هرتسوغ على حق

حجم الخط
0

لا يجب تأييد الافكار التي طرحها رئيس المعارضة اسحق هرتسوغ من اجل الاعتراف أنه يدخل إلى مخاطرة سياسية كبيرة. فهو يقود خطوة صحيحة ومحقة. حكومة اليمين لبنيامين نتنياهو تأخذ إسرائيل إلى طريق مسدود وهي ليست مستعدة للقول لا للعالم ولا لشعب إسرائيل، لكنها ترى صورة الدولة وحدودها. ورغم أنها تتحدث بصوتين، فمن الواضح أن هدفها هو الحفاظ على الوضع الراهن إلى ما لا نهاية، ولهذا تمنع الحل المطلوب الذي هو دولتين لشعبين.
الجمهور المعتدل في إسرائيل يؤيد شعار «العودة إلى طاولة المفاوضات» وكأن مجرد العودة اليها سيضمن الحل المتفق عليه. وهناك في اليسار من يتوقعون أن الضغط الدولي سيجبر حكومة نتنياهو على اجراءات لا توافق عليها. هذه فكرة غبية تتجاهل حقيقة أنه ليس هناك صراع قومي في العالم ـ لا في قبرص ولا في كوسوفو ولا في البوسنة ولا في كشمير ـ تم حله بواسطة الضغط الخارجي، حينما تكون الاطراف غير جاهزة أو غير قادرة على التوصل إلى حل.
إن المعارضة العلنية لسياسة «اجلس ولا تفعل أي شيء» لرئيس الحكومة دفعت اليسار والوسط إلى حالة من الجمود. يسهل بالطبع اتهام نتنياهو، لكن حكومات سابقة برئاسة اهود باراك واهود اولمرت، اللتين كانتا مستعدتين لتقديم تنازلات بعيدة المدى، ووجهتا بالرفض الفلسطيني.
لنفرض أن حكومة إسرائيل، برئاسة هرتسوغ، ستعود غدا إلى المفاوضات مع الفلسطينيين، فهل يمكنها أن تقدم لهم أكثر مما اقترحه اولمرت في عشرات اللقاءات مع محمود عباس، حيث رفض الاخير كل اقتراح واعتبره أساسا لمطالب اخرى؟ بعد عشرين سنة من المفاوضات الفاشلة يجب الاعتراف أن اتفاق اوسلو كان خطوة هامة، لكنه لم يحقق الهدف وهو اتفاق سلام نهائي بين حركتين قوميتين.
هرتسوغ يقترح الآن خطوة تسير في اتجاهين. الاول هو رؤية حلم الدولتين كهدف بعيد المدى. والثاني هو لأنه يصعب رؤية كيف يمكن تحقيق ذلك الحلم ومن اجل منع الجمود. فان على إسرائيل القيام بعدد من الخطوات الاحادية التي تقرب امكانية تحقيقه.
من الواضح لماذا يعارض اليمين أي خطوة احادية الجانب. ومن الواضح ايضا أنه سيتحدث عن نموذج الانفصال عن قطاع غزة كبرهان على أن هذه الخطوات ستفشل. هذا بالتأكيد غير صحيح. فلنتخيل فقط كيف ستكون إسرائيل إذا كانت المستوطنات في قطاع غزة ما زالت قائمة. كانت كتائب كاملة من الجيش ستتعرض للعمليات الإرهابية اليومية كما حدث قبل الانفصال. إن هجوم جهات من اليسار على هرتسوغ هو أمر غير مفهوم. ما الذي يعتقده من ينتقد أفكاره ـ إنهم يعتقدون أن ميرتس وحزب العمل إذا قالا ثلاث مرات في اليوم إنه «يجب العودة إلى طاولة المفاوضات» فان هذا سيقرب الحل. هل توجد لديهم افكار عملية حول كيفية علاج 300 ألف مستوطن في الضفة الغربية؟ كيف يمكن أن تصبح القدس عاصمة للدولتين؟ كيف يمكن حل مشكلة الاماكن المقدسة في البلدة القديمة؟.
في محاضرة اكاديمية يمكن الحديث عن الكثير من الافكار وايجاد تعبيرات جميلة مثل الحوض المقدس (مقدس لمن؟ لليسار العلماني؟). لكن في الظروف الحالية الصعبة ليس هناك فرصة لتطبيق هذه الافكار الجميلة. هل يعرف ميرتس كيف يقوم باخلاء المستوطنين أو أين ستمر الحدود في القدس؟ هل لديه خطة حول كيفية منع الإرهاب في المدينة المفتوحة والتي سيكون فيها نظامين؟ هل يعرفون في الحزب كيفية ضمان الأمن والوصول الحر للمسلمين واليهود إلى الحرم، لأنه غير واضح من لديه الصلاحيات والشرطة؟ هل يعتقد أحد في اليسار أنه مستعد للموافقة على اتفاق سلام حينما يعلن عباس أن أي جهة فلسطينية لا يمكنها التنازل عن حق العودة لأن هذا هو حق فردي لكل شخص ولذريته؟.
إن هذه المشكلات الصعبة قد يتم حلها في المستقبل. ونحن نأمل هذا، لكن ليس في ظل الوضع الحالي، حتى لو تشكلت حكومة جديدة وحتى لو نجح الفلسطينيون في اقامة سلطة وطنية شرعية تتغلب على الفوارق بين المواقف وتمنع الحرب الاهلية بين فتح وحماس.
إن ما يقترحه هرتسوغ الآن هو عدم قبول الفيتو المزدوج لنتنياهو وعباس، بل المبادرة إلى خطوات أحادية تهدف إلى التقليل من الاحتلال واعطاء الفلسطينيين درجة كبيرة من السيطرة على مناطقهم وتقليل مستوى اللهب. كل شخص في اليسار وكل شخص يسعى إلى السلام يجب عليه تأييد هذه الخطوات، وليس الهجوم على من يقترحها. اتفاق السلام النهائي بين إسرائيل والفلسطينيين هو أمر مثالي في هذه المرحلة. واليسار يقطع نفسه عن الواقع حينما يتمسك بهذه المثالية.
في النقاش الذي سيحدث في حزب العمل يجب التعامل بجدية مع الافكار التي يطرحها هرتسوغ. ويمكن أن نضيف اليها ثلاث خطوات:
٭ إنهاء ما بقي من حصار غزة والتحرر بشكل نهائي من موقف القوة المحتلة هناك. إذا لم تعد غزة منطقة إسرائيلية محتلة فان الحدود بينها وبين إسرائيل يجب أن تكون مغلقة مثل الحدود في هضبة الجولان. ومن اجل التسهيل على سكان غزة يمكن طلب المساعدة من الاتحاد الاوروبي لايجاد صيغة لترتيب المعابر. هذه لن تكون فعالة 100 في المئة. لكن هذا سيحررنا من المسؤولية الدولية حول ما يحدث في غزة. فليس هناك إسرائيلي عاقل يريد العودة إلى غزة.
٭ على حزب العمل تبني خطة اخلاء ـ تعويض للمستوطنين في الضفة الذين يريدون العودة إلى إسرائيل. ليس من السهل تنفيذ خطة كهذه، لكن إذا تم طرحها، يمكن القول إن هناك من سيطلب العودة إلى داخل الخط الاخضر والضغط على الحكومة ـ على حكومة نتنياهو ـ كي تجد لهم الحل الملائم. على حزب العمل الاعلان عن أنه إذا تشكلت حكومة برئاسته فستكون هذه خطوتها الاولى. وهذا سيضع تحديا حقيقيا أمام حزب «يوجد مستقبل» الذي لم يسبق له أن قال ما هو موقفه حول المستوطنات ومستقبلها.
٭ على حزب العمل التعهد بشكل واضح بازالة البؤر الاستيطانية غير القانونية.
وكل ذلك يستوجب تفكيرا شجاعا من خارج الصندوق. أنا أدرك مصاعب التخلص من الشعارات التي تبناها المعسكر المعتدل على مدى عشرات السنين. لكن إذا تبين بعد عشرين سنة أن اتفاقات اوسلو لم تؤدِ إلى سلام نهائي فانه يجب البحث عن بدائل. يمكن أن نعلق مع الشعارات القديمة والتهجم على حكومة اليمين، لكن هذا لن يؤدي إلى حل الصراع ولن يؤدي إلى تغيير الحكومة.

هآرتس 2/2/2016

شلومو أفنري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية