«الغنائية» هي التعريب الذي أفضّله على «سونيت» ترجمة sonnet. والغنائية هي قصيدة قصيرة نُظمت للغناء أساساً، وأهم موضوعاتها: الحب. وهذه الصيغة تأتي قياساً على «حواريّة» وهي القصيدة التي تقوم على الحوار، ومثل «جدارية» وهي الصورة أو المنحوتة التي تُقام على جدار، ومثل «بكائية» وهي القصيدة التي موضوعها البكاء، مثل «بكائية لشمس حزيران» قصيدة البياتي. وأصل الكلمة في الإنكليزية وبعض اللغات الأوروبية يعود إلى الإيطالية sonetto المشتقة من الجذر اللاتيني son وتعني «صوت». وفي تراثنا العربي يذكر الجاحظ في كتاب «القيان» أن «القَينة البارعة قد تؤدي ما يقارب أربعة آلاف صوت» لذا فالصوت هو أغنية، ومثله son اللاتينية التي أعطتنا «سونيت».
أول من وضع الكلمة لتفيد هذا المعنى هو الشاعر الإيطالي بتراركا (1304 ـ 74) وهو من عشيرة «الأسلوب العذب الجديد» من الشعراء الذين كرّسهم دانته (1265 ـ 1321). فقد كتب صاحب «الكوميديا الإلهية» (1308 ـ 1320) عدداً من غنائيات الحب، جمعها في الحياة الجديدة، أولى اصداراته، متغزلاً بالفتاة بياتريجه وهو في التاسعة من العمر، وبقي على حبّها الغائب، حتى بعد وفاتها. يقول دانته إن الشعر الإيطالي ولد في صقليا، متطوراً عن شعر التروبادور باللغة الأوكسيتانية في الجنوب الفرنسي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وقد تفرّق الشعراء التروبادور بعد الحملة الالبيجية التي قادها البابا إنوسنت الثالث عام 1209 ليقضي على حضارة الجنوب الفرنسي «الوثني» فاستقرّ معظمهم في صقليا حيث كان ملكها فريدريك الثاني (1194 ـ 1250) شاعراً يرعى الشعراء، ويفهم اللغة الأوكسيتانية مثل أهل صقليا والجنوب الإيطالي، وكان من ذلك أن انتعش الشعر بهذه اللغة «العامية» أولى عاميات اللاتينية، قبل أن ينشر دانته كتابه فصاحة العامية، وهي عامية اللاتينية، التي أصبحت اللغة الإيطالية. إن الدراسة المنصفة تبيّن أن الجدّ الأعلى للغنائية الإيطالية هو الموشح والزجل في الأندلس، الذي أورث التروبادور شعراً بعامية لاتينية، بلغة «بروﭭنس» و«أوك» وهي البروفنسية والأوكسيتانية. إذا كان الموشح تحرّراً من القوالب الشعرية العربية التراثية، فإن الزجل تحرّر أبعد في القالب وفي عامية قرطبة في القرن الثاني عشر، وكلاهما أورثا شعراء التروبادور قوالبهم المتحررة من القوالب اللاتينية التراثية، ومن اللغة التراثية، مثلما كان الموشح والزجل تحرّراً في القوالب، واستعمال بعض العامية في «خرجة» الموشح، ثم الإنطلاق الحرّ إلى العامية في الزجل، وهو ما نجد مثيله في شـعـــر الـــتـــروبادور اللاحق على الـــتراث الأندلـــسي والسابق لظهور الغنائيات بالإيطالية، تطويراً عن شعر التروبادور بالأوكسيتانية.
نشر بتراركا مجموعة من قصائد الحب بنظام «سونيتو» بعنوان غنائيات canzione. وقد نقلها شعراء عصر الانبعاث (النهضة) الإنكليز إلى الإنكليزية، منهم سيرتوماس وايات (1503 ـ 1542) وإيرل أوف سري (1517 ـ 1547) ثم تبع هذا النمط سير فيليب سدني (1554 ـ 1586) في متوالية غنائية بعنوان أستروفيل وستيلا، أي «الكوكب العاشق والنجمة».
ثم ظهر شكسبير (1564 ـ 1616) الذي اعجبه هذا النمط في كتابه «شعر الحب» وكان شكسبير يحسب نفسه شاعراً بالدرجة الأولى، قبل ان يكون مسرحياً ترك لنا 38 مسرحية، بعضها بالاشتراك مع غيره، كما كان مألوفاً في أيامه. نظام الغنائية الإيطالي، منذ أن وضعه جياكومو دا لينتيني من شعراء بلاط صقليا، يقوم على 14 بيتا، تنقسم إلى ثُمانية وسُداسية، قوافيها ا ـ ب تتكرر أربع مرات، وسُداسية قوافيها ج ـ د تتكرر ثلاث مرات. مثل شعر التروبادور كان الإحتفاء بالحب الدنيوي، والمرأة الدنيوية بدلاً من مريم العذراء «وردة العالم». لكننا نجد دا لينتيني يخطو خطوات أبعد بكثير، وهو في رحاب العالم الكاثوليكي القروسطي. يقول إنه يريد أن يخدم الله لكي يذهب إلى الفردوس «الذي سمِع عنه أنه مكان فيه تسلية ولعب وفرح» لكنه لا يريد الذهاب إلى هناك من دون حبيبته، فمن دونها لن يكون ثمة فرح حتى في الفردوس!
كتب شكسبير 154 غنائية جميعها عن الحب. لكنه طور في نظامها، فبدلاً من ثمانية وسداسية، جعلها ثلاث رباعيات ومزدوجة للختام، قوانينها: ا ـ ب ـ ا ـ ب، ج ـ د ـ ج ـ د، هـ ـ و ـ هـ ـ و، ز ـ ز ـ . في كل رباعية صورة أو فكرة من الموضوع الرئيس: الحب، أو وصف الطبيعة… لكن مزدوجة الختام تكون خلاصة لما سبق في الرباعيات الثلاث، أو حكمة، أو طرفة تتصل بما سبق. ومزدوجة الختام هذه تذكير شديد بالخرجة في الموشح الأندلسي، شكلاً ومعنى.
تنقسم الغنائيات المئة والأربع والخمسين إلى ثلاثة أقسام: الأول يشمل الغنائيات 1 ـ 17 وفيها يحث الشاعر «حبيبه» الوسيم أن يتزوج، وهو العازف عن الزواج، لأننا: «من أجمل المخلوقات نبتغي المزيد/فبذلك لا تغيبُ وردةُ الجمال أبداً/ولكن لأن الأينعَ لا بُد أن يصوّح بمرور الزمن/فإن وريثهُ يديم ذكراه». هذه النغمة تستمر على امتداد هذا القسم الأول من الغنائيات. والقسم الثاني يشمل الغنائيات 18 ـ 126، وتدور جميعها عن الحب وجمال المحبوب. أما القسم الثالث فهو يشمل الغنائيات 127 ـ 152، التي تتحدث عن «الخليلة السمراء» التي شغلت الباحثين في الاستفسار عنها، واللغة هنا شبقية، قد يجد بعض الباحثين فيها نزقاً من الشاعر في اهتمامه بالجنس، لأن هذه الغنائيات لا تتحدث عن الحب بمعناه الراقي، مثلما نجد في القسم الأول. وقد يرى بعض الباحثين في هذا القسم تعبيراً عن كراهية المرأة، وهو نوع من «تخبيص» باحثين مهووسين بالجنس. أما W.H الذي أهديت إليه الغنائيات، فقد خلُصت الأبحاث إلى أنه وليم هربرت الشاب الأرستقراطي الذي غدا إيرل أوف بمبروك كما تشير الغنائيات. والغنائيّتان الأخيرتان153و154 هما ترجمة عن الأغريقية، وليستا من تأليف الشاعر، ولو أنهما عن حب بالمعنى الأغريقي الأسطوري.
الجدل الأهم في موضوع «غنائيات شكسبير» هو إن كان «غزل الشاعر» بالشاب الارستقراطي الوسيم دليل ميول مثلية لدى الشاعر. الواقع أن مثل هذه الشكوك لم تظهر إلا في أواخر القرن التاسع عشر، لدى «باحثين أمريكان» بالدرجة الأولى. والسبب، في رأي الباحث المنصف أن كلمة «حب» غير واضحة المدلول في الثقافة الغربية عموماً، وفي أمريكا بخاصة، حيث يطلق الحب على العلاقة الجنسية وعلى المثلّجات معاً. كلمة «حب» في العربية، كما هو معلوم، لا تعني سوى «الحب» الذي صنّفه ابن حزم الأندلسي في ثلاثين باباً، في الأقل، ليس بينها الحب الجنسي الأوروبي ـ الأمريكي، الذي صار في شكله المِثلي، في العقود الأخيرة، دليل «حرية» و«حضارة».
ظهرت أول طبعة لمجموعة غنائيات شكسبير عام 1609 بما يُعرَف بأسم «كوارتو» أي حجم ربع الصفحة في مطابع ذلك الزمان. وبعد ثلاثين سنة، أي في عام 1639 نشر جون بنس طبعة غير مرخّصة من الغنائيات، تعتمد على النسخة الوحيدة من «الكوارتو» الأصلية، وقام بتغيير تسلسل الغنائيات وتغيير بعض الأسماء والضمائر ليوحي بأن القصائد موجهة إلى امرأة وليس إلى رجل. والحق أن مثل هذا الظن لا يُستبعد حتى في الوقت الحاضر، وبخاصة عند ترجمتها إلى العربية من دون تحريك الأسماء والصفات. والمعروف أن ليس في الإنكليزية تحريك للأسماء أو علامة تأنيث تلحق بالأسماء والصفات، كما في العربية والفرنسية مثلاً. فالغنائية 18 وهي أولى قصائد التغزّل بالمحبوب يمكن أن تُفهم على أنها موجّهة إلى شاب أو فتاة، لو قرئت وحدها خارج السياق.
وفي عام 1671نشر برنارد لنتوت طبعة تعتمد على الكوارتو كذلك وأثبت في المقدمة أنها «مئة وأربع وخمسين قصيدة جميعها في مدح خليلته». يدل هذا على أن فكرة المثلية لم تكن تخطر على بال أهل ذاك الزمان. ثم إن دراسة النص لا تدعم مثل تلك الشكوك. فالقسم الأول من 1 ـ 17 يدور حول موضوع واحد، هو تشجيع الشاب الوسيم على الزواج ليُجنبَ أولاداً بمثل وسامته، ليحسّن وجه العالم، وليس هذا مما يتساوق مع مثلية المتكلم. أما غنائيات «السمراء» التي يصفها بالسوداء «خلقاً وخُلُقاً» فهي تطفح بالإشارات الشبِقة، على الرغم من الخطر الماثل من الأمراض الزهرية التي تصيب الرجال والنساء معاً، تلك الأمراض القادمة من فرنسا ومن العالم الجديد كما تشير كتابات ذلك الزمان. كما يؤكد عدد من الباحثين المعاصرين أن ليس في لغة الغنائيات ما يثبت مثلية الشاعر. بل إن عادات الحديث في العصر الاليزابيثي لا تمانع في الأحاديث الصريحة عن المشاعر الحميمة. ويجب الا ننسى ان شكسبير كان له حسّاد كثيرون من معاصريه من الشعراء والمسرحيين الذين كانوا يتلقّطون أية مناسبة أو حدث أو إشاعة للنيل منه. فهم لم يتورّعوا عن النيل منه لأنه لم يكمل المدرسة في «ستراتفورد أو إيفن» ولم يذهب إلى الجامعة، وما كان يعرف سوى القليل من اللاتينية وأقل من ذلك من الاغريقية. فلو كان ثمة من أدنى شك حول ميول مثلية لدى الشاعر، أما كان مجايلوه وحسّاده الكثار ليتمسكوا بها ويروّجوا لها؟ مثل هذا حدث لسمعة أول شاعرة إغريقية معروفة، هي سافو التي جاء باحثون في آخر الزمان، لينسجوا أسطورة المثلية عند الشاعرة الأميرة من جزيرة «لزبوس» ويصطنعوا «اللزبيّة» اعتماداً على ما لا يزيد عن 104 جذاذة من شعرها أغلبها غير واضحة أو مخرومة، وبعضها يشير إلى انها كانت «تحب» امرأة وطلبت من افرودايته ربّة الحب أن تتوسط لها عند الحبيبة. ألا يُلقي هذا «التخبّط» بظلال أثيمة على ربة الحب نفسها؟
معاصرو سافو مثل معاصري شكسبير لم يذكروا ما يدعم تهمة الشاعرة والشاعر. فاذا كان أهل مكة أدرى بشعابها، فلماذا نسأل أهل تنجانيقا عن تلك الشِعاب؟
د. عبد الواحد لؤلؤة