المنفى، إنه عادة سيئة يجب أن نعتادها. والمنفى، مثلاً، هو شارع مدام، والنور الذي ينطفئ، والليل الطويل، وكآبة الفنادق الشاحبة. والمنفى، هو الحرب، حيث تسأم باريس هذا الفالس البنفسجي الزاهي، ورحى الحرب تدور ليلاً. والليل هو الذي يسوي جميع الأمور. كذلك فالليل هو الذي يضع كل شيء موضع التساؤل، من خلال السيارات البوليسية التي تنفرج نوافذها.
ومن خلال حيّ سان ـ جيرمان الذي يحسب أن كل شيء مباح له، فأين هي المنازل، وأين هم الأطفال الذين لا حقائب لهم، وأين هي الرومنطيقية التي تنطوي عليها السهرة الهادئة، وأين هم الجسورون الذين تبيح لهم جرأتهم أنوار القمر وأضواء الحب؟
وباريس هي عادة سيئة يجب على المرء أن يعتادها.
وكان خالد بن طوبال يجد دائماً المتكأ الذي يرتكز إليه للوصول إلى بغيته، فقد تأكد أن السفرة طويلة.
وصرير المفتاح في مثلث النحاس المذهب. والمنفى الذي يضيق ليصبح مجرد رقم فقير لغرفة في أحد الفنادق. والبواب الذي يتناءم، والحقيقة أنه لا يتظاهر بالنوم بل هو نائم حقاً.
وهذه الكف من الحبر الصيني على اللوحة، التي تشير إلى دورة المياه. إلا أنّ الشقاء بنفسجي. إنه فندق من الدرجة الثانية.
لكن كلمة مونيك تنتظر في مخدع الغرفة رقم 7. «لقد كتبت ذلك المساء. إنني أحب كثيراً كتابكم الأخير. هل تأذنون بأن أراكم ثانية، وهل تأذنون لي بتقبيل اليد التي تكتب؟».
كان تأخير البرهان أو حجبه يتعلق بسيمون. فقد أصبحت الحرب سجالاً تخمد هنا لتنشب هناك، إلا بالنسبة لخالد الذي يعلم أية ذريعة هائلة تقدّم الحرب للذين يهابونها فلا يخوضونها، وبالنسبة لمن لا تزال أكثر جمالاً من الخطأ، تلك التي تريد أن تهب نفسها لأنه ليس لديها ما تمنحه.
ذلك لأن للماضي جميع الحقوق، فهو يرجع دائماً، تارة بخطى وئيدة وتارة أخرى بشراسة، فيفرض نفسه ويفرض قانونه.
عندئذ لا أهمية في أن يكون هذا الموعد للقاء في رصيف الأزهار أو بالقرب من مضيق الرمال أو في أي مكان آخر. يقدّم نفسه فينحني كل شيء أمامه، فهو أشدّ ملكية من كافة الملوك. يجلب معه ضماناته ومعاييره، ويحمل شاراته ورتبه. يوشوش في زاوية الأذن ومن زاوية الوسادة، ويتكلم في ركن المدفأة، ويتكلم في الهواء الطلق. وهو وحده ليست له أغراض الحاضر الزائلة ولا ادعاءات المستقبل. فالتاريخ، التاريخ نفسه، لا يُكتب إلا في الماضي.
خالد هو الخطر. أفهمته مونيك ذلك في الحال. ذلك لأن خالد يفكر في الماضي، ولأن عينه بداية، لا تريد التحديق في البعيد. ولأن شعره الأجعد، القصير كالزبد الذي يلفظه البحر، واكلاً إليه مهمة تجميد نفسه. والبحر هو الماضي ولكنه بداية، هو الماضي .
أوقفت مونيك سيارتها بالقرب من بوفرون، وهو نهير مترقرق، يُسمع خريره. كانت الأشجار تمرح، وأحد القوارب يمعن برومنطيقيته متمايلاً بين القصب، والغابة تبدو بعيدة الغور.
وثمة ضفدع يتخبط، وأشعة القمر تتدلى من أغصان الأشجار، وفي مقرّ النهير يتراءى جسر صغير، مضحك وفاتن يتيه كأنه أثر من آثار الفن.
ويدنو القمر، في حين يكون البوفرون هاجعاً، والعشب يتوجس خيفة، فيفكر خالد: «إن فرنسا في ديارها جميلة، وفرنسا هنا لا تفكر بالحرب أبداً».
لكنّ ركبتَيْ مونيك مضتا شوطاً بعيداً، والبوفرون يسبح بأسطورة قديمة، والأشجار لا توشوش إلا الحبّ المتاح، وكان الصدر الذي يستنطق لغز نفسه، غبياً ولطيفاً، والأوراق ندية.
وهذه الممرات المرسومة لمطاردة الصيد، لم تجعل الغابة متحضرة، سهلة المسالك، على حين تتأرجح أضواء القمر بأغصان الأشجار.
وازرقت ركبتا مونيك من جانبيها المهملين. وثمة سلور يرقص مع القصب رقصة الفالس في البوفرون. ويستيقظ الليل في جسد مونيك فوق أرض الغابة السندسية.
كان خالد يحصب الساقية وتُحدث مساقط الحصباء نقاط توقف. ومونيك المرأة، تريد من يحضنها، إلا أن خالد كان يفكر بأمّه، فلا الركب المستديرة تمام الاستدارة، ولا النهد الصغير، هذا العصفور المسكين الذي يحتضن عاطفة محرمة، ولا الفم المتعطش إلى أن تُترجم النجاوى إلى أفعال، ولا الصديري الذي لا يتمكن من كبح جماح البرهان على مغرياته، ولا نبع الماء الحار الذي يتدفق في عروق المرأة… كانت تثنيه، فإنّ خالد كان يفكر بأمّه. ثم عبث الريح بالثوب. وكانت ريح الاشتراك في الخطيئة، فما من شيء يستطيع في الأمر شيئاً. لا الريح ولا اليمامتان اللتان استسلمتا إلى يدين آمرتين، حتى ولا البوفرون، حتى ولا السلوني، بل ولا الغابة.
كان خالد يقود السيارة في العودة. ومونيك تدندن بلحن حديث. وتشق السيارة طريقها في وحدة ثلاثية الأطراف: وحدة السهل، ووحدة الليل، ووحدة خالد.
من «ليس في رصيف الأزهار من يجيب»، ترجمة ذوقان قرقوط، 1999.
الحقّ في الكلام
ظلّ الأديب الجزائري مالك حداد (1927 ـ 1978) منقسماً بين قصيدة تتطلع إلى السرد، ورواية لا تملك فكاكاً عن الشعر؛ ولكنه، في غمرة هذا النواس الإبداعي المحبب والمثمر، كان حبيس اللغة الفرنسية، التي كتب بها مضطراً، وقلبه ينبض بعشق الفصحى، فلم يتردد في إطلاق صرخة الاحتجاج الحزينة والبليغة: «الفرنسية منفاي، ولهذا فقد قررت أن أصمت». صمته ذاك كان مأساوياً، بالطبع، لكنه أتى لحسن الحظّ بعد سلسلة أعمال سوف تبقى، على قلّة عددها، خالدة في ذاكرة الأدب الجزائري الحديث والمعاصر: «الانطباع الأخير»، و»سأهبكِ غزالة»، و»أنا المعلم والتلميذ» و»ليس في رصيف الأزهار من يجيب»، في الرواية؛ و»الشقاء في خطر»، و»أسمع وأناديك»، في الشعر؛ فضلاً عن عمل في السيرة بعنوان «الأصفار التي تدور في الفراغ».
إلى هذا، انتمى حداد إلى المقاومة الوطنية الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، خلال فترة دراسة الحقوق في جامعة إكس ـ أن ـ بروفانس في فرنسا، ثمّ بعد عودته إلى الجزائر؛ مثلما كانت قصائده ورواياته شهادات أدبية على نزوع عميق إلى المقاومة، وحسّ رفيع بطبائع منفى ـ جغرافي ولغوي، في آن معاً ـ لم يكبّل خطوط الالتزام الكبرى تجاه قضية الوطن الامّ، الجزائر. ورغم أنه ولد في قسنطينة، لأسرة أمازيغية توجب أن تمنحه الكثير من عناصر ثقافتها المتميزة، فإنّ حداد انتمى بقوّة إلى ثقافة البلد العربية، وإلى جهود التعريب، فأشرف شخصياً على رعاية عدد كبير من الأدباء الشباب عبر عمله في اتحاد كتّاب الجزائر، ثمّ وزارة الثقافة، في عهد الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين.
روحية التحرير، في معانيها الأعمق ومدلولاتها الشعورية والثقافية والأخلاقية، قبل تلك السياسية المباشرة، كانت مهيمنة على مزاج حداد وهو يرسم شخوص رواياته، أو يستلهم الرموز والاستعارات والمجازات في قصائده. ولهذا فإنّ المنفى، على تعدد أنماطه، ظلّ يقود حداد إلى رحابة إنسانية عريضة، في التعامل مع الآخر الفرنسي بصفة خاصة، وفي إقامة الصلات بين البشر على ضفتَيْ المعادلة الاستعمارية، بين الجزائر وفرنسا، وبين العربية والفرنسية.
السورية ملك أبيض العيسى ترجمت له سلسلة قصائد، بينها هذه التي يقول فيها: «مرّة أخرى.. سأكرر../ هناك صيادلة لا يملكون صيدلية.. ولا تضجر العقاقير/ لديهم في الدروج../ هكذا أنتم أيها الشعراء.. أيها الصيادون الذين لا / يصطادون الأسماك الناعمة إلا ليقدموا لها مياها أعذب / وأصفى.. أيها الصيادون الذين لا يضايقون القبرة إلا/ ليهيئوا لها دغلا أوفر راحة ودعة../ أيها الشرّاء الذين زُوّدوا بقليل من الجنون، وكثير/ من الحكمة../ أيها المحلقون وراء المغامرة الحقة، على طريق الفكر../ لكم وحدكم الحق في الكلام».
نصّ: مالك حداد