السؤال الذي طرح في أعقاب هجمات باريس يوم الجمعة 13/11/2015 دار حول معاني استهداف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام فرنسا وللمرة الثانية في أقل من عام. وحاول معظم المحللين فهم «التحول» في استراتيجيته ونقله للمعركة من «العدو القريب» إلى «العدو البعيد» وتساءلوا إن كانت هناك صلة بين العمليات الأخيرة في سيناء وبيروت وأنقرة والتراجعات التي عانى منها التنظيم في الأشهر الأخيرة وكان آخرها انسحابه من سنجار في شمال العراق بعد عملية أمريكية ـ كردية. ورغم وجود صلة بين الداخل والخارج في استراتيجية تنظيم الدولة إلا ان مجلة «إيكونوميست» (21/11/2015) نقلت ما قاله منشق لصحافي أمريكي من أن تشديد الرقابة على الحدود التركية وتراجع نسب المتطوعين الأجانب تعتبر عاملا مهما في قرار نقل المعركة للعدو البعيد. وتساءلت المجلة قائلة إن التنظيم لم يكن بحاجة لنقل المعركة والقيام بمهام خارجية خاصة أن هناك 36 جماعة أقسمت الولاء لزعيمه أبو بكر البغدادي. وأحصت صحيفة «نيويورك تايمز» عدد القتلى الذين سقطوا منذ بداية العام الحالي بسبب العمليات التي نفذتها الفروع بحوالي 1.000 شخص سواء كانت جراء هجمات انتحارية في اليمن أو تونس والسعودية أو تلك التي نفذتها جماعة بوكو حرام في نيجيريا.
ومع ذلك فالعمليات الخارجية هي جزء من شعاره «باقية وتتمدد» فالتوسع يشمل مناطقه التي عزز فيها سلطته في العراق وسوريا. ويشمل جذب الجهاديين وتدريبهم وتشجيع «الذئب المتوحد» لانتهاز الفرص والحصول على بيعات جديدة. وأشارت «إيكونوميست» إلى أن تنظيم الدولة يتمتع بنوع من الحكم الفاعل، فعائدات النفط الشهرية التي تقدر بحوالي 50 مليون دولار كفيلة بتوفير المواد الغذائية الرخيصة الثمن والخدمات الأساسية ورواتب البيروقراطية. بل وأشار التقرير لقدر من الأمان الذي تتمتع به هذه المناطق. ونقلت عن عمال إغاثة أتراك قولهم إن ما يزيد عن 70.000 لاجئ سوري هربوا لمناطق «الدولة» في الشهرين الماضيين ومنذ بداية التدخل الروسي نهاية شهر إيلول/سبتمبر. ومن هنا يظل قرار التنظيم نقل المعركة للخارج وإن كان مرتبطا بتداعيات داخلية تحولا خطيرا وسيؤدي بالتأكيد لارتدادات سلبية على «الدولة» في وجه القوة المعادية.
وكما ترى مجلة «إيكونوميست» فالقوة القتالية التي يتمتع بها مقاتلوه لن توازي القوة القتالية التي يتمتع بها أعداؤه وهم في الحقيقة كل العالم. فبالإضافة لاستعدائه أمريكا وحلفائها العرب استعدى روسيا التي ظلت مترددة في ضربه وركزت كل هجماتها على المعارضة السورية المعادية لنظام بشار الأسد. وكما يقول نيكولاس بلانفورد في «كريستيان ساينس مونيتور» (18/11/2015) فقد اختار التنظيم محاربة مجموعة من الأعداء الأقوياء القادرين على تهديد «خلافته» البالغة من العمر 18 شهرا. فالهجمات التي جرى التخطيط لها على ما يبدو لعدة أشهر تعكس درجة من التطور وتعبر عن قرار استراتيجي أكثر منه ردة فعل للنكسات التي مني بها في الميدان. ونقل عن يزيد صايغ كبير الباحثين في مركز «كارينغي» بيروت قوله «مع كل هذا الضغط يجب أن يكون هناك تراجع إلى حد ما ولكن واضح أنهم لا يزالون قادرين على القتال». وفي هذا السياق أجرى البعض مقاربة بين هجمات باريس وقرار القاعدة ضرب أمريكا في 9/11/2001 وهو ما أدى لخسارة زعيمها أسامة بن لادن ملجأه الآمن في أفغانستان وبنهاية عام 2001 خسرت القاعدة 80٪ من عناصرها كما لاحظ لورنس رايت. وجرى استحضار التحليل نفسه في سياقات مختلفة، فبحسب البروفسور دانيال بيمان من جامعة جورج تاون تعبر عمليات باريس عن تغير في استراتيجية التنظيم من التركيز على البناء المحلي إلى التمدد الدولي. وأكد أننا لا نعرف عن علاقة القيادة العليا بها وإن كانت عملية محلية؟ أو كانت تعبر عن تغيير في الاستراتيجية؟ وأيا كان الحال فقد استفاد التنظيم من العملية من ناحية الظهور بمظهر حامي حمى الإسلام في العالم واستغلاله لمظالم المسلمين غير تلك التي نتجت عن غزو العراق مثل الرسوم الكرتونية الدانماركية والوحشية الروسية في الشيشان والإعتداء على الحجاب. وكان هجوم «شارلي إيبدو» بداية العام الحالي دليلا على استثمار التنظيم لهذه المظالم، خاصة أن المجلة معروفة بهجومها على النبي محمد. ولا يستبعد الكاتب أن يكون ضرب «العدو البعيد» مرتبطا بتناقص عدد المتطوعين الأجانب. مع أن توسع العمليات الخارجية سيرفع من مكانة التنظيم ويحسن صورته بين الشبان المتعاطفين معه إلا أنه سيعرض قادته لملاحقة وكالات مكافحة الإرهاب الدولية بنفس الطريقة التي تمت فيها تصفية قيادات القاعدة في الباكستان وأفغانستان واليمن والصومال وليبيا. ويرى بيمان أن فتح المعركة على الأعداء جميعا تعني اصطفافهم جميعا ضدك «لو أصبح تنظيم الدولة أكثر طموحا فيحب أن يتوقع العالم أعمالا مروعة جديدة. وفي الوقت نفسه يجب أن يفهم الجميع أن تحولا في استراتيجيته ستكون مكلفة وسيؤثرعلى طموحاته لتحقيق أهدافه على المدى البعيد».
ويرى ويليام ماكانتس الباحث في معهد بروكينغز ومؤلف «قيامة تنظيم الدولة» أن الجهاديين العالميين يخطئون عندما يبدأون بتوسيع المعركة للخارج من مناطقهم الآمنة، ويذكر هنا القاعدة في اليمن التي أقامت عدة إمارات في جنوب البلاد بدايات 2011. وتمت إقامة دولة انفصالية في شمال مالي عام 2012 من فرع آخر للقاعدة وسقطت تلك الدولة بعد عام بدخول القوات الخاصة الفرنسية. وكذلك كانت تجربة الشباب في الصومال حيث سقطت على يد القوات الكينية والاتحاد الأفريقي. ويرى ماكانتس أن تنظيم الدولة بدا حتى وقت قريب حريصا على ألا يستثير أعداءه لمهاجمة «دولته» مباشرة وكان حريصا على السيطرة على الأراضي والحكم أكثر من الإنضمام للثوار السوريين في حربهم ضد نظام الأسد. ونشأ عن هذا الوضع تجنب تنظيم الدولة من جهة والنظام السوري وحلفائه الروس والإيرانيين من جهة أخرى بعضهما في ساحة المعركة. وفي الواقع كان مقاتلي التنظيم والجيش السوري حلفاء بحكم الواقع حيث كانا يقاتلان مجموعات الثوار نفسها. وفي مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» (16/11/2015) تحت عنوان «كيف أعلن تنظيم الدولة الحرب على العالم» قال فيه إن «الدولة الإسلامية ظهرت في الأسبوعين الفائتين على أنها إحدى أكثر الدول الداعمة للإرهاب شراسة إن كنا نصدق دعواها، فأعضاؤها قاموا بمهاجمة دولتين من الخمسة الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن- فرنسا وروسيا. وكان الهجوم في باريس يوم الجمعة هو الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية وكان اسقاط الطائرة الروسية بعد اقلاعها من مطار شرم الشيخ هو أحد أسوأ الهجمات الإرهابية ضد روسيا منذ سقوط الإتحاد السوفييتي. وفوق هذا الهجوم الإنتحاري الثنائي في بيروت يوم 12 تشرين ثاني/نوفمبر». وضمن فهمه للتنظيم كدولة حقيقية وكراعية للإرهاب يرى ماكانتس أن توجهه نحو العمليات خطير نظرا للقدرات المالية التي يتمتع بها. ومهما كانت المخاطر المترتبة على قراره التوجه خارجيا إلا أنه لم يكن من الحكمة أن يستعدي أقوى أعدائه وخاصة روسيا. فربما اعتقد التنظيم أنه يمنع المزيد من الاعتداء على الأراضي التي يسيطر عليها أو ربما أمل بتحقيق انتصارات إعلامية تساعده في تجنيد المزيد أو ربما إيمانا بخطابه الرهيب حول حرب هرمجدون ومحاولة اشعالها. ومثل سكوت أتران ونفيس حميد بمجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» يرى أن التحول للخارج قد يكون مرتبطا بـ «إدارة التوحش» وهو كتاب لأبو بكر الناجي يدعو لتوسيع الحرب ضد العدو القريب والبعيد ونشر الفوضى.
وبعيدا عن كل هذا فقد وضع التنظيم نفسه أمام معركة شاملة لكن الرد يعتمد على أعدائه البعيدين خاصة أنه راهن دائما على خلافاتهم وتناقض مصالحهم. ورغم النبرة الداعية للتعاون بين دول المجتمع الدولي في مرحلة ما بعد باريس إلا أنها لم تترجم بعد على الواقع كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» (18/11/2015) التي قالت إن التحالف الذي يجري الحديث عنه يظل «نظريا» حتى في ظل الجهود التي يحاول الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند بذلها لجسر هوة الخلافات بين روسيا التي برزت كلاعب رئيسي في الساحة السورية والولايات المتحدة الأمريكية التي أثبتت الهجمات الأخيرة فشل سياسة الإحتواء التي تبنتها منذ العام الماضي. وترى كارين دونفايرد مستشارة أوباما ومديرة مؤسسة مارشال الألمانية أن التحالف قد يكون جيدا في مجال الغارات الجوية في سوريا ولكن «ماهو التزام روسيا بمواجهة تنظيم الدولة، وهو ما لا أعرفه». ويرى ستروب تالبوت، مدير معهد بروكينغز أن أي تحالف حقيقي يقتضي تغيرا جوهريا في الموقف الروسي من سوريا خاصة ما يتعلق بمصير الأسد.
ويعتقد ديفيد إغناطيوس في صحيفة «واشنطن بوست» (19/11/2015) أن الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية تقتضي التفكير بما بعد «الدولة» وما تحتاجه الدول المعنية بحرب تنظيم الدولة الإسلامية هو رسم خريطة طريق للمستقبل بعد هزيمته. واقترح هنا قراءة خمس معاهدات تعين على رسم المستقبل. الأولى هي اتفاقية ويستفاليا عام 1648 التي أنهت حرب الثلاثين عاما في أوروبا والثانية مؤتمر فيينا عام 1815والتي أعادت لأوروبا توازنها بعد الإضطرابات التي تبعت الثورة الفرنسية والحروب النابليونية والثالثة اتفاقية فرساي عام 1919 في نهاية الحرب العالمية الأولى، وهي التي تسببت في رأي البعض بما يعاني منه الشرق الأوسط الحديث بعدما تقاسمت القوى المنتصرة (بريطانيا وفرنسا) أراضي الإمبراطورية العثمانية بموجب اتفاقية سايكس بيكو (1916). والرابعة الاتفاقية التي صاغتها الولايات المتحدة عام 1945 وأنهت الحرب العالمية الثانية. أما الإتفاقية الأخيرة التي تستحق التأمل بينما نفكر فيما يحل محل «الدولة الإسلامية» هي اتفاقية الطائف لعام 1989 وأنهت 14 عاما من الحرب الأهلية اللبنانية، وأوجدت توازنا للقوى بين طوائف لبنان المتناحرة وكانت القاعدة التي قامت عليها هي «لا غالب ولا مغلوب». ويقول إن الحرب ضد تنظيم الدولة تعطي الفرصة لإصلاح ما كان فاسدا لقرن تقريبا، فالتحالف يحتاج إلى طائرات بدون طيار ومقاتلات ولكنه يحتاج أيضا لمراجعة بعض كتب التاريخ.
إبراهيم درويش