يوم الأربعاء كنت في بحيرة طبريا، ذهبت لزيارة صديق، كنت في صحبة من الإسرائيليين الطيبين الذين يدعمون كل سنة مجموعة من الفتيان والفتيات من ذوي الاحتياجات الخاصة وينظمون لهم مخيمًا صيفيًا لأسبوع تقريبًا. وهم في هذه اللحظة يكافحون في سبيل وجود المنظمة التي تعنى بالأطفال؛ فهذه الأرض في إسرائيل تتحرك كل الوقت وتتغير فيها القواعد، أما المطالب والإساسات الأكثر تهالكًا فهي في الهواء.
اهتزت الأرض، حقًا اهتزت، ففي الفجر روى لي الصديق أنه شعر بشيء ما يتحرك في الخيمة، بعد ذلك جاءت التقارير من سكان طبريا، والعفولة، وغيرها من البلدات في الشمال. المياه الزرقاء في بحيرة طبريا لم تشِ بما يجري من تحت الأرض، كما أن المياه الخضراء لنهر الأردن الجنوبي، التي تتلقى القليل جدًا من الماء من البحيرة، بدت هادئة. أما الريح فقد حركت بلطف فروع الشجر، لا شيء تحرك خلاف ذلك. وفي المساء ثمة هزة أخرى، وفي الليل واحدة تالية، وفي نهاية الأسبوع كلنا نتحدث عن الاستعداد، ثم نتجاوز الأمر في الأسبوع القادم، ومع ذلك فهناك نصف نهائي المونديال.
كان هذا تذكير طيب بما في وسعنا أن نفعله وما هو أبعد من قدراتنا، فالهزة الأرضية التالية لم نتمكن من منعها، بل وحتى من توقعها، ولكن يمكن الاستعداد لها. المشكلة هي أننا لا نعرف بالضبط التفاصيل، كما الحال في باقي الساحات التي تتصدى لها إسرائيل. وحسب موقع قيادة الجبهة الداخلية، فإن المباني التي بنيت قبل العام 1980م لا تستوفي شروط المواصفات الإسرائيلية لاحتمال الهزات الأرضية. كما يتبين بأن المباني التي توجد فيها غرف محصنة تعدّ منيعةعلى نحو خاص. كل بيت يحتاج إلى شرفة، وكل شقة ملزمة بغرفة أمنية، هذا هو المشروع القطري القادم، أما الأرض فهي المحفز.
الهدوء يستجاب بالهدوء
بشكل غريب فالأمر يشبه ما يحصل في سوريا: فالهزة الأرضية السياسية ـ الأمنية ـ الاقتصادية، خلفت مجتمعًا محطمًا، ولكن المبنى الوحيد الذي نجاهو مبنى الحكم. الأسد هو المنتصر في برنامج الواقعية التلفزيوني «البقاء ـ الحرب الأهلية». ممثل الطائفة العلوية، مجرم الحرب، رجل الغاز، طبيب العيون الذي يرى من مسافة متر، نجح في أن يشق طريقه بين الكراهيات الشيعية والسُنية، بين إيران والسعودية، بين فلاديمير بوتين ونتنياهو، والعودة إلى دمشق. فقد نجا فيما أن كل ما تبقى قد انهار.
إن خطة إسرائيل لتعزيز الحدود بواسطة الجيرة الطيبة والمساعدة لسكان سوريا، هي خطوة شجاعة، ومهمة، وأخلاقية، ومتأخرة. فإسرائيل متعلقة برئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب وبرغبته في العودة إلى الديار؛ فقد كان هو أول من ترك لمصيره المحيط في سوريا. لم تتبنه إسرائيل، ولكنها ستهجره مثلما هو الحال دومًا، لأن المصالح تتغلب على كل شيء.
«لم تخرج إيران من سوريا»، هذا ما قالته لي قبل سنتين شخصية أمنية رفيعة المستوى في إسرائيل، وقد شرح يقول: «هذا بسيط، ليس لبوتين قدرة على إحداث ذلك، حتى لو وعد». أما هذا الأسبوع فقد قالت روسيا ذلك علنًا: لا يمكن إخراج إيران من سوريا، نقطة. «إيران لا تعتزم التخلي عن نفوذها وتواجدها في سوريا»، يقول أودي سيغف، وهو باحث كبير في معهد بحوث الأمن القومي، ويتابع: «فهي تغرس قادة الحرس الثوري ومقاتلي الميليشيات الشيعية التي تأتمر بإمرتها في صفوف الجيش السوري، الذي يقاتل ضد الثوار في الجنوب بميليشيات النمور وميليشيات الدفاع الوطني».
تقف محافل المعارضة وقوات الثوار في سوريا أمام السيناريو المعروف لهجر الدول المؤيدة لهم في لحظة الاختبار. هذه المرة هؤلاء هم الولايات المتحدة، والأردن وإسرائيل، الذين أيدوا قوات الثوار، وبالأساس الجيش السوري الحر، والآن يقفون جانبًا ويسمحون للتحالف المؤيد للأسد بضربهم وضرب المواطنين السوريين الذين يسكنون في المجال الذي تمترسوا فيه.
وعلى حد قول ديكل، فإن رئيس الهيئة العليا للمفاوضات عن المعارضة السورية، ناصر الحريري، شجب ما وصفه «الصمت الأمريكي» في ضوء الهجوم، وادعى بأن «صفقة سافلة» فقط يمكنها أن تشرح انعدام الرد الأمريكي في ضوء ما يجري.
في الأسبوع الماضي نزح نحو ربع مليون نسمة من بيوتهم في أعقاب القتال، هكذا يتبين من معطيات نشرتها الأمم المتحدة. معظم النازحين يتمركزون قرب حدود الأردن وبضعة آلاف استقروا قرب حدود إسرائيل، في المنطقة المجردة من السلاح على الحدود بين الدولتين وفقًا لاتفاق فصل القوات بينإاسرائيل وسوريا من العام 1974م. إسرائيل، التي تقدم المساعدة الإنسانية للنازحين ممن استقروا على مقربة من الحدود الشمالية، أعلنت عن أنها لن تسمح للجيش السوري بالدخول إلى المنطقة المجردة من السلاح، وعلى سبيل استعراض التصميم عززت قواتها في هضبة الجولان.
ويضيف ديكل بأنه «لا يمكن تجاهل الغموض الأخلاقي لإسرائيل في ضوء المصلحة الأمنية. ولكن يمكن الحفاظ على سلسلة من القواعد والخطوط الحمراء. ونتنياهو يفعل هذا بنجاح في السنوات الأخيرة في الجبهة الشمالية. الفكرة هي حرية العمل حيال إيران في سوريا، بل إن هذا مفضل من ناحية عملياتية. والثاني هو منع تعاظم القوات، أما الثالث فهو سياسة الهدوء على الحدود، فالهدوء يستجاب بالهدوء وبالمساعدة».
في ضوء هذه الأحداث يطرح السؤال إذا ما كان ينبغي مواصلة نزع الشرعية عن الأسد أم التسليم بالواقع بأنه عاد وهذا هو. ويوصي ديكل بابتلاع الريق والسير في اتجاه خطوة متداخلة ويقول إن «إسرائيل اختارت التسليم بالميل بأن الأسد ينتصر في الحرب الأهلية، والأمل بأن يفوق النفوذ الروسي في سوريا نفوذ إيران. والآن نجد أن إسرائيل مستعدة لأن تسلم بعودة سيطرة الأسد على مجال الحدود، في ظل الفهم بأن قواته مدعومة من الميليشيات الشيعية وجيشه موجه من ضباط إيرانيين. وكل هذا في توقع عابث بأن روسيا ستبعد القوات الإيرانية وفروعها عن سوريا.
ومع ذلك، ففي إسرائيل تجربة إيجابية لحدود هادئة ومستقرة قبل الحرب الأهلية؛ فعندما كان الأسد يسيطر في هضبة الجولان ويشكل لها عنوانًا مسؤولاً لما يجري خلف الحدود، يبدو أن إسرائيل تقدر اليوم بأنه وفي الوضع الجديد ستكون للأسد مصلحة في الحفاظ على الهدوء في الحدود، لأن مصالحه لا تتطابق تمامًا ومصالح إيران وحزب الله. وإذا كان هذا هو الوضع، فمن الصواب أن تبدأ إسرائيل بخوض حوار مع نظام الأسد، في هذه المرحلة على ما يبدو من خلال روسيا، لتثبيت الاستقرار والهدوء في هضبة الجولان، وتحديد قواعد اللعب والبحث في القيود على الوجود الإيراني.
إلى جانب ذلك، على إسرائيل أن تواصل إبداء التصميم على منع بناء بنية تحتية عسكرية إيرانية في سوريا، مع التشديد على القدرات التي تهددها، وكذا مواصلة الاحتفاظ بورقة الضرر التي يمكنها أن تلحقه بنظام الأسد إذا ما خرج عن التفاهمات وعن قواعد اللعب المقررة.
نعم، على إسرائيل أن تقرر قواعد الجيرة الطيبة، دون الدخول إلى هوية الجار والسؤال إذا كان مجنونًا، منبوذًا أو متزمتًا. ما هو خير في الجولان سيكون خيرًا حيال حماس في غزة أيضا. من المجدي العمل على الأساسات الآن، قبل أن تأتي الهزة الأرضية الإقليمية التالية.
معاريف 6/7/2018