نَعم لِلميلاد!

حجم الخط
0

غَطى السوادُ فجأة بياض ورقتِه، قبل أن يتسنى لهُ تجريبَ قلم الرصاص وعلبة أقلام ملونة، هديةَ عيد ميلاده السادس. وسط العتمة ارتبكَ وأوشك على الصراخ بأعلى صوته، لولا أن تراءت له هالة برتقالية تتراقص على بلاط الرواق، وتدنو ببطء من غرفته الصغيرة. عندما وقفت الأم بالباب، قفز الصبي من كرسي مكتبه، وهرع نحوها، ليدفن وجهه المُمْتَقِع بين رجليها مرددا: الظلام… الظلام… أنا خائف أماه!
وضعتِ الشمعدان النحاسي على منضدة قريبة، وجثت أمامه، تغمره بفيض من حنانها واهتمامها بدون أن ترفع عينيها عن تقاطيع مُحَياه، أو تنبس بكلمة تُشعره بالأمان. كانت واثقة من حضورها وكفايته، لذلك ما لبثَ الطفل أن استعاد هدوءه، فارتمى في حضنها مُتسائلا: متى يعود الضوء أماه؟ أجابت مشيرة ناحية الشمعدان: هو ذا النور يا بني! تَدْري أن جدتك كانت تطهو الطعام، وتَرْتُقُ الكساء وتنظف البيت على ضوء شمعدان ذي أصبع واحد؟
حدق الطفل في أصابع الشمعدان الثلاثة، ونظر في انشغال طفولي إلى لَهيبها المُتصاعد، وما برح يَعْجَبُ بتنافسها السامق حتى دمعت عيناه، فارتد قليلا إلى خلف وترنح، ليترك جسده الصغير ينثني على ركبتي أمه مُتمتما في مَلل: أريد أن أرسم أماه! هذا الضوء ضعيف!
قريبا سيعود الضوء دبدوبي الجميل!
متى؟ متى؟
لست أدري حبيبي لكن هو آتٍ لا مَحَالَةَ! قُل لي أيها الفنان، ماذا تريد أن ترسم؟
ساد الصمت بُرهة من الزمن، كان الطفل خلالها يُحملق في سقف الغرفة، كمن يستمطر سماء الإبداع، ويداعب شعره الناعم لِيُوقظ حواسه للتفكير، قبل أن تقتحم الأم خلوته القصيرة، وتوقِف سَفرهُ الطفولي باقتراح جديد، اعتدل لَهُ الجسد الصغير، وجُمِعت على إثره الجوارح، وتهيأت لاستقبال حكاية جديدة سترويها له والدته على نور الشمعدان النحاسي، في انتظار عودة الضوء.
تَذْكُر اليمامة التي سكنت حاشية النافذة؟
آه… الحمامة البنية!
لا يا أميري الصغير! كانت يمامة برية اختارت أعلى نافذة من بيتنا لتبني عُشا لها، فتبيض وتستريح.
نعم… أذكر انزعاجكِ أول الأمر عندما وضعتْ كومةً صغيرة من القش.
أجل… كانت يمامة قوية ونشيطة، تبني عُشها بهمة وتسعى لتكبيره في كل الاتجاهات. ولولا متانة الحاجز ودقة حبكته، لمزقته وهي تتكئ عليه وتدفعه بذيلها العنيد.
برقت عيناه لبرهة ثم قال في حماس:
ليتها مزقته ماما! بيتنا كبير وتستطيع الدخول والبقاء معنا، دونما حاجة إلى عشها الصغير!
اليمام حبيبي طائر بري ولن تحتمل البقاء بيننا… تُحب هي الخلاء والأماكن المهجورة…
و لِمَ اختارت بيتنا؟
فاجأها السؤال وكادت تُجيبه بعفوية: لأنه خرب مهجور مذ تركَنا والدك! بيد أنها تمالكت مشاعرها فردت في سمْت رزين واثق:
لأن بيتنا هادئ صغيري والطيور تُحب السكينة.
افْتَر ثَغْرُهُ عن ابتسامة لا تخلو من دهشة، فأرسل نظرة إلى النافذة العريضة، وبصوت خفيض سأل:
وبعدما انتهت من بناء العش، ماذا فعلت؟
وضعت بيضتين! واحدة داخل العش، وأخرى خارجه على حاشية نافذتنا. المسكينة فقدت توازنها وهي تبيض في إحدى المرات، فأسقطت البيضة على حافة العش في غفلة منها، لتتدحرج البيضة بعد تحريكها لجناحيها على سطح الحاشية الخشن. جاهدت اليمامة في حماية بيضتها من الرياح القوية والشمس الحارقة، لكن سرعان ما اهتدت جيوش النمل الشرهة إليها، لتتركها بعد ساعة قشرة خاوية.
والبيضة التي في العُش؟
بقيت سالمةً سليمة، تنعمُ بدفء العش وتحتمي بجناحي أمها، إلى أن اكتملت وصارت فرخا جميلا، يتوق للتحليق في أجواز عالمه الجديد.
خيم الصمت في الغرفة لبعض الوقت، بيد أن الأم قاطعته مدندنة لحن «عصفور طل من الشباك»، واستمرت تُغمغم اللحن الشجي حتى غلب النوم الصبي، وبدأ صفيره الخافت يملأ المكان. في حذر جرت قدميها تاركة الغرفة وفي يدها الشمعدان. وقبل أن يُفضي بها الرواق إلى وسط البيت، توقفت عند اللوحة على الجدار، اللوحة التي صب عليها الطفل جام قَلَقِهِ وغضبه واحتراقه ـــ عندما تسلل مرة إلى مرسم والدته ـــ في شكل خطوط سوداء متشابكة مع مساحات بيضاء ضيقة. ولعل الحلقات المتلاصقة في أركان اللوحة الأربعة، والنقاط الكبيرة التي خُتِمَتْ في قلبها، هو ما كان يجبر الأم على التوقف مرات كثيرة أمام اللوحة، ويُشعرها بالخوف كلما نظرت إلى الحلقات المتوالية التي تُشبه عيونا واسعة مُحملِقة مترصدة، مُمْعِنَة في الإدانة والاتهام. لم تتوقع بلاغة التخطيط وانفجار المعنى بقوة التنقيط. كيف تحولت لوحة عفوية بسيطة من طفل إلى نداء استغاثة وناقوس إنذار؟ كيف استطاعت أن تُجبرهما على اللقاء بعد خمس سنوات من الانفصال؟ ما الذي أقنع سامي بضرورة الحوار؟ أكانت الخطوط أم النقاط أم المساحات الفارغة وما تخلقه من تيارات لافحة؟ تُراهُ يحن إلى العش فيُحَوم حولنا من جديد؟ تُراه يحضر عيد الميلاد كما فعل السنة الماضية، ويقف طويلا أمام اللوحة التي أيقظته كما أيقظتني من العناد؟ آه… ليتنا نقف كلانا هذه المرة أمام اللوحة وكأننا أمام عرش نعمة الإله فنأخذ طاقة للغفران ونمتلئ برغبة صادقة في المصالحة! أوجدي فينا أيتها اللوحة رغبة في الميلاد!
تركت الرواق وزفرات حَرى تتصاعد من أحشائها، وفي الردهة ألقت بجسدها المُنهك على أول كنبة عريضة صادفتها، ثم قطعت أصابع الشمعدان البرتقالية بنفخة واستسلمت لِغَفْوَة. عندما أفاقت، كان الضوء قد عاد، لكن المفاجأة كانت أكبر، لما انتصب أمامها سامي والطفل بين ذراعيه، يكاد يطير من البهجة. نظرا إلى بعضهما طويلا وابتسما ابتسامة طافحة بالود والشوق، وكأن لسان قلبيهما: نعم للحب… نعم للميلاد!

٭ قاص مغربي

نَعم لِلميلاد!

حسن شوتام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية