في عاصفة الحرب، بين أزيز الرصاص والضحايا والدبابات التي تحطم البيوت وتمزق الناس، ظهر فجأة حذاء مع كعب عال يتحرك بين أرجل الجنود الذين يدافعون عن حياتهم. وخلال بضع ثوان تُعرف صاحبته وهي تميره فازكوفا ذات الشعر الاحمر والكوفية الحمراء. تجلس على دبابة مسافرة وحزام من الرصاص يلف جسمها. ترفع قبضتها وتبدأ بغناء «هذه ثورة».
هذا الشريط المستفز حصل على مليوني مشاهدة، وهو من انتاج المغنية هايلين لاب، المواطنة الفنلندية من أصل كردي التي هربت مع والديها في عام 1988 من إيران إلى فنلندا، حيث حصلت هناك على المواطنة وتحولت إلى مغنية معروفة ومحبوبة وحازت لقب «شاكيرا الكردية».
«ثورة» هي أغنية ضد داعش تنضم إلى اغاني شبيهة في الدول العربية وإيران، حيث تحاول هذه الاغاني ايجاد رد ثقافي على جبهة الانترنت التي يديرها داعش بنجاح. ميثم مطيعي الإيراني بنمطه الكلاسيكي كتب قصيدة بالعربية بعنوان «يا داعش رَاح تنتهي»، حظي بعدد كبير من المشاهدات، ليس أقل من اغنية المطرب الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم الذي يقول لأبو بكر البغدادي، زعيم داعش، «أنت ما تقدرش تعمل لي شيء، أنا لا أخاف منك».
داعش من جهته لم يبق مكتوف الأيدي أمام هذا الهجوم الشعري. ففي مواقعه الكثيرة في الانترنت يُشهر بالمطربين ويهدد حياتهم. هذا الامر يحتاج إلى شجاعة كبيرة لاقتحام ساحة داعش على الانترنت؛ نشطاء التنظيم يوجدون في كل مكان، ومن يضع أقوى سلاح لهم في تحدي «الصراع على الوعي» يوضع على المهداف.
بشكل رمزي، هايلين ايضا تموت في نهاية الفيديو كليب برصاصة تأتي من اتجاه غير معروف، بعد قولها إنها قريبة جدا من مواقع داعش.
تصعب معرفة مدى تأثير المطربين المعروفين على داعش في معركة الشباب، لكن يتضح أن اتساع هذه الظاهرة يستند إلى معرفة الجمهور أن الحرب ضد داعش يجب أن تتم ليس فقط على الصعيد العسكري والسياسي، بل على المجال الثقافي ايضا. وكل ذلك من اجل قطع الطريق على التنظيم وتقييد مصادره.
من يهاجم الفشل الثقافي الذي أوجد الفراغ الذي يملؤه داعش، هو الباحث السوداني البارز دكتور حيدر ابراهيم علي الذي نشر قبل عشرة ايام مقالا لاذعا ضد ما يسميه «الاسلام الشكلي الذي يقدم المظهر الخارجي للدين»، ولا يسد الجوع الثقافي للشباب المسلمين. وقد طرح نموذجا لـ 11 شاب سوداني من الطلاب الجامعيين الذين وصلوا إلى تركيا في آذار الماضي من اجل عبور الحدود والانضمام لداعش، 8 منهم كانوا يدرسون الطب. «جميعهم أبناء لاطباء، أبناء الشريحة التكنوقراطية العليا، وقد حصلوا على جوازات سفر بريطانية كونهم ولدوا هناك في فترة دراسة آبائهم فيها، أو عندما كانوا لاجئين فيها. علي يريد زعزعة القناعة التي تعتبر أن الذين ينضمون لداعش يندفعون إلى أحضانه بسبب الفقر أو عدم التعليم. «آباء هؤلاء الطلاب الجامعيين ينتمون إلى الشريحة الليبرالية اليسارية. فما هو مصدر الفشل إذا؟».
إلى جانب النظام الذي يتهمه علي بعدم الايفاء بوعده اجراء ثورة ثقافية، فهو ينتقد ايضا آباء الطلاب «المنشغلين بجمع المال من اجل استبدال السيارة كل عام بدلا من الاهتمام بتربية أبنائهم». ويوجه سهامه ايضا للمؤسسة الدينية التي ترى أن الصلاة في المساجد والحج هما جوهر الايمان، في الوقت الذي ينتشر فيه الفساد والتحرش الجنسي. «لو قام الذين يعتبرون أنفسهم معتدلين بتوعية الشباب أن هذا ليس هو الاسلام الصحيح، لكان الشباب سيسألون بذكاء: إذا كان هذا ليس هو الاسلام الصحيح فلماذا ينتشر بهذا القدر؟.
«من المؤسف أن المثقفين المتدينين المعارضين للتطرف لا يبذلون أي جهد للدفاع عن اسلام متجدد وعصري وقادر على اقناع الشباب أن داعش مخطيء. وهم يكتفون بالشعارات التي تقول إنه ليس هناك تناقض بين الاسلام وبين الديمقراطية أو حقوق الانسان، وأن المهم هو تطبيق هذه الشعارات».
أقوال علي ليست موجهة فقط للشيوخ في السودان. فبشكل غير مباشر يوجهها ايضا لتلك «البرامج التربوية» في السعودية مثلا، والتي يطالب فيها المعلمون والمربون لشجب «الاسلام المتطرف» في الوقت الذي لم تتغير فيه البرامج التعليمية هناك على الاطلاق. يبدو أن المغنين ومنتجي الاشرطة الغنائية الاكفاء سيواصلون حمل علم الكفاح الفكري ضد داعش، ليس بالمدارس بل في الملعب الذي اعده مارك تسوكربرغ.
هآرتس 18/8/2015
تسفي برئيل