وسط كل هذا الهرج والمرج العربي، وهو بكل اسف النتيجة الاسوأ للربيع العربي، الذي ابرز ملامحه تهديد الكيانات العربية بالتفتت والتقسيم، وتفكك مؤسسات الدولة فيها وتهلهل سلطاتها لدرجة عجزها عن حماية نفسها، وإراقة الدم العربي في اقتتال بين جماعات كل منها يدعى وصلا بليلى الثورة، بحيث اصبح القتل عبثيا لا يعرف القاتل لماذا قتل ولا المقتول لماذا قتل، وهو ما حذر منه رسولنا عليه الصلاة والسلام في حديث شريف صحيح، مما يجعلها تسير حثيثا لتكون دول فاشلة حين تسقط مؤسساتها وتنهار هيبتها وتضعف قدراتها في هوة فوضى لا قرار لها. وسط ذلك كله ألا يحق لنا ان نسأل هل هذا ما استبشرنا به من الربيع العربي؟
عندما تفجر ذلك الربيع بدءا من تونس هللنا ورقصنا طربا بالحرية القادمة، حتى لم يعد هناك صوت يعلو على «هياج» الثورة، وان ظهر صوت يحذر وينذر من الفوضى ويطالب بوزن الأمور وحساب الخطأ، يتهم فورا بالانهزامية وبالعداء للثورة والعمالة للنظام، لم يعد احد يسمع او يصغي للعقل والتعقل، بل اندفع الجميع حاملين معول هدم أوطانهم وهم يظنون انهم يصنعون تاريخها من جديد، وكانت النتيجة ما آلت اليه أوضاع اليمن وليبيا وسوريا، وهي النموذج الذي سوف يعم ان لم نتدارك أمورنا.
نعم وألف نعم لحاجة الشعوب العربية للحرية، ولكن ليس لحد انفلاتها للفوضى القاتلة، وألف نعم لثوراتها على أنظمة فاسدة مفسدة، ولكن ليكن البديل افضل منها، وهذا لا يلغي مشروعية ان تنهض الشعوب لتصحيح أنظمتها وتقويم حكامها، بما يحقق لها الأفضل، ولكن ، واه من لكن، فقدت الثورات بريقها المفرح لعدم توفر البديل الوطني، فقد تسلق بعضها مدعوو النضال من اجل الحرية، ومن ثم جيروها لحساب الفوضى «الخلاقة»، التي توعدتنا بها كوندوليزا رايس منذ سنوات قليلة، وإذا لم يكن هذا الهرج والمرج هو فوضى رايس «الخلاقة» فماذا يكون إذن؟
قد تكون الأنظمة التى نجت من ثورات شعوبها تفرك يديها فرحاً من امثولة ربيع لم يجلب الا الفوضى والاقتتال، و علها تنام في مأمن من ثورات شعوبها التي وجدت في ثورات أشقائها درسا سوداويا، ولكنه فرح وأمان مؤقت لانها ان نجت من ثورة شعوبها، فلن تأمن من شرر الفوضى القادمة لا محالة، فدول جوار ليبيا واليمن وسوريا سوف تكتوي بنار فوضاها ومرشحة لحروب أهلية حين يمتد اوراها لداخل حدودها شاءت ام أبت، وان نأت بنفسها عما يجرى فيها، فذا حل اخرق من حل النعامة، لان ما يساق اليه العرب اليوم جميعا من فوضى يختلط فيها الحابل بالنابل، ما هو الا مؤامرة كنا نظنها وهما، وتخريفا هدفها تقسيمنا لدويلات طائفية وقبلية وعرقية.
مسؤولية العرب اليوم توجب، ان لم يكن واجباً قومياً ،فعلى الأقل دفاعا عن الذات، استشعارهم بخطورة ما هم منساقون اليه اذا تركوا أمنهم القومي ينزلق للفوضى، بأن يسارعوا لأخذ زمام أمرهم حتى لا يكون في يد الناتو او غيره من قوى دولية، ترى في وضع العرب المفكك اليوم فرصة لاستعادة هيمنتها على مقدرات الأمة، مجترة احلام الاستعمار القديم بنسخة جديدة بهدي من سياسة الاستعمار البريطاني الخبيثة «فرق تسد»، فهذه الفوضى تخدم تلك الأحلام الاستعمارية من جديد، وتؤمن لها فرص تدخل استعماري، كما تبدو ملامحه في ليبيا، حيث تحشد امريكا قوات في صقلية لتحين فرصة الانقضاض على نفطها بادعاء حماية الشعب الليبي من الفوضى.
لا منجاة للعرب اليوم الا باستعادة أمنهم القومي والاحتماء بوحدة موقفهم وإحياء اتفاقية الدفاع العربي المشترك والالتزام القومي بقضاياهم، فبعد تخليهم عنها جميعا شرعوا الأبواب للتدخل الأجنبي، بدءا من العراق وانتهاء بليبيا، حين سلموها للناتو وكانت النتيجة هي ما نحن عليه اليوم، والحبل على الجرار ان لم نستعد وعينا بامننا القومي العربي وعندها سوف نردد: «أكلت يوم أكل الثور الأبيض».
٭كاتب سعودي
نواف مشعل السبهان