■ تجربة صعبة عاشها خمسون شابا قدموا من محافظة قابس في الجنوب التونسي، في رحلة كان من المفترض أن تقودهم في الرابع والعشرين من الشهر الماضي إلى منتجع سياحي بالحمامات، لكنها أوصلت ثلاثة منهم إلى حتفهم وجرحت آخرين وروعت الباقين، عندما حادت الحافلة التي أقلتهم عن الطريق.
المعلومات الأولية، التي نشرت حينها، أشارت إلى أن السائق الذي افرط في السرعة، في وقت كانت فيه الظروف المناخية غير مناسبة بالمرة، واختار الهروب مباشرة بعد حصول الكارثة، كان المسؤول الأول والمباشر عن المأساة. لكن نتائج التحقيق الذي فتحته الجهات القضائية المختصة لم تظهر بعد ولا تسربت ايضا انباء حول مصير قائد الرحلة الهارب.
أياما بعد ذلك الحادث المشؤوم واجه شبان آخرون تجربة قد لا تقل قسوة ومرارة عن الأولى رغم خلوها من الموت والدماء، وذلك لما جاؤوا الجمعة الماضي في رحلة دراسية إلى معرض الكتاب الذي اقامته السلطات في العاصمة تونس. الشبان دخلوا المعرض وحضروا جانبا من ندوة نظمها المشرفون ودعوا إليها كاتبتين واحدة هندية وهي كورين كومار، والثانية مصرية وهي نوال السعداوي. ولأن الثانية حضرت بعد الوقت المخصص لها بأكثر من نصف ساعة فقد وجدت عند حضورها الضيفة الهندية بصدد الحديث قبل أن يفسح المجال امامها لتعرض افكارها وتصوراتها. لكن بعد دقائق من شروعها في ذلك خرج الشبان من القاعة بهدوء وبدون ضجة، حتى لا يفوتوا موعد عودتهم من الرحلة، في ما صدم من بقي من الحضور بتعليق الكاتبة الشهيرة على ذلك الخروج بأن «الاخوان دائما ما يحتلون الأماكن الامامية في محاضراتها ثم ينسحبون». التعليق أثار استياء المشرفين على الرحلة ودفع بإحدى المدرسات لان توضح للأديبة المصرية أن غاية ما في الامر هو أن موعد عودة التلاميذ من الرحلة قد حان، وأن سائق الحافلة ليس بوسعه انتظارهم وقتا اطول من ذلك. لكن التوضيح لم يكن كافيا أو مقنعا على ما يبدو اذ لم تصدق السعداوي أن ارتباط التلاميذ ببرنامج الرحلة المدرسية هو السبب المباشر والوحيد لمغادرتهم، بل ظلت على موقفها الثابت والصلب… الإخوان ولا أحد غيرهم من دبر العملية وخطط لها لأجل النيل منها ومن أفكارها الثورية و التقدمية. ولأنها لم تكن على ادنى استعداد لان تقبل اي تفسير اخر او تنظر للموضوع ببساطة وبلا تعقيدات ايديولوجية او احكام جاهزة وفورية، فقد اختارت قطع محاضرتها والاجابة عن بعض الاسئلة التي سبق أن وجهها لها الجمهور ثم بشكل مفاجئ رمي الميكروفون والخروج من القاعة في حالة هستيرية من الغضب الشديد والاحتجاج على سوء التنظيم والاتهام المباشر لمديرة الجلسة، وهي ناشطة تونسية نسوية معروفة وعضو في حزب نداء تونس الحاكم بالتحيز ضدها وتهميشها بإحضارها جنبا إلى جنب مع أديبة هندية أقل مستوى وقيمة منها. احتاج الامر لجهود دبلوماسية مضنية شارك فيها الشاعر السوري ادونيس، الذي حضر الجلسة حتى تعود الكاتبة الكبيرة إلى الندوة وتكمل محاضرتها النسوية التي اعادت خلالها التذكير بطروحات سبق أن قالتها منذ عقود طويلة. لكن بعد انفضاض الجلسة واختتام المعرض، الذي كانت واحدة من بين نجماته البارزات ظل سؤال يطرح نفسه بالحاح وهو، إن كانت الكلمات والآراء القديمة التي اشتهرت بها نوال السعداوي وظلت ترددها منذ مطلع السبعينات قد تركت أثرا او وقعا على الجمهور الحاضر، أم أن كل ما حفظته الذاكرة بالنهاية هو موقفها الايديولوجي المتشنج وعصبيتها الزائدة واحتقارها الواضح لاديبة هندية كانت مثالا في التواضع واحترام الجمهور؟
قبل الندوة بيومين نزلت نوال رفقة الشاعر ادونيس ضيفة على الرئيس التونسي وخرجت بعد المقابلة لتصرح للاعلاميين بان «اللقاء تمحور حول قضايا التعليم والتربية، باعتبارهما سلاحا استراتيجيا في مقاومة الارهاب وأداة لتحقيق نهضة ثقافية جذرية، إضافة إلى وضعية المرأة العربية وضرورة النهوض بها». لكن طرق الحصول على ذلك السلاح او مواضع استخدامه ظلت غامضة ومجهولة، فالمهم كما يبدو من القصة كلها هو القضاء على غول الارهاب، الذي كان شعارا بارزا في معرض الكتاب في تونس. ولان وزيرة الثقافة ترى بدورها، مثل الضيفة تماما، أن محاربة ذلك الغول تبدأ بتشجيع الفكر النقدي، فلم تجد مناسبة افضل من حفل افتتاح المعرض لتزف بشرى عظيمة للتونسيين بانه قد تم «القطع مع عهد الكتب الصفراء، وتلك التي تحارب الفكر النقدي وتدعو إلى الكره والحقد». لا تذكر الوزيرة بالطبع جهة او طرفا مقصودا، او معنيا بعهد الكتب الصفراء وتترك من باب الدبلوماسية ولاعتبارات سياسية لا تخفى على أحد، مهمة الشرح والتفصيل للاديبة المصرية الشهيرة، التي لا تفوت محاضرة، أو ندوة، أو تصريحا إلا وتشير إليهم باصبع الاتهام، ومن دون لف ولا دوران، بأنهم الإخوان، ثم الإخوان، ولا احد غيرهم يقف وراء كل العصور والعقود الصفراء والسوداء على حد سواء.
لكن الصورة الوردية ولسوء حظ الاثنتين لم تستمر طويلا، وسقطت معها الجهود التي بذلت لمنع الكتب الصفراء عدوة الفكر النقدي والداعية إلى الكره والحقد في الماء، باكتشاف متأخر حصل قبل أيام قليلة من اختتام المعرض وبمحض الصدفة على الارجح، وهو أن إحدى دور النشر العربية التي شاركت قامت بعرض كتاب الزعيم النازي ادولف هتلر «كفاحي» للبيع، بل علقت حتى صورته في مدخل الجناح المخصص لها. الاكتشاف نقله موقع «حقائق أون لاين» الإلكتروني إلى الوزيرة التي عبرت مثلما يقول الموقع «من خلال نبرتها عن مفاجأتها الشديدة وعدم علمها بمثل ذلك التجاوز، الذي يصب في خانة الفوضى بدل إنارة العقول ويكشف عن غياب رقابة سلطة الاشراف»، مضيفة أنها ستحقق في الموضوع وان ثبت الامر فهي مسألة خطيرة مثلما قالت. ومن الواضح أن التجييش الاعلامي المتواصل حول الارهاب اعطى أولى ثمراته، وهي العودة من جديد إلى مقص الرقيب واستخدام الحظر وسيلة للسيطرة التقليدية على الافكار. وهنا يكمن بالتحديد جوهر المأزق المعرفي الذي تواجهه تونس في تجربتها الجديدة للتخلص من عهود الاستبداد. فهل من الممكن أن نستخدم خطاب السبعينات الذي لا زالت تردده نوال السعداوي ومثيلاتها، أو نلجأ إلى أساليب ذلك العصر في الرقابة على الكتب والاراء، كما هددت به وزيرة الثقافة في ردها على بيع كتب هتلر، لمواجهة واقع شديد التعقيد والصعوبة تختلط فيه تعقيدات التكنولوجيا الحديثة بسطحية وخواء روحي وفكري يضرب شرائح واسعة من الشباب؟
ما من شك في أن هناك حاجة عاجلة وملحة إلى أن تتطهر الثقافة من أدران سياسة باتت تشدها بقوة وتحول دون انطلاقها الفعلي، وتخلصها من قيود تكبلها وتجعلها تدور باستمرار في حلقة مغلقة، تبدأ من الايديولوجيا وتنتهي اليها. قد يجد رجال السياسة من يجمل اخطاءهم، بل حتى يطلق عليها صفة «الاخطاء المحمودة»، مثلما فعلت صحيفة محلية في تونس منذ ايام، عندما قالت بأن «الارتجال وما يرافقه في بعض الاحيان من اخطاء وزلات لسان قد يصبح محمودا، خاصة اذا تعلق الامر بشخصية مثل شخصية رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي…»، لكن المصيبة الأكبر هي أن يتحول الكتاب والمثقفون إلى قطعان تسير في ركاب مشاريع التصفية العرقية، والتنظير للاقصاء بحسب الانتماء الفكري، تحت مبرر التصدي للارهاب او مجابهة الظلامية. ففي تلك الحالة تنعدم الحدود بين التعصب الأعمى الذي يقود بعض الشباب الجاهل إلى أعمال التخريب والعنف وبين التشدد المعرفي الذي يجعل من بعض المفكرين وقادة الرأي «كلاب حراسة»، كما وصفهم بول نيزان في الثلاثينات للمصانع والمعسكرات التي تنتج الارهاب والتعصب وتقود اليه في هذه الايام. ولاجل ذلك فلا فرق يبدو بين التجربة القاسية لشباب قابس وتجربة شباب معرض الكتاب، الا في حجم المأساة واسمها. أما المسؤول فيبقى في كلتا الحالتين خارج سلطة التحقيق وبمنآى عما تقتضيه من محاسبة جادة وحقيقية.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية