نوادر الاثنوغرافيا بين أعاجم الهمجية وأعرابها

من أبرز سمات الظاهرة «الجهادية» منذ الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979 – مرورا بالحروب الأهلية على «الطواغيت» في التسعينيات و»غزوة» نيويورك مطلع القرن – أن معظم مجنديها هم من الشبان العرب الذين يقاتلون في سبيل قضايا قد تجوز المجادلة في ما إن كانت محقة أم غير محقة، عادلة أم باطلة، ولكن لا وجه للجدال في أنها لا يمكن بأي حال أن تنعت بأنها قضايا عربية. وحتى لو افترض جدلا بأنها قضايا «إسلامية»، خصوصا بقدر ما يتعلق الأمر بمقاومة الاحتلال الروسي في أفغانستان والشيشان على سبيل المثال، فإن ذلك لا يغير شيئا من حقيقة كونها قضايا لا تهم الأمن القومي العربي.
ولم تشهد الظاهرة «الجهادية» حتى الآن أيا من حالات الاتجاه العكسي، أي حالات انخراط شبان مسلمين في القتال من أجل قضايا عربية. ولم يأت الاستثناء الوحيد الحاصل الآن في «العراق وبلاد الشام» إلا ليؤكد القاعدة، إذ أن الشبان المسلمين الأوروبيين المتحدرين من أصول آسيوية وإفريقية لا يقاتلون هناك في سبيل قضية عربية، وإنما في سبيل قضية عالمية أو «أممية». هذا من حيث الشكل. أما من حيث الجوهر، فإنهم ما «هاجروا» من «جاهلية» الأمر الواقع في المجتمعات الأوروبية وما «خرجوا» إلا في سبيل القضية «الخلاصية» (بالمعنى المعروف في الثقافة المسيحية) الخاتمة لمصير الإنسانية جمعاء بمسك الطهر والصلاح. قضية «مقضيّة» لا دخل فيها لأحد، كأن القتلة والضحايا يسيرون فيها نياما. قضية مسطورة مقدورة تستوجب «حرب الجميع على الجميع»، نكوصا إلى «حال الطبيعة» في تعريفها الهوبزي الشهير. بل هي شر من حرب هوبز التي تكون فيها حياة المرء «ذميمة، بهيمية وقصيرة». إنها أسوأ وأفظع لأنها حرب الايديولوجيا على الحياة. حرب الضالين على الرشد الإنساني. حرب على «كل شىء حي».
ماذا أنتج هذا الاستثناء حتى الآن؟ أولا، أن الجهاديين الأوروبيين هم الذين يتولون إدارة الجانب التكنولوجي من المعركة الإعلامية وتأثيث «الخطاب العالمي» بلوازم التأثير البصري وأصول البيان الإنكليزي. ثانيا، أن بعضهم «متميز» في التذبيح والتحريق وغير ذلك من ظلمات العتو الإجرامي.
أما ما يدعو إلى الضحك من فرط البكاء (لا العكس) فهو اكتشاف أن افتراض تساوي العرب وغير العرب في ضلالات الممارسات الخوارجية باعتبار أن الهمجية في «دولة الخلافة» الهولاكية هي طبيعة الجميع وثقافة الجميع إنما هو افتراض لا أساس له من الصحة رغم بداهته الظاهرة. فقد تبين الآن أن العرب مقصرون عن بلوغ درجة المساواة مع الآخرين هناك. أي أنهم «أعراب» متخلفون، وبالتالي فهم محتقرون، حتى في نظام الهمجية وهمجية النظام. ذلك أن عمر حسين المكنّى بـ»أبي سعيد البريطاني» (وهو إنكليزي من أصل آسيوي كان يعمل حارسا في متجر في إحدى ضواحي لندن قبل أن يقرر الذهاب للقتال في سوريا) قد كتب أخيرا في مدونته يشكو سوء طباع العرب وغلظتهم وفظاظتهم.
يبدأ الرجل بمسألة المعاملات مع الإدارة، فيلاحظ أن العرب «لا يقفون في طوابير انتظار في إداراتهم. إذ قد يحدث لك أن تقف تنتظر دورك نصف ساعة، فيأتي أحد العرب ويتخطى الجميع ويدخل رأسا». وفي مسألة عادات المأكل، يقول «إن إخوتنا العرب، والسوريين منهم بالتحديد، يفتقرون إلى آداب الطعام». ويروي أنه تولى مرة مهمة توزيع الطعام، فإذا بجميع من في الغرفة يهجم عليه يريد الأكل فورا. ولهذا قرر أن يعاملهم «معاملة أطفال المدارس الابتدائية» ويرفض إطعامهم «حتى يجلس كل في مقعده».
ومن العادات الأخرى التي علق عليها الحارس – الذي تحول، بمشيئة نكتة سوداء في سياق عبثي، باحثا اثنوغرافيا مقيما بين القبائل البدائية! – عادة «سرقة الأحذية» في المساجد. وهي، بالمناسبة، عادة منتشرة في بعض البلاد العربية، حتى أني أذكر أن الشيخ عبد الحميد كشك عليه رحمة الله علق عليها في إحدى خطبه! يقول الرجل: «من المتعارف عليه في الغرب أن يخرج المرء من الغرفة بنفس زوج الحذاء الذي دخل به (..) أما هنا في الشام، فإن إخوتنا السوريين يعتقدون أن لكل أحد أن يتقاسم مع الآخرين أحذيتهم». كما يشكو مر الشكوى من «تعاملات العرب وسلوكياتهم الصبيانية» التي تشمل الحديث بصوت عال، وأن «ينزع أحدهم موبايلك من الشاحن لوضع موبايله هو»، وأن يفتح حقيبتك و»يقلّب في أمتعتك الشخصية من دون استئذان».

٭ كاتب من تونس

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية