هشام جابر وركاب سيارته جيل يطلق نقده عبر موسيقى الجاز

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي» من زهرة مرعي: لم يعد الهدف الثقافي الممتع والمفيد الذي يقصده الفرد، مسجوناً في قوالب من الصرامة والإتيكيت القديمة العهد، بحيث يكون عصياً على الاستيعاب، ويستلزم تركيزاً ليصل.
جيل الشباب الناشط في أمسيات بيروت تمكن وبالتدريج من إدخال نداوة ربيعية جذابة إلى عالم الثقافة، ومنحه حياة يحتاجها. مترو المدينة، الممسك بأول إحداثيات شارع الحمراء النشيط، بات حدثاً وحديثاً منذ انطلاقته، وهو يلج الآن عامه الرابع، إلى برمجة سهراته المتبدلة يومياً ولجت فرجة غنائية رائعة هي «أغاني سرفيسات». عرض يلعب أسبوعياً، ويجتذب مزيداً من المعجبين، هو الفنان هشام جابر «المدير التنفيذي لمترو المدينة» سائق سيارة الأجرة تلك، ومعه حشد من الركاب، لكل دوره. بينهم المغني، الكاتب، الملحن والعازف. هي خلطة اجتماعية، سياسية، وفنية ساخرة نتابعها على مدى أكثر من ساعة، بمتعة فائقة، تقدمها مجموعة شبابية آلت على نفسها ابتكار فن من الناس وإلى الناس.
يصح وصف هشام جابر بشيخ الساخرين بعد متابعة هذا العرض بشوق. فهو ومنذ ولوجه المسرح متمترساً خلف مقود سيارته المفترضة، مطلقاً أغنياته، يبدو كتلة متكاملة من النقد الساخر. جميعه، من نفس، دورة دماء، صوت، شكل شبه جامد، يشترك في منح الموقف ما يطلبه من تقنيات بشرية خاصة. بنبرة صوت ساخرة يبدأ سائق السرفيس هشام جابر أغنيته الأولى «لبنان زينة البلدان… عقول مغشوشة… أجيال ملطوشة». ويتخللها نسيج من أغنيات معروفة كمثل «راجع راجع يتعمر. وسيجنا لبنان». هو التهكم بعينه. فهذا الفنان لا شك يؤسس من حيث يدري أو عبر الصدفة ليكون معْلماً في هذا النوع من الأعمال الفنية. فهو قادر على الاستفادة من كل لحظة على المسرح ليعلن فيها عن جديد لافت، حتى من دون تعبير، وبسلاسة وبراعة تامين.
في لبنان وبيروت تحديداً «السرفيس» وهو التنقل عبر سيارة الأجرة جزء من حياة الناس. وفيه يتاح لمن يرغب التقاط بعض من نبض الشارع، مواقف الناس، وتعبيراتهم عن هذه القضية أو تلك. إذ يُعرف عن المسرحي والفنان هشام جابر أنه يستعمل في حركته وسيلة النقل تلك. وقد عُرف كذلك عن الراحل حسن علاء الدين «شوشو»، قوله بأنه كان يستمد موضوعات مسرحه من خلال حواراته مع سائقي السرفيسات والركاب.
العرض الذي يقوم على الأغنيات منطلقاً من عنوانه «أغاني سرفيسات»، ويستعين بطبيعة الحال بالكوريغرافي والسينوغرافي غير المفتعلة التي تضاعف من سخرية الموقف، يحمل اسماء أغنيات بحد ذاتها مثيرة للحشرية والعجب معاً. منها: أنا زي سنوبي ولد غلبان. جسمك لبيس. لبنان زينة البلدان. وظوظ الموتو. وزنك واطي. بينقوا. بنموت ببعض. أما على المسرح الممتد بوسع الصالة، فلشد ما يلفت الانتباه عازف البيانو. هو على الدوام يعطينا كجمهور خلفيته، في ما ينم ما ظهر على رأسه أنه جزء من خلفية «سيارة السرفيس».
مغنيات شاركن بحماس في هذا العرض ومنهن من لها جمهورها الذي يستقبلها بإعجاب لرنين الشعار «صوت برز بتميز في برنامج سوبر ستار» حضور غير لها صورتها التي تناغمت مع لون الطرب. تعني بإيقاع بطيء نقدي لحبيبها «قلّي ليش دايماً بتعمل معي كبيش.. كأنك دركي وأنا جيش». هي إشارة لصراع خفي على النفوذ بين مؤسستين عسكريتين. وبروعة متناهية، وخفر لذيذ ولجت ساندي شمعون ميادين القاهرة لتؤدي «أنا زي سنوبي ولد غلبان كنت مشعبط في الميدان». فيها سرد نقدي لمآل ثورة الشباب في مصر كرمز للعالم العربي برمته. لساندي مريدوها ومشجعوها في مترو المدينة. وهي بدورها متمكنة من إلباس صوتها عرضاً مسرحياً يتماوج مع التعبير، ومن تحريك جسدها بخفة فراشة تمايلاً في حال الضرورة.
وجهاً لوجه يقف المتلقون لعرض «أغاني سرفيسات» مع أفكار وهواجس ورؤى جيل الشباب. هم فنانون شباب يقولون ما يرونه نافراً ومراً في وطنهم. وفق ملاحظاتهم أن لبنان لم يعد بلداً نتغنى به كمصيف يرحب بالضيف. ولا مصرفاً يطمئن فيه الأثرياء إلى جنى العمر من العملة الخضراء، بل هو كذلك وبـ»فخر» بلد «النسوان المنفخة والرجال المفخخة».
مجموعة فنية تتشارك في تظهير «أغاني سرفيسات» لتصلنا بشكلها المتكامل والمتقن وهم: هشام جابر «غناء»، مارك ارنست «بيانو»، خالد عمران «كونترباص وغناء»، عماد حشيشو «عود»، وسماح أبي المنى «أوكورديون»، أحمد الخطيب «إيقاع وغناء». وفي العرض كذلك أصوات نسائية صارت معروفة من قبل رواد مترو المدينة، هنّ: ياسمينا فايد، ساندي شمعون ورنين الشعّار. هو عمل فني جماعي بامتياز، ومع ذلك لهشام جابر بصمته الكبيرة في تأليف وتلحين وتوزيع القسم الأكبر من الأغنيات الـ13 التي تضمنها العرض. أما التوزيع فكان لمارك ارنست والفرقة. وكان لخالد عمران الفنان السوري العضو في فرقة «طنجرة ضغط» كتابة وتلحين أغنية «سيلكون». ولحنّ الموسيقي وعازف العود زياد الأحمدية أغنية «يا ولد». هو تأليف وتوزيع موسيقي ينتمي للجاز.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية