نوبل يلتقي فرانكشتاين في تونس

قرار مفاجئ أعلنه قائد اركان الجيش في تونس قبل أكثر من عامين، واختلف التونسيون في تفسيره. ما قاله العسكري الغامض الذي نسجت حول شخصيته الأساطير واطلقت عليه مجلة «جون افريك» شهورا قليلة بعد هروب الرئيس المخلوع لقب»الجنرال الذي قال لا لابن علي»، هو انه اختار بمحض ارادته ترك الخدمة لتقدمه في السن.
لكن حديثه المبهم والمليء بالالغاز في برنامج حواري مباشر، بث على محطة تلفزيونية خاصة، زاد من حيرة الطبقة السياسية والشارع، وأجج تساؤلات حادة عما اذا كان الرجل من خلال ذلك الاعلان الاستعراضي المباغت بصدد الاستعداد لنزع بدلته العسكرية الثقيلة، التي لم تعد تليق بمتطلبات المرحلة الجديدة واستبدالها ببدلة مدنية انيقة اكثر سحرا وجاذبية، تجعله يدخل قصر قرطاج من بوابة الديمقراطية وصناديق الاقتراع، لا فوق ظهر دبابة مثلما كانت تدل على ذلك التحليلات والمؤشرات؟ التجربة والوقت وحدهما قدما الجواب القاطع والحاسم عن كل تلك الشكوك والهواجس، وهو ألا شيء من ذلك السيناريو كان قريبا من الواقع او حتى قابلا للتطبيق.
لقد غابت صورة الرجل بمجرد استلام خلفه للمنصب، وتوارى شيئا فشيئاعن المشهد العام قبيل الانتخابات، ثم تواصل الامر بعدها أيضا. لكن الجنرال رشيد عمار الذي أمضى أصعب السنوات في قيادة الجيش، خلال الأعوام الاخيرة من حكم بن علي، ثم الأولى التي تلت هروبه، صدم خبراء الاستراتيجية والمحللين العسكريين، حين صرح في البرنامج التلفزيوني ذاته الذي اختار أن يعلن من خلاله ترك الخدمة، بأن من حمى تونس وجنبها الفوضى والدمار لم يكن حياد جيشها وحرفيته وجهوزيته العالية، مثلما توقع البعض أن يقول، بل فقط بركة ورعاية اولياء الله الصالحين للبلد.
كانت تلك النبرة الإيمانية البسيطة والبعيدة عن المنطق العسكري الصارم والجاف اكثر التفسيرات غرابة وسريالية لما اصبح معروفا بالاستثناء التونسي. «إنها أرض حارة» قالها الجنرال المتخلي، مضيفا امام دهشة المحاور والجمهور، «خذوني على حد عقلي ففي هذه الارض هناك اولياء الله الصالحون، ولتقولوا إن معتقدات الجنرال قديمة». وبالطبع لم يصدق الكثيرون ما سمعته آذانهم من أن السبب الوحيد الذي منع خمسة عشر ألف مرتزق زج بهم نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي إلى الحدود في الساعات القليلة التي تلت هروب بن علي لغرض الانقضاض على ثورة تونس واخمادها، كان فقط نزول بركة الاولياء الصالحين من السماء ووقوفها في اللحظة المناسبة سدا منيعا أمام مخططات العقيد الراحل وباقي المتربصين والمناوئين. فقد اعتادوا على امتداد السنوات الخمس الاخيرة على تفسيرات اخرى اكثر واقعية، وحتى اوسع خيالا لسر صمود تونس وعدم انجرارها إلى مستنقع العنف والفوضى، الذي سقط فيه آخرون، وانحصرت غالبا، أما في يقظة الشعب ووعيه الزائد، مثلما كان يردد الثوريون بفخر وزهو، أو في دعم واسناد قوى خارجية ارادت صنع نموذج والنفخ في صورته، لأجل تسويقه واستنساخه في مراحل موالية في دول اخرى، مثلما ظل يكرر المتحمسون لفكرة الشتاء العربي والمقتنعون بأن ما جرى في تونس وغيرها لم يكن سوى خدعة بصرية ومؤامرة استعمارية شريرة هدفت لإعادة تركيب الخريطة الاقليمية ورسمها.
لكن الجنرال الذي عرف بصمته وابتعاده عن صخب الاضواء وجلبتها، لم يكن يعلم انه بعد مضي شهر واحد فقط على انسحابه من قيادة الجيش سوف يترك تونس في مفترق صعب وحساس، قد لا يقل خطورة واهمية عما عاشته في شهورها الاولى بدون بن علي، بفعل الرجة التي احدثها الاغتيال السياسي الثاني في ظرف عام واحد. ومثلما حصل في اعقاب الاغتيال الاول لبلعيد كان الهدف المعلن لقوى المعارضة بعد اغتيال البراهمي هو اسقاط الحكومة وكامل المؤسسات التي ولدت بعد اول انتخابات حرة في البلد، والاهم من كل ذلك طرد حركة النهضة الاسلامية من السلطة، وإعادتها إلى مربع التسعينيات البائس، أي السجون والملاحقات والتشريد. أما مصدر الإلهام فكان جاهزا وموجودا، مثلما كان الابهار الهليوودي الذي صور الملايين وهي تكتسح ساحات وشوارع القاهرة لمطالبة مرسي بالرحيل، محركا اضافيا لتكرار التجربة واستنساخها على الفور.
لكن الفارق بالمقابل كان شاسعا فخلافا لمصر، لم يكن الجيش التونسي دولة داخل الدولة، بل فقط جيشا كلاسيكيا محدود العدد والعتاد، بعــــيدا عن الانغماس في شؤون الحكم ولم تستطع قوى المعارضة، رغم تأثيرها الكبير على وسائل الإعلام المحلية أن تكسب معركة الشارع وتجيـــش اعدادا قياسية ضخمة من الناس للخروج في مظاهرات مليونية ضد ائتلاف الترويكا. ما حصل بعد ذلك هو أن حركة النهضة وهي النواة الصلبة للائتلاف الحاكم، وجدت نفسها امام خيارين أحلاهما مر، وهما إما التمسك بالشرعية للآخر وعدم الرضوخ لدعوات الرحيل والانسحاب من السلطة أو القبول بحل وسط يجنب البلاد كارثة دموية وإنسانية شبيهة بتلك التي حلت بمصر.
ومثل كل القرارات المهمة والمصيرية لم يكن الحسم بسيطا او سهلا، وفضل الاسلاميون في الاخير ولعدة اعتبارات داخلية وخارجية مرارة الانسحاب الطوعي من الحكم، على ألم البقاء الدموي في السلطة. هل كانت تلك بركة اولياء الله الصالحين التي تحدث عنهم الجنرال، ام حكمة وتبصر قادة وزعماء مثل الشيخ راشد الغنوشي والرئيس الباجي قائد السبسي، اللذين قبلا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات بعد لقاء كسر الجليد في باريس؟
بعد مضي عامين جاءت الإشارة الدولية الاقوى والاكثر دلالة من المشرفين على ارفع واشهر الجوائز العالمية، بأن تدبير الرباعي الذي ادار جلسات الحوار الوطني التي انتهت بتسليم السلطة وكتابة الدستور وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية أواخر العام الماضي، هو سر نجاح التجربة التونسية ومبعث اعجاب نوبل بها. لكن المفارقة هنا هي انه قبل ايام قليلة فقط من هبوط الملاك نوبل على ارض تونس، كان شبح فرانكشتاين يخيم على سمائها، بعد تلاحق سلسلة غريبة ومبهمة من الاحداث، بدأت بما وصف بهروب اعلامي شهير إلى سويسرا وادعائه أن حياته معرضة للخطر بسبب امتلاكه معلومات حول حقيقة الاغتيالات السياسية التي هزت البلد، ثم اعلان وزير في حكومة الصيد عن استقالته لانه وجد نفسه «كمن يصيح في الربع الخالي، أو يجدف في بحيرة لا ماء فيها، في حكومة قيل إن أيديها مرتعشة»، وهو يقول» إنه لا ايادي لها اصلا لترتعش»، مثلما اضاف في نص رسالة استقالته التي نشرتها الصحف المحلية وانتهت تلك السلسلة بالاعلان عن نجاة نائب في البرلمان من محاولة اغتيال خرج منها كالشعرة من العجين، رغم أن المهاجم او المهاجمين أطلقوا نحوه ثلاثين رصاصة بالتمام والكمال. هل كانت زيارة نوبل لتونس فرصة لإنقاذها من براثن فرانكشتاين الذي ملأ قلوب التونسيين رعبا وجعلهم يعيشون رغما عنهم في دوامة صراعات مراكز النفوذ التي لا تنتهي؟
الافتراض الطبيعي والمنطقي يقول ذلك، ولكن الواقع يثبت العكس فبمجرد الاعلان عن قدوم نوبل بدأ القادة الذين لم يخوضوا حربا واحدة في حياتهم غير حرب النفوذ والمصالح، في نسبة الانتصار الكوني الساحق لمواهبهم، وحرصهم البالغ على الوفاق، وهم الذين كانوا ساعات فقط قبل إخطار نوبل بالوصول منغمسين للآخر في صراعات قوة كادت تلقي بهم وببلدهم في هاوية سحيقة بلا قرار، وكانت سببا قويا لجعل تونس تقف اليوم على باب الإفلاس والشلل الاقتصادي الكامل. وربما لاجل ذلك الواقع الكئيب لم يكن هناك اي مظهر للفرحة او الاحتفال في الشارع التونسي بنوبل بعد أن بقي التوجس والقلق عالقان بالاذهان واستمر الاعتقاد سائدا بان ملاك السلام الذي حط بشكل عابر ومفاجئ سوف يغادر في القريب بالسرعة ذاتها.
ما بقي بعد ذلك هو موعد مغادرة فرانكشتاين نهائيا وبدون رجعة للبلد. وهو موعد لا يراه الكثيرون قريبا رغم أن المتفائلين يقولون مثلما قال الجنرال السابق إن» ارض تونس حارة» ويضيفون ايضا انها تظل مفتوحة دائما على جميع المفاجآت والاحتمالات حتى الاكثر جنونا وغرابة.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية