هــل نعـيش حالة « إعلان الحرب» على الحُـلـم الأمـريكـي؟

حجم الخط
1

شكلت الهجـرة إلى بلاد «العم سام» حُلـمـا راود الكثيرين من مختلف بقاع العـالـم، لكونها أرضا تُتيح فرص الارتقاء الاجتماعي والبحث العلمي والتفوق الأكاديمي للجميـع بغض النظر عن الانتماءات الدينية و العرقية و اللغويـة.
وقـد ساعد على ترسيخ هـذه الفكـرة العـديـد من النماذج الفكرية والفنية والرياضية التي اتخذت من بلاد «تمثال الحرية» منصتها للتفوق والإبداع، كما ساهمت وسائـل الإعـلام واستوديوهات هــوليــوود في تشكيل تصور خـاص عـن العيش والحياة في الولايات الأمريكية حتى أصبحت الهجرة إلى هنــاك، حلــما قـبل كـل شيء.
بالمقابل فقد اعتبرت أمريكا الهجرة والمهاجرين مصدر غنى وتنوع ومشتلا خصبا للعديد من الموهوبين والطاقات في كل الميادين؛ كما أنه ومع تراكم سياسات الهجرة وأثرها في الحياة الأمريكية، أصبح الملـف يشكل زاوية مهمة في نقاشات ساخنة للأحزاب السياسية واللوبيات الاقتصادية، بل أصبحت الهجرة ورقة انتخابية، مما جعل الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية دونالد تـرامب يؤكد في كل تخريجاته الإعلامية أثناء الحملة الانتخابية على عزمه بناء حائـط حـدودي مع المكسيك يمنع الهجرة غير الشرعية ويحُـد من الجريمة، إضافة إلى تلويحه بطرد 11 مليون مهاجر غير شرعي..
وقـد لـقيت السياسة الحمائية أو «أمريكا أولا « التي أعلنها ترامب قبولا لدى المواطن الأمريكي المرهق جراء تداعيات الأزمة الاقتصادية، ونقلت المهاجر من مصدر غنى إلى مصدر قلق وإزعاج وسارق لفرص عمل الأمريكيين! أكـثر من هـذا، وبعـد مـرور أسبوع واحـد فقـط على تنصيب دونالد ترامب كرئيس لأمريكا، أصدر مرسوما تنفيذيا» يمنع بموجبه مواطني سبع دول إسلامية من دخـول امريكـا، وهو القرار الذي أثار موجة كبيرة من الاستنكار والانتقاد وصل إلى درجة صراع بين القضاء الفدرالي والرئيس الأمريكي، بالإضافة إلى استنكار كبير من طرف فعاليات حقوقية ومدنية وإعلامية وأكاديمية مرموقة.
موجة الانتقادات هاته ستُواكبها انتقادات أخـرى بخصوص الجدار الحدودي بين أمريكا والمكسيك، سواء من حيث دوافعه أو حتى بخصوص تكاليف إنجازه.
وسيزداد ملف الهجرة اشتعالا بإعلان الرئيس ترامب في آب/ اغسطس 2017 عن مبادرة لتقليص عدد المستفيدين من نظام القرعة السنوية «الكْرين كارد» المعمول به منذ سنة 1995 في إطار تنويع الهجرة نحو أمريكـا…
وقد أبرز ترامب من جهته، بعض حسنات هذا التقليص، معتبرا بأنه سيقوي من تنافسية الاقتصاد الأمريكي ويفتح مجال الهجرة أمام « العمال المتأهلين « فقـط، و يسمح بتدبير ميزانية المساعدات الاجتماعية و قبـل هـذا يحـد من منافسة المهاجرين للعمال الأمريكيين في سوق العمل وتدني الأجور…؛ لكنها حسنات لم تقنع حتى بعض حُكـام الولايات التي تعتمد في اقتصادها على اليد العاملة المهاجرة خاصة في ميدان الـفلاحة والخدمات ومجال الصناعة، مما جعل من موضوع إعـادة هيكلة يانصيب «الكرين كارد» معركة تشريعية وحقوقية وإعلامية كبيرة ستعرفها الساحة الأمريكيـة في المستقبل القريب…
لم تقـف «ماكينة» ترامب عند هذا الحد، بل سيدْخل مصير حوالي 800 ألف شخص مستفيدين من برنامج «ديكا» إلى حلبة الصراع السياسي، بعد أن وضع الرئيس ترامب حدا لهذا البرنامج يوم 5 آب/اغسطس 2017 وحدد مدة ستة أشهر للكونغرس من أجل إيجاد حل بـديـل لـبرنامج « ديـكـا «. وللتذكير فإن برنامج «ديكا» كان قد أطلقه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما منذ سنة 2012، من أجل حماية الأطفال القاصرين المرافقين لآبائهم المهاجرين غير الشرعيين من الطرد بشروط منها مثلا التواجد بأمريكا قبل سنة 2007 أو عدم تجاوز سن هؤلاء الأطفال 15 سنة مع ضرورة نظافـة سجلهـم العدلي…
وهـو برنامـج أصدره أوباما بمرسوم رئاسي بعد أن عجز الكونغرس عن المصادقة على قانون يتضمن الـتنمية والإغاثة و التربية للمهاجرين القاصرين، أو ما يُـعرف اختصارا بـ»دريـماكت «، وأتاح للأطفال الذين ترعرعوا بأمريكا متابعـة الدراسة وكذا العمل، لأنهم لا يعرفـون أمة أخرى غير الأمريكية، لذلك فالمستفدين من برنامـج «ديكا» يُـطلق عليهـم اســم « الحالمون «.
الرئيس دونالد تـرامب وجيف سيسيون وزيـر العدل الأمريكي، لم يخفوا رفضهم لهؤلاء الحالمين، معتبرين إياهم مهاجرين غير شرعيين، وبالتالي فهم يضايقون المواطنين الأمريكيين في فرص العمل؛ بينما عبر بول رايــن رئيس البرلمان عن رغبته في الوصول إلى توافق من أجل حل تشريعي دائــم.
كما كان كل من»ديكا» و»دريـمأكت» موضوع سجال سياسي وقانوني بين الجمهوريين والديمقراطيين، واختلفت التبريرات حسب المصالح الإنتخابية و كذا الإقتصادية! وفي نفس السياق عبر أوباما عن امتعاضه من ايقاف برنامج «ديكا» و الاتجاه نفسه ذهبت إليه كبريات المنابر الإعلامية الأمريكية؛ أما مارك زوكربيرغ (مؤسس فيسبوك) فـقد علق على قرار وقف برنامج ديكا «باليوم الحزين» كما خرج طلاب مدينة دينيفـر بكولورادو من أقسام الدراسة احتجاجا على قـرار ترامب بوقف برنامج « ديكـا».
بالرغم من ذلك يبدو أن الرئيس الأمريكي ترامب ماض في تنزيل مقومات السياسة الحمائيـة أو « أمـريكا أولا « على مقاسات معينة خاصة بسياسته الجديـدة الهجـرة التي كـان قـد أعلنها في حملته الانتخابية، ولم تمنعه من ذلك إكراهات الممارسة السياسية أو الاصطدام مع المنظمات الحقوقية والخصوم السياسيين.
فهل سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة في مجال الهجرة، التي تعتمد على معايير التضييق والتقليص وتسعى إلى إعادة النظر في كل القنوات والممرات القانونية الخاصة بالدخول والعيش بأمريكا، بدءا من «الكرين كارد» و برنامجي «دريم أكت» و»ديكا» ونظام التأشيرات وغيرها تُمثـل اغتيالا الحلم الأمريكي؟ وهل هو إعلان عن نهاية فترة اعتبرت فيهــا أمريكـا أرضا للحرية والتضامن والعدالة واستقبال المهاجرين و اللاجئين؟

الأمين العام لمجلس الجالية المغربية في الخارج

هــل نعـيش حالة « إعلان الحرب» على الحُـلـم الأمـريكـي؟

عبد الله بوصوف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية