نَدْعَمُكِ أيتها الفلسطينية، فقاومي!

حجم الخط
28

لم أكن يوماً من المعجـــــبات بالمغنــي الفرنســـي الشهير جوني هاليداي الذي هبط مرة من طائرة هليكوبتر متدلياً من حبل إلى المسرح ليغني أمام الآلاف في ملعب شاسع: اشعلوا النيران..
وتشتعل قلوب المعجبات والمعجبين ويصرخون هياجاً وطرباً. لديه بعض الأغاني التي أحبها لكنني صرت اليوم معجبة به، بعدما مرض بالسرطان منذ حوالي أربعة أعوام.. فهو يقوم هذا الصيف بحفلات غنائية جوالة رغم مرضه والعلاج الثقيل الذي يتلقاه..
إنه يقاوم اليأس بالعطاء وبدلاً من الارتجاف ذعراً من المرض يقوم بمقاومته صارخاً «سوف أنجو»!
والجميل أيضاً ان (منافسَين) اثنين مخضرمَيْن شهيرين تجاوزا السبعين ربيعاً مثله انضما اليه في جولته الغنائية (دعماً له) هما إيدي ميتشل وجاك دوترون.

الفنانة الفلسطينية ريم البنا: في البال

ذكّرتني أقوال جوني هاليداي ورفضه الاستسلام لمرض السرطان وإعلانه «شاهدت الموت عن قرب ولم يعجبني، ولذا قررت ان أعود» بالفنانة الفلسطينية ريم البنا التي لم تُخْفِ يوماً إصابتها بالسرطان ولا صلابتها في مواجهة المرض.. وبذلك حققت أمرين رائعين: المساهمة في تطبيع علاقات العرب مع مرض السرطان الذي لا نذكر اسمه حتى في حالات الإصابة به فندعوه ذلك «المرض»، كما رغبتها في مقاومته، وفرحت بروح المقاومة الفلسطينية في تلك الشابة الشجاعة.
أقلقني مؤخراً ان ريم البنا أعلنت خوفها من فقدانها لصوتها على نحو نهائي: «فقدان صوتي أصعب من إصابتي بالسرطان».

لو كنت مطربة لغنيت معك يا ريم

أيتها العزيزة ريم البنا.. كلنا كأدباء نفقد (صوتنا) على نحو (أبجدي) في بعض الفترات حين نمر بتجربة نفسية أليمة لا تقارن طبعاً بالتي تمرين بها.. ثم نعود إلى الكتابة. لا تقلقي تابعي المقاومة، وتذكري ان جوني هاليداي (74 سنة) ما زال مصراً على مقاومة مرضه وأنت شابة فلسطينية شجاعة، و(المقاومة) في دمك.
ميتشل ودوترون أهديا هاليداي محبة إنسانية تتجاوز المنافسات (الصغيرة) العابرة بين المطربات والمطربين..
وأتمنى في عالمنا الغنائي العربي دعماً مشابهاً للشابة ريم البنا، ولو كنت فنانة لغنيت معها ودعمتها، فقد ثبت بالدليل العلمي ان الدعم المعنوي للمريض بالسرطان يزيد في قدرة الجسد على مقاومة المرض. وأتمنى ان تسري روح محبة الآخر في عالمنا الفني العربي بدلاً من روح الشماتة والمنافسة والفرحة السرية بالتخلص من منافسة من دون ان نضطر لقتلها!..

هل تحتضر الشهامة في زماننا؟

خبر طالعته باكتئاب تحت عنوان: «إرغام راكب مُقعدٍ على الزحف للصعود إلى الطائرة في اليابان»! والخبر يتطرق إلى اللامسؤولية القانونية لشركة الطيران التي رفض الموظفون فيها مساعدته. شركة الطيران اعتذرت لتلك المحنة وأعلنت انها «اعتمدت مجدداً رافعة للمعوقين في المطار»..
كل ما تقدم دفعني للتساؤل: ألم يكن بين الركاب صبية أو مفتول عضلات يحمل هذا المعاق المقعد على سلم الطائرة أو يساعده؟.. هل نعيش عصر أنا + أنا= لا أحد يدعمني ولا أدعم أحداً؟ أم انها مصادفة كئيبة تلك التي أرغمت مقعداً للزحف 17 درجة على سلم الطائرة، والإنسانية (تزحف) درجات هبوطاً للوصول إلى اللامبالاة المطلقة بالآخر؟

حقيبة المسافر المسن وغنج المضيفة

ثمة مشهد أزعجني بصفتي «مسافرة محترفة» لا تتوب عن ركوب الطائرات ربما لأنها تحلم بطائرة تهبط بها على سطح بيت جدها العتيق في دمشق خلف الجامع الأموي كما يحدث في الأحلام.. وفي طائرة عربية إلى باريس صعد راكب مسن يجر حقيبة متوسطة الحجم وحاول رفع حقيبته إلى الأعلى في المكان المخصص لذلك ولم يستطع وطلب من المضيفة الشابة مساعدته على ذلك وقالت له حرفياً (أي أيها السيد بالفرنسية) اذا كنت انت لا تستطيع حملها لماذا تنتظر مني أن أستطيع ذلك؟
ولعلها ليست قليلة الشهامة بل تعجز عن حمل الحقيبة لسبب صحي ما.

شركات الطيران: الاقتصاد أم الإنسانية؟

المطلوب من شركات الطيران التي من حقها أن يكون همها الربح لتستمر، والتي ألغت الكثير من (رفاهيات) السفر في الدرجة الثانية المطلوب عدم الاقتصاد في مجال مساعدة المسافر على عدم الزحف على سلم الطائرة او عدم التوسل لمضيفة شابة لرفع حقيبته بل توظيف قادر على ذلك، المطلوب في جوهر الأمر جرعة من الإنسانية والشهامة والنخوة (أعرف انها كلمات شبه منقرضة لكنني اكتب للتذكير بها!)
«Les Vleilles Canailles» أي هاليداي وميتشل ودوترون الذين تجاوزوا السبعين نجحت جولتهم في فرنسا والناس في إقبال استثنائي على حفلاتهم حباً في عطائهم وأيضاً احتفاء بتعاضدهم مع جوني ضد المرض.
في المقابل، بعض مطربات عالمنا العربي يتبادلن الشتائم والإهانات.. والغيرة فماذا لو قام البعض بالغناء مع الشابة المقاومة الفلسطينية ريم البنا بدلاً من الهراء اللامجدي؟ هذا إذا أعجبتها الفكرة أولاً..

نَدْعَمُكِ أيتها الفلسطينية، فقاومي!

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية