«بمناسبة المولد النبوي الشريف، نتقدم إلى كل المسلمين بأحر التهاني راجين أن تكون هذه مناسبة نستلهم فيها سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم والقيم الأخلاقية الكبرى التي مثلها». بمجرد أن تكتب مثل هذه التهنئة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، كما بادر كثيرون قبل يومين مثلا، حتى تأتيك فورا مجموعة من الردود الجاهزة لتنقض عليك بقوة وكأنها كانت بك متربصة.
تتوالى عليك الردود لتقول بأن هذا العيد بدعة وأن الرسول (ص) لم يحتفل به في حياته ولا الصحابة من بعده فعلوا. هذه أكثر الردود تهذيبا، أما غيرها ففي الغالب فتضيف بعد مثل هذا الكلام من التقريع والشتائم ما لا فائدة في استعراضه!!.
تكتب مستنكرا تفجير الكنيسة الأخير في القاهرة الذي أودى بحياة أكثر من عشرين معظمهم من النساء والأطفال فتقول بأن الاعتداء على المصلين في بيوت الله مدان في كل زمان ومكان، فتتساقط عليك من الردود ما يهمل شناعة هذه الجريمة ليمسك بكل تلابيبه بعبارة «بيوت الله». لا بيوت لله إلا المساجد، هكذا يرون، ثم تنهال بعد ذلك الشتائم عليك وعلى المسيحيين «الكفار»!!.
يموت أحدهم فتكتب معزيا مختتما بعبارة «رحمه الله»… فتهرع إليك الردود لا تلوي على شيء لتقول في النهاية نفس الشيء: هذا رجل لا تجوز عليه الرحمة لأنه كذا وكذا وكذا وكذا. ومعظم الأحيان لا يتركك أصحاب هذه التعليقات دون أن يؤكدوا لك، متيقنين تماما، أن الفقيد إنما سيحشر في جهنم بلا شك، داعين المولى القدير أن يحشرك معه لأنك فقط ترحمت عليه!!
ها هي أعياد الميلاد المجيد على الأبواب، وكذلك رأس السنة الميلادية. جرب أن تتقدم بالتهنئة للمسيحيين العرب على الأقل، ومن بينهم مواطنوك أو جار وصديق وزميل في العمل وغيرهم. ستأتيك عينات من قبيل : لا يجوز تهنئة هؤلاء، تهنئتهم منكر نربأ بك أن تتورط فيه، أما من يريد أن «يجتهد» أكثر فيقول لك كيف تتقدم لهم بالتهنئة بعد كل هؤلاء الذي يفعلونه في سوريا والعراق وغيرهما وكأنك قمت بتهنئة عناصر الكومندوس الموجودين هناك أو وزارة الدفاع الأمريكية أو قائد الجيوش القابع في إحدى حاملات الطائرات في المتوسط!!؟؟
دعك من كل ما هذا.. أكتب تهنئة في العيد الوطني لبلد عربي ما، وطنك الغالي أو الوطن الذي تقيم به، إليك ما الذي سيحدث؟؟ سيأتيك من الردود ما يقول لك أولا بأن لا عيد لدى المسلمين سوى عيدي الفطر والأضحى وأنه كان حريا بك أن تطلق على هذه المناسبة اليوم الوطني وليس العيد الوطني، هذا طبعا إن كان البلد عربيا ومسلما، أما إذا كان غير ذلك فستعود نفس معزوفة «الكفار» و»حرمة تهنئتهم» مع باقة من الشتائم والبذاءات يجود بها كل واحد بمقدار…
طبعا عندما نسوق مثل هذه الأمثلة فذلك لا يعني أن كل الردود التي تأتيك هي على هذه الشاكلة، لا أبدا، ولا يعني أيضا أنه يجوز بخفة الانطلاق منها لإطلاق تعميمات قد تكون ظالمة لا سيما أن مواقع التواصل الاجتماعي ليست هي المعبـّـــر الوحيد والأصدق عن المزاج السائد في بلادنا العربية. كل ذلك صحيح، ولكن في المقابل من غير المناسب الاستخفاف بهذه الآراء لشريحة ما تعيش بين ظهرانينا، لا أحد قادرا على تحديد حجمها أو نسبتها في المجتمع، لكن يكفي أن نعرف مدى نشاطها وحيويتها على مواقع التواصل حتى ندرك أن الاستخفاف بها أو بتأثيرها ليس بالسياسة الحكيمة.
هؤلاء وباختصار، وهم بالمناسبة من دول عربية مختلفة مع غلبة خليجية واضحة، يعبرون عن نزعة مخيفة حقا. يكفي أنهم يعتبرون أنفسهم الوحيدين على الطريق المستقيم وكل من عداهم في ضلال يعمهون، يكفي أنهم يكتنزون هذا الكم من الغلو في الدين والتنطع فيه، يكفي أنهم يحملون غلا شديدا على كل من يختلف معهم في فهمهم لهذا الدين، يكفي أنهم حانقون على التعدد والاختلاف بين الناس وهي سنة الله في خلقه، يكفي أنهم لا يسارعون إلى أية مجادلة بالتي هي أحسن بل هم دائما للشتم والسباب أقرب، يكفي أنهم يحملون كل هذا الحقد على المختلف معهم في الدين والعرق والثقافة، بل ومن يختلف معهم في المذهب نفسه مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. يكفي كل هذا حتى ندرك أن لا فرق بينهم وبين هؤلاء المرعبين الذين نراهم في الأخبار سوى حمل السلاح. أما كيف علينا التعاطي السلمي والمدروس مع هؤلاء فقصة أخرى…
٭ كاتب وإعلامي تونسي
محمد كريشان