تأخذنا قصائد نوري الجراح إلى خطوطٍ ساخنةٍ، وإلى ما يشبه (الصدمة اللغوية) تلك التي تسبغُ على اللغةِ وهجاً ومفارقةً، وتفتحُ للقراءةِ شهيةَ الكشفِ والبحث والاحتجاج، وكأن ما يقترحه من صورٍ وأفكارٍ ويافطاتٍ تُحفّزنا على الانخراط في (شعرية) لها مزاجٌ تداولي سريع التفجّر، إذ هي إفصاحٌ فاضحٌ عن المعنى، ومجاهرة بفكرة (الوعي الشقي).
الشاعر هنا يدسّ القصيدة في تلك الفكرة، ويجعل من وضوحها لعبة في وضوح الوعي ذاته، فالقصيدة تنفرُ عن أقنعتها، وتمارس عريها الواقعي، وكأنها لعبة في العري الطقوسي واليومي في أن، أو بوحٌ يستدعي استعارة الغائب لرؤية الحاضر، يدسّ كلَ شيءٍ فيها، حزنه، خيبته، حُلمه، شواظ روحه، قلقه، أسئلته.. القصيدةُ المدسوسةُ، هي قصيدةُ إشهارهِ الوجودي، وهي موقفُهُ من عالمٍ تخلّى عن الأمان، وصار نوعا من الحلول الصوفي في المحو، والسهو عن الحياة، حدّ أنه يجعلها وكأنها ملحمتُهُ الشخصية، ملحمةُ البطل الذي يعود من أوديساته ليرى خيانة الآخرين، مثلما يرى من ينتظره بشغفٍ.. ما بين تلك النقائض، يكتبُ الشاعرُ الجرّاح سيرةّ الوجعِ في كتابه الشعري الجديد «قاربٌ إلى لسْبُوسْ.. مَرثِيَّةُ بَنَاتِ نعش» الصادر عن منشورات دار المتوسط/2016 يترسمُ لحظاتِه، يتقصى سرائرَه، ويكتب أناشيدَه، وكأن قاربَهُ المثيولوجي، القارب العالق في أمكنة أديسيوس وفي أناشيد سافو، هو القاربِ الواقعي ذاته التائه، قاربُ الموتِ الذاهب إلى جزيرة لسبوس بحثا عن الوجود والحرية والمعنى، إذ يحمل معه روح البلاد، والبنين والصبايا.
«يا لسُورِيَّةَ التَّائِهَةَ كَنَشِيدٍ مَزَّقَتْهُ عَصْفَةُ هَوَاءٍ/ يَا لبَنِيهَا فِي سَمَرٍ،/ يَا لعَطَشِ الصَّبايَا، يَا لَألَمِ الصَّوتِ،/ وَيَا لنَشِيدِيَ/ لَا/ نِهَايةَ/ لَهُ
قصائدُ الكتابِ الشعري ليستْ محاولةً في كتابةِ نص الاستعادة، بقدر اقترابها من أناشيد المواجهة، فما بين القصيدة والنشيد ثمة رؤية، وثمة موقف، وثمة قراءة، إذ يعي الشاعر أن وظيفته لم تعد في تلاوة النشيد عند الإبحار الفيزيقي، بل في رؤيا الكشف، وفي تحفيز المكان على ما هو ضدي، حيث يكتسب المكان شغفا (باشلاريا) فيه من الحنين والحزن، بقدر ما فيه من الخلاص، وحيث تتحولُ سورية/ المدن إلى سوريا الحضور الضد، النافرِ عن التغريبِ، والعالقِ مثل إحساسٍ خفيٍ بالخلاص..
الكتابةُ تتجوهرُ هنا، بوصفها القوةَ التي تنسجُ روحَ المكان السوري، وتضعُ الكائنَ أمام لعبةٍ غرائبيةٍ للوصف، إذ يشتبك فيها الميثولوجي مع الواقعي، والسحري مع التاريخي، وإذ تتبدى عبر رؤية الشاعر وهو يمارسُ طقوسَهُ في الاحتجاج والرفض، ولأنسنة ما يراه في المشهد الدامي، مشهدِ الموت الصاخب والهجرات الساحرة، مشهدِ المصائرِ المباحةِ للتوحش و(الموت العلني) وللجغرافيا التي تفقدُ أطلسَها، وتتوه أمام أسفارٍ للموتى الأحياء، والحالمين ببحارٍ غير صالحة للغرق، وبمدنٍ تتسع للذة والشوق، وبأسوارٍ لا تضيق بالعابرين إليها.
كَمَا تُولَدُ عَرَائِسُ البَحْرِ تُولَدُ الحَسْنَاواتُ السُّورِيَاتُ، فِي
ضَوءٍ رَاجِفٍ ويَطَأنَ بِرَاحَاتِ أَقْدَامِهِنَّ الرَّخْصَةِ المُجَرَّحَةِ
حَصَى لِسْبُوسْ وَرَمْلِهَا الرَّمَادِي.
انْزِلْنَ مِنْ فَاكِهَةِ الشَّامِ
إِلَى حِجَارَةِ الأَلمْ.
أيُّهَا السُّورِيِّوُنَ، الاَشِقْاءَ، السُّورِيِّوُنَ المُتَدَافِعُونَ مَعَ الْمَوجِ،
السُّورِيِّوُنَ المَقْتُولُونَ فِي الضِّفَافِ، المَحْمُومُونَ المُتَلَهِّفُون
عَلَى السَّواحِلِ المُعْتِمَةِ بِوُجُوهٍ صَبِيحَةٍ، هُنَا، فِي لِسْبُوس
الَّتِي طَالَمَا أَبْكَتْهَا طُرْوَادَةُ.
تَعَالُوا لَقَبِّلَ خُدُودَكُمُ المُتَوَرِّدَةَ مِنَ الْجَزَعْ..
تنزع قصائدُ نوري الجراح نحو البناء الملحم، لاصطناع بطولة كائنه الشعري، وللتعرّف على سيرورة وجوده، فهو لا يملكُ وسطَ الفاجعةِ إلّا المواجهة والبحثِ عن خياراتٍ ينحازُ فيها إلى حريتِه وإنسانيته، وإذا كانت ثنائية (الصوت واللوح) قد اكتنفت أغلب هذه القصائد، فإنه استطاع توظيفها تعبيرا عما يشغله من هواجس، إذ تتمثلُ مدونات ملحمته، وفكرةٍ ما تستغرقه، مثلما تذهب به بعيدا إلى وضوح قاسٍ، وضوح تتزاوج فيه الوثيقة/ الواقعة مع المخيال الشعري واستعاراته، فالقصائد تبدو وكأنها تتمةٌ لما كتبه في كتابه الشعري السابق «يأس نوح» الصادر عام 2014 حيث أناشيد الشاعر وأسفاره وهو يتلو مراثي الفاجعة، أو هو يستعيد شيفرات أساطيره لتكون شاهدا على أساطيره الوطنية، وأنّ سفائن نوح النبي تستعيد سفائن/ قوارب الموت التائهة بلا هديٍ بعيدا عن بنات نعشه.
لعبةُ المقاربات الشعرية في هذا الكتاب تتكئ على مفارقاتِ الواقع، وعلى أن يقترح لها الشاعر عبر نثريته الدافقة، مستوياتٍ تصويرية تقوم على ما يشبه بناء السيناريو السينمائي، حيث اللقطات تترى، وحيث السينوغرافيا تتحرك وفق مشهدية عالية الدقة – البحر، القوارب، الألواح الإغريقية مع الوجوه المفجوعة بالقلق، أصوات سافو الأسطورية مع ذاكرة المدينة وأبوابها المهشّمة، الشاطئ مع حافة العالم).
كلّ هذه المشهدية المُحتدمة، والمُشتبكة تُفضي إلى مقاربة أطلس المكان، مع أطلس الرؤية، إذ لا يجد الشاعر سواها، فهو يستعيد عبر(ألواحها وأصواتها) تفاصيله الغائبة، تفاصيل الأمكنة المسافرة، والأرواح التائهة، فلا بنات نعشٍ يأمّنها، ولا العابرين يصلون، ولا الأمهات يمسكنَّ الاولادَ الغائرين في الموج.
قصائدُ تستغرقها ملحمةُ الوجع، وتكشف عما يُغني المشهدية بلغة تعبيرية تتسع كلما اتسعت الرؤية، وكلما أخذنا الشاعر إلى التفاصيل، وإلى اليوميات المشبوبة بأساطير يومية لكنها باهرة في وصفيتها، وفي اكتناه ما تحمله من رمزية مفتوحة على الميثولوجيا، وعلى (الواقع لوجيا) فكلاهما ينطلقان بدءا من لعبة الرؤية، وباتجاه الاستغراق في رصد العالم، المدن، الهجرات، شهوة الموت التي لا تضيق أبدا..
رأيت البَرقَ شَرقيَا
ولاحَ فِي لُمَحٍ
وكانَ غَربِيَا
رأيتُ الشَّمسَ فِي دَمِهَا
مَبلْوُلةً
والبَحْرَ مُضْطَرِباً
والَمسَ مَنْهُوبَاً مِنَ الكُتُب..
نص الرؤية، هو النصر الغائر، والنص المُفضي إلى تبيان ما تحمله تلك القصائد من دلالات، وإلى الحضور الصاخب في أسئلة ما تُحيل إليه، فلا مناص من إثارة تلك الاسئلة، بوصفها المجسّات، أو بوصفها المُعادل الدرامي للتعرّف على فكرة الصراع، وعلى ما تستغوره بنائية أغلب القصائد، أو بوصفها المعادل التصويري للوقائع السورية، في حضورها وغيابها، في حيواتها ومواتها، في متنها وهامشيتها، في أساطيرها، وأسفارها، وهذا كله يضعنا أمام قصيدة طويلة تتكرر وحداتها، ومستوياتها التصويرية، فهي قصيدة وعي الشاعر الظاهراتي وهو يلامس الحياة عبر أحداثها المرعبة، وعبر ما تستغرقه اللغة ونثريتها، إذ تحفر عميقا في شيفرات الاستعارة وفي مجازاتها الشغوفة بالبحث عن المعنى..
(كَيْفَ، يَا طِفْلِيَ الصَّغِيرَ، لَمْ تَصِلْ إلى حُضْنِيَ، كَيْفَ رَدَّتكَ
المَوجةُ عَنِّيَ وتَرَكَتْكَ هُنَاكَ عَلَى شَاطِئِ إِزْمِيرَ؛ مَلَكَاً بِلَ
جَنَاحَينِ.
أَجْوَدُ الْخَمْرِ حَمَلْنَاهُ مِنَ الَلاذقِيَّةِ فِي زِقَاقٍ؛ أَجْوَدُ الخَمْرِ؛
عِنَبٌ فِي قَوارِبِ الْقَبَارِصَةِ، عَلَى أَكْتَافِ بَحَّارةٍ مِنْ كَرِيتْ.
عِنَبُ الشَّامِ، مِنْ دَاريَّا، ودُوُمَا وَوَادِيَ الشَّآميَاتِ عَلَى أَيدِيهِنَّ
أَدْهَانٌ طَيِّبَةٌ.
أَرْسَلْتُ شَقِيقَاتِيَ الْجَارَاتِ يَحْمِلْنَ المَاءَ، ذَهَبْنَ بِالمَاءِ الْعَذْبِ
إِلَى الشَّاطِئِ، وَرَجَعْنَ بِصَبِيٍّ قُلْنَ إِنَّهُ نَائِمٌ، وَلَمَّا مَدَدْنَهُ فِي
المِلَءَةِ، رَأَيْنَاهُ بِلَ وَجْهٍ.
فِي الفَجْرِ قَلَّبَتْنِيَ أَفْكَارٌ كَانَتْ ضَوْءَاً أَخْضَرَ وَضَوْءَاً أَزْرَقَ؛
مَوجَاتٌ بَارِدَةٌ حَمَلَتْ غَنَائِمَ وأَسْلَباً لِبَحَّارَةٍ وَمُسَافِرِينَ غَرِقُوا
فِي بَحْرٍ بَعِيد)
٭ ناقد عراقي
علي حسن الفواز