تحركت الدبابات التركية باتجاه مدينة جرابلس السورية شمال محافظة حلب بتاريخ 24/8/2016 ولديها مشروع واضح وخطة مرسومة ورؤية لأهدافها من هذه العملية التي أطلقت عليها «درع الفرات» وهي تعني أن غرب نهر الفرات خط فاصل وأحمر للاستراتيجية التركية في حماية أمنها القومي في سوريا. فالقانون الدولي يعطي أي دولة حق الدخول في حرب مع أخرى للدفاع عن نفسها، لحين عرض الأمر على الأمم المتحدة والفصل القانوني فيه. وبحكم الأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية في سوريا منذ خمس سنين ونصف، وعدم وجود حكومة مركزية فيها، فإن من حق الدولة التركية اتخاذ كافة الإجراءات التي تحمي شعبها. ودون الخوض في تأخر هذه الخطوة أو تجاوزها للمحذورات التي وضعتها الحكومة التركية على نفسها من قبل، فإن هذه الخطوة دفاعية في الدرجة الأولى عن الحدود التركية مع سوريا، وحماية للأمن القومي التركي، بعد تعرض هذه الحدود للاعتداءات المتكررة والكثيرة، والتي وقعت في تركيا في السنة ونصف الماضية على أقل تقدير، دون أن تستطيع الدولة السورية بقواتها وفصائلها العسكرية حمايتها كما كانت في السابق، أي عندما كانت الحكومة السورية تفرض هيمنتها على هذه الحدود من الجهة السورية.
فالحدود الشمالية لسوريا أصبحت تحت سيطرة العديد من الفصائل والميليشيات المسلحة بعضها معتدلة مثل الجيش السوري الحر، وبعضها إرهابية مثل تنظيم «الدولة» والتنظيمات الكردية التابعة لحزب العمال الكرستاني «ب ك ك» مثل ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي المسماة وحدات حماية الشعب «يبجي» أو الميليشيات التي شكلتها وزارة الدفاع الأمريكية مثل قوات سوريا الديمقراطية «قسد». فهذه منظمات إرهابية في نظر الحكومة التركية، لأنها استهدفت الأراضي التركية وقتلت المئات من المواطنين وجرحت الألوف، بل بلغ عدوانها المدن التركية الداخلية مثل أنقرة واسطنبول، في عمليات إرهابية تستهدف المدنيين والسياح والمرافق العامة، فضلاً عن العمليات الإرهابية التي يستهدف بها حزب العمال الكردستاني الحافلات العسكرية والثكنات الأمنية في ديار بكر وغيرها، فهذه العمليات الإرهابية ثبت تورط حزب العمال الكردستاني فيها، وأن الأسلحة والتفجيرات المستعملة هي من مصادر أمريكية كانت وزارة الدفاع الأمريكية قد زودت قوات سوريا الديمقراطية بها، أي ان هذه القوات تتسلم الأسلحة من الدعم الأمريكي لها، وترسلها إلى إرهابيي حزب العمال الكردستاني داخل تركيا، وهذا خطر كبير وغير محتمل، تباحثت فيه الحكومة التركية مع الإدارة الأمريكية دون تجاوب إيجابي، وإنما بقطع تعهدات ان تعمل أمريكا لعدم تعرض الأراضي التركية للخطر ، بينما تقوم أمريكا بدعم هذه القوات التابعة لحزب العمال الكردستاني بالأسلحة والمتطوعين والدعم الجوي للسيطرة على المدن والقرى والأرياف في شمال سوريا بحجة القضاء على تنظيم «الدولة».
ومنذ سنوات وضعت الحكومة التركية خطوطا حمراء أمام الميليشيات التابعة لحزب العمال الكردستاني، وحذرتها من الاقتراب منها، وإلا تعرضت للقصف، ولكنها لم تلتزم كثيرا، وهي تركن إلى الدعم الأمريكي، وحجة أمريكا ان هذه القوات هي وحدها القادرة على محاربة تنظيم «الدولة» ودحرها بالتعاون مع الجيش الأمريكي، وكأن الحرب أمريكية أصلاً، ودور قوات سوريا الديمقراطية هو التغطية الأرضية والسيطرة على المواقع التي يتركها التنظيم فقط.
ومع رفض الحكومة التركية لهذه الحجة، بدليل التطهير العرقي الذي تجريه قوات «بيدا» و»قسد» على الأرض، فقد رفضت الحكومة التركية تجاوز هذه القوات نهر الفرات غربا بصورة مطلقة مهما كانت الأسباب، إلا أن تركيا وتحت ضغوط أمريكية كبيرة، عاودت واشترطت أن يتم انسحاب هذه القوات التي تدخل غرب الفرات بعد اسبوعين من تحرير هذه المناطق من «الدولة»، ووافقت أمريكا على ذلك، وبعد سبعين يوما من القتال تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من دخول منبج بتاريخ 13/8/2016 وانسحبت قوات تنظيم «الدولة» باتجاهات مختلفة.
ولكن قوات سوريا الديمقراطية أخذت تثبت قواعدها في منبج بدل الاستعداد للانسحاب منها، وأخذت تعد العدة للتحرك نحو جرابلس، وهي آخر المواقع العسكرية الحدودية مع تركيا التي كانت تحت سيطرة التنظيم، وبالتالي فإن احتلال قوات سوريا لها يعني إطباق الحدود الشمالية في سوريا لتصبح تحت سيطرة قوات حزب العمال الكردستاني «ب ك ك» ممثلة بقوات سوريا الديمقراطية وميليشيات قوات حماية الشعب، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا على الأمن القومي التركي.
لم تكن الحكومة التركية غافلة عن هذه المخططات الأمريكية التي تهدف إلى تقسيم سوريا إلى ثلاث كيانات فيدرالية أو مستقلة أو أكثر، وتظن أمريكا أن شعوب المنطقة ودولها لا يحق لها ان تعترض على الخطط الأمريكية، كما استسلمت لاتفاقيات سايكس بيكو عام 1916 ولذلك أخذت أمريكا تتعامل مع قوات «بيدا» (حزب الاتحاد الديمقراطي)، وهو حزب سوري كردي، تابع لحزب العمال الكردستاني الإرهابي، على أنه ممثل لأحد الكيانات التي تريد أمريكا إنشاءها في سوريا، ولذلك هي لا تريد أن ترى فيه حزبا إرهابيا كما تقول لها تركيا، وهي تعلم تابعيته لحزب العمال الكردستاني، لأن الإدارة الأمريكية تسير وفق خطط وزارة الدفاع الأمريكية الاستراتيجية، ووزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون تنفذ خطتها في رسم خريطة سوريا عسكريا قبل رسمها سياسياً، سواء كانت تحت قيادة سورية تابعة في ظاهرها لروسيا وإيران في الساحل، أو قيادة «بيدا» في الشمال وهي تابعة في ظاهرها لأمريكا، أو قيادة الجيش السوري الحر وتوابعه وهي في ظاهرها تابعة لتفاهمات تركية عربية سعودية وقطرية باشراف أمريكي، دون أن تأخذ أمريكا وجهات نظر أحد من الأطراف الدولية بعين الاعتبار.
هذه الخطة لوزارة الدفاع الأمريكية هي التي تفسر الخلاف الأمريكي الروسي في سوريا، وعدم القدرة على التوصل لحل سياسي بينهما، وتفسر لماذا تعمل أمريكا على إدامة الحرب في سوريا لخمس سنوات ونصف، وهي مرشحة لإدامتها أكثر، لأنها تريد استنزاف الجميع للخضوع لخطتها، بشأن التقسيم العسكري والسياسي الذي رسمته وزارة الدفاع الأمريكية، والمخاطر التي لا يمكن أن توافق عليها تركيا هي جعل الكيان الكردي مسيطرا على كامل الشريط الحدودي الشمالي لسوريا، لما يسببه من خطر حقيقي وكبير على الأمن القومي التركي أولاً، وبحكم أنه سوف يكون فاصلا جغرافيا وسياسيا وعسكريا بين تركيا والدول العربية، إضافة إلى انه في مخطط البنتاغون يعتبر كيانا عسكريا تابعا لها، أشبه بقاعدة عسكرية أمريكية كبرى في المنطقة، تتفوق على القواعد العسكرية الروسية في الســاحل السوري في طرطوس وفي حميميم، وتتفوق على التواجد الإيراني العسكري في سوريا ولبنان والعراق وغيرها.
هذه المخاطر العسكرية والسياسية هي على الدول العربية أولاً، بحكم أن سوريا دولة عربية، وهذه المخاطر رغم ضخامتها على روسيا وعلى إيران، فقد تقبل بها روسيا وإيران بشروط، لأنها ستمنحهما دويلة علوية شيعية على الساحل تحفظ نفوذهما فيها، ويجري الآن تطهير عرقي للمدن العربية السنية من سكانها لتمرير هذا الاتفاق، مثل داريا والقلمون والزبداني وحمص وقسم من حلب وغيرها. هذا الخطر وبحكم قوته الدولية لا تستطيع تركيا وحدها منعه، فقد أصبح شبه اتفاق دولي، إن ما لا يمكن أن تقبل به تركيا هو إقامة دولة كردية على كامل الشريط الحدودي التركي السوري، حسب أطماع الأحزاب الكردية، وهو ما لم تعلن الإدارة الأمريكية الموافقة عليه حتى الآن، وإن لم تعلن وزارة الدفاع الأمريكية عن تبنيه، فهو ان تم، سوف يفصل بين تركيا والدولة العلوية أيضاً، وهو ما ليس في مصلحة روسيا ولا إيران ولا الدولة العلوية، ولذلك فإن هناك هدفا دوليا مشتركا في عدم جعل هذا الكيان الكردي (الأمريكي) على كامل الشريط الحدودي مع تركيا، فمصلحة روسيا بقاء تواصل جغرافي بينها وبين تركيا شمال سوريا، وكذلك المصلحة الإيرانية ومصلحة الدولة العلوية، ولذا فإن عــملـــية «درع الـــفــرات» له هدف واحد وهو منع امتداد الكـــيان الكردي غرب الفرات إطلاقاً.
وحجة تركيا في هذه العملية ان التركيبة السكانية لغرب الفرات لا تمكن حزب «بيدا»و»قسد» من إقامة كيان سياسي عليها، لأن الأغلبية السكانية فيها هي للسوريين العرب السنة، وكذلك للسوريين التركمان السنة، وأقلية كردية، ولذلك عملت ميليشيات «بيدا» و»قسد» على تطهير المدن والقرى التي تحتلها شرق الفرات، وكذلك ستفعل غرب الفرات لو سمحت لها قوتها العسكرية، بينما تتعامل تركيا مع القوة الحقيقية على الأرض شمال سوريا وغرب الفرات تحديدا، وهي قوة الشعب السوري صاحب الأرض، وصاحب المشروع الوطني والقومي، فتركيا لن تدخل حربا لمنع هذا الكيان الغريب، وإنما ستدعم الشعب السوري صاحب هذه الأرض لكي يدافع عن نفسه وأرضه ووجوده، وهناك مصلحة دولية كبرى لبقاء هذا القسم الجغرافي من سوريا خارج سيطرة «بيدا» و»قسد» بما فيها المصلحة الأمريكية نفسها، فأمريكا ليست بحاجة لكل الشمال السوري لإقامة تواجدها العسكري القسري هناك، وتستطيع ان تكتفي بشرقه أو بجزء من شرقه، وضمان ان القسم الغربي لن يكون معارضا إن لم يكن متحالفا معها.
لذلك فإن مستقبل «درع الفرات» يتوقف على تضحيات الشعب السوري بالدفاع عن أرضه وحريته واستقلاله شمال سوريا وغرب الفرات، حتى لا يكون شعبا من الدرجة الثانية أو مضطهدا من دولة «بيدا» و»قسد» إن سيطرت على غرب الفرات، والدور التركي يدعم الخيار السوري بالدفاع عن نفسه وعدم السماح باحتلالها أو اغتصابه من قوات «بيدا» و»قسد» وفي الغالب ان التفاهمات التركية الروسية والإيرانية ضمن هذه الرؤية، والأرجح ان أمريكا لا تعارض ذلك، ولكنها تقع تحت ضغوط وخداع الطرفين، لأنهما تورطا بخطط البنتاغون الأمريكي وهم يأملان السيطرة على أراض توصلهما إلى مياه المتوسط، ولذلك فإن تركيا دخلت في حرب دفاعية، ولا تريد أن تخوضها على انها حرب مع أمريكا، لأنها في الحقيقة ليست مع أمريكا، ولكن مع أطماع «بيدا» و»قسد» و «ب ك ك» (حزب العمال الكردستاني) فالأرض والجغرافيا والديموغرافيا هي لصالح الشعب السوري العربي والتركماني السني، وليست لصالح تلك الأحزاب الكردية المحتلة. «درع الفرات» أمامه طريق واحد هو النجاح والانتصار، ولكن هذا النجاح القابل للتحقق سريعاً، يتعرض لتحد آخر وهو الاستراتيجية الأمريكية التي تعمل لإدامة الصراع في سوريا منذ سنوات، ولذلك قد تستغل أمريكا الوضع لإرهاق تركيا عسكريا، حتى وهم يدعمون الشعب السوري لتحرير أراضيهم من الاحتلال، وهو ما تحتاج الحكومة التركية لمعالجته بصورة سريعة، حتى لا تدخل في الورطة الإيرانية ولا الروسية، التي جاءت لحسم الأمور في سوريا خلال أشهر، ولكنها تورطت في الاستراتيجية الأمريكية ولا تزال تعاني منها، فلا هي قادرة على حسم الأمور عسكريا، ولا قادرة على الانسحاب، فتركيا أمام خيار وحيد وهو إبقاء الصراع في حدوده السورية السورية أولاً، ودعــم الشعب السوري ضد الكـــيانات الانفـصــالية مهما كانت أهميتها شمال سوريا، وبالأخص التي تهدد الأمن القومي التركي.
محمد زاهد غول