب والكوارث في آسيا وافريقيا. فوصف كونديرا واحدة من تلك الزيارات في مشهد روائي يصور أعضاء من جمعية «أطباء بلا حدود» على الأرجح، في تسابقهم الكلبي على الوقوف أمام عدسات الكاميرات لالتقاط الصور في بلاد الحروب والكوارث.

جثث الحلم الأوروبي

السوريون الهاربون منذ أكثر من أربع سنوات من القتل، من الترويع والتدمير في بلادهم، إلى شتات مليوني في عراء ديارهم وفي دول الجوار؛ بلغ اخيراً انجرافهم في الشتات نحو حلم الخلاص الأوروبي ذروته في نهر بشري صاخب أخذت تطفو على ضفافه الجثث. فالحلم الأوروبي دونه مجازفات وأهوال مسيرات برية طويلة: من سورية، إلى تركيا، إلى اليونان، إلى مقدونيا، إلى البانيا، إلى صربيا، إلى المجر، إلى تشيكيا، إلى النمسا، وصولاً إلى المانيا.
لكن هذه المسيرات الشاقة العسيرة يتخللها ركوب قوارب موت محتمل في البحر المتوسط، من شواطئ تركيا ولبنان وليبيا وصولا إلى اليونان أو ايطاليا. وسكك الحلم هذه وسواها كانت قائمة وسالكة قبل بلوغ الشتات السوري ذروته إلى دول الجوار وبلوغ الوعد الأوروبي بالخلاص حالاً وبائية أصابت السوريين في شتاتهم الكبير الذي أين منه شتات الأسطورة التوراتية.
لكن شبكات المهربين المافيوية والهاربين من ديارهم كانت سرية، ضيقة ومحدودة. وكانت موجات الفارين غير صاخبة، ويقتصر روادها على الهاربين من الترويع الأسدي والصدامي الذي أغرق سوريا والعراق في سبات أمني، اجتماعي وثقافي وسياسي، مديد.
على شاطئ المتوسط الجنوبي، أي الافريقي، كانت شبكات التهريب السرية أكثر نشاطاً مما على الشواطئ الشرقية للمتوسط. فالشواطئ الافريقية عريقة في ما يعرف بموجات «الحرّاقة»، اي المهاجرين غير الشرعيين من تونس والمغرب والجزائر، ومن ليبيا القذافية والسودان النميري والبشيري، ومن العمق الافريقي الداخلي ما بعد الصحراء الكبرى.

ماضي الأيام الآتية

لبنان بدوره أصيب بوباء الحلم أو الخلاص الأوروبي، لكن على الطريقة اللبنانية الميسّرة طوال حقب الحروب الأهلية الاقليمية الملبننة.
بلغ الوباء اللبناني الحلمي ذروته في الحقبة الأخيرة الأشد سواداً من الحروب الملبننة في ثمانينات القرن العشرين. آنذاك كانت تصدح وسط شارع الحمرا في بيروت أصوات زجالي ملاحم ثارات التهجير والتدمير والدم، المسجلة على أشرطة كاسيت يبيعها على عرباتهم مهجرو الحروب والبلدات المحترقة.
كانت بيروت الثمانينات محطة مزدهرة من محطات شبكات التهريب السرية، للبنانيين وفلسطينيين وسوريين وعراقيين وكرد، إلى أوروبا. وقد يكون الشتات الفلسطيني المزمن، الذي جمعت الحروب الملبننة جماعات كبرى، عسكرية وأهلية منه في لبنان، الأقوى نزفاً على دروب الهروب والنزوح في الثمانينات والتسعينات. وهي السنوات التي بلغ فيها النزف اللبناني المسيحي ايضاً ذروته في الهجرة نحو أوروبا وأميركا. لكن سكك ووسائط  الهجرة المسيحية كانت ميسّرة وشرعية في الغالب الأعم. وتركز الوباء اللبناني آنذاك في إرادة الحصول على جنسيات أوروبية وأميركية وكندية وأسترالية لادّخارها لأيام الحشر والملمّات السود الآتية. هذا فيما كانت الهجرات الدرزية اللبنانية مزمنة وصامتة في موجاتها، وخصوصاً عند منعطفات الحرب. شأنها في ذلك شأن الهجرات السّنية من المدن والأرياف. أما موجات الهجرة والهروب الشيعية اللبنانية فكانت الأحدث زمناً، والأشد صخباً في غمرة حروب الثمانينات مع ظهور «حزب الله» وبروزه السري المسلح في المجتمع الشيعي عقب اجتياح الجيش الاسرائيلي لبنان وصولاً إلى بيروت في صيف 1982. ووحدها الهجرات الشيعية اللبنانية في الثمانينات نجمت عنها مخيمات لجوء صغيرة في المانيا وسويسرا. لكن سلطات البلدين لم تلبث أن اقفلت تلك المخيمات، وأعادت إلى لبنان، غداة توقف الحرب فيه، اولئك اللاجئين العاطلين عن العمل والمتعيشين على إعالة اللجوء. وقد شكلت بعض بؤر الهجرات الشيعية تلك، في اوروبا وافريقيا، شبكات استعملها «حزب الله» لاحقاً رؤوس جسور لمنظماته وأعماله السرية خارج لبنان.

الكارثة المشرقية

محطة الثمانينات اللبنانية للهجرات واللجوء لا تقارن بسواها من المحطات الكارثية اللاحقة. فالعشرية الجزائرية السوداء في التسعينات، وقبلها الحروب العراقية الصدامية في الثمانينات والتسعينات أيضا، وغزوة «القاعدة» في نيويورك وواشنطن 11 ايالول 2001، وغزو أميركا افغانستان، ثم العراق بعد حصاره وتجويعه المديدين؛ ان ذلك كله شكّل في تلاحقه السريع منعطفاً عالمياً كبيراً في مسار الهجرات، وفي نظرة العالم إلى الاسلام والمسلمين، وخصوصاً في الديار العربية.
حروب مابعد التصدع الداخلي للعراق الديكتاتوري، في رعاية أميركية أولاً، وايرانية ثانياً، وهي مستمرة حتى اليوم، شرّدت ملايين العراقيين في شتات كارثي لم يتوقف. أما المحطات السورية الراهنة والبالغة ذروة الكارثة، فيقال أنها غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية. وهي الحرب التي دمرت أوروبا وحولتها أرضاً لعشرات الملايين من المشردين. لكن أوروبا ما بعد الحرب الثانية أعادت توطين اولئك المشردين في دول ـ أمم قوية ومتماسكة حملتها تجربة حربين عالميتين على التوبة عن الحرب. ذلك قبل انجاز تلك الدول حلم الاتحاد الاوروبي القاري، عقب تحرر أوروبا الوسطى والشرقية من نير السلطان الامبراطوري التوتاليتاري السوفياتي المنهار في نهاية الثمانينات من القرن العشرين.
لكن ها هي هجرات الشتات الكبير، المشرقي الآسيوي والافريقي، بعد ثورات الربيع العربي المجهض، تقضّ مضاجع أوروبا المأزومة في وحدتها اصلاً، ليشكل الشتات الكارثي الراهن هذا، ركناً بارزاً في الأزمات المتشعبة والمتناسلة للقارة العجوز.

جلسة وداعية

في جلسة وداعية لأحد مهاجري الشتات السوري في لبنان، بعد حصوله وزوجته وطفلهما على تأشيرات لجوء إلى فرنسا، تساءل أحد المودعين: لكن أين يدفن موتى الشتات السوري؟ في البحر، أجاب آخر.
لبناني في الجلسة قال: سوريا مجهولة وغامضة أخرجتها الثورة السلمية المغدورة من سبات الأبد الاسدي المديد، فترك العالم الشعب السوري كله لمذابح العصابة الأمنية الأسدية وحليفها «حزب الله» الايراني الشيعي في لبنان.
هكذا صار شعب سوربا شعب الشتات والموت على دروب الحلم الأوروبي، لتزداد شمس «الحرس الثوري» الايراني زهواً وسطوعاً على خرائب المشرق.

محمد أبي سمرا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية