أقدّر جدا قرائي الأعزاء ومتابعي ما أكتب، وأحترم تعقيباتهم، فالكاتب أصلا يكتب لهم، وبدونهم لا قيمة تذكر للكتابة. كنت أتمنى أن أناقشهم وأرد عليهم واحدا واحدا لأعطي كل واحد منهم حقه في نقاش كل قضية سياسية أو اجتماعية، خصوصا أولئك الذين يطلبون رأيا وردا على تعقيباتهم.
في الأسبوع الأخير عقّب على مقالتي «العروس دنماركية والدبكة فلسطينية» أخ بتوقيع اسم (محمد)، وطلب أن أضيء له قصة «صمود» مجد الكروم في الجليل، أنا أسميه بقاءً وليس صمودا، وهذا ينطبق على حوالي (60) قرية في الجليل بقيت وهجّرت جزئيا، أما البقية حوالي (160) قرية (في الجليل لوحده) مسحت ودمرت، ومن أصل 210 آلاف مواطن عربي في الجليل بقي فيه 70 ألفا فقط من العرب. سأحاول ذكر الأسباب العامة لبقاء من بقوا باختصار وبدون تفاصيل، لأن الموضوع فيه كتب ودراسات ويحتاج لدراسات أخرى، ولكن أهمها برأيي هي دراسة الدكتور عادل مناع التي مزجت بين الشهادات الشفوية التي جمعها من أهل مجد الكروم وغيرهم، ومن أرشيف وزارة الجيش الإسرائيلي والصحف، في كتابه بعنوان «نكبة وبقاء- حكاية فلسطينيين بقوا في حيفا والجليل 1948-1956).
بعد صدور قرار التقسيم عام 1947 الذي رفضه العرب، بدأت عمليات طرد للفلسطينيين من المناطق المعدّة للدولة اليهودية، خصوصا في منطقة الساحل، على شكل هجمات متفرقة هنا وهناك بصورة محدودة في المواقع التي لا حماية فيها للفلسطينيين، وبدأت علميات الطرد تتصاعد في نهاية عام 1947، ثم مع مطلع عام 1948 استمر طرد السكان بتصاعد بعد كل مناوشات وقتال بين اليهود والعرب، وبدأت حركة النزوح في تصاعد حتى قبل إعلان الحرب رسميا، وفي التاسع من ابريل وقعت مجزرة دير ياسين التي كان لها تأثير نفسي كبير، وقبل إعلان قيام إسرائيل في منتصف مايو كانت القوات الصهيونية قد طهرت كل الساحل الفلسطيني، شمل المدن الكبرى ومئات القرى، وضواحي القدس، وصفد في الجليل الأعلى ودمرت القرى حولها، وتم تهجير مئات آلاف الفلسطينيين، حسب إحصاءات الأمم المتحدة، وبعد إعلان الحرب في منتصف مايو تعطلت الجبهة السورية واللبنانية والأردنية بسرعة، وبدأ الضغط على الجبهة المصرية، كل هذا قبل أن تصل الحرب إلى قرى الجليل الغربي، التي كان قد دخلها جيش الإنقاذ، وتمترس جزء منه في سهل مجد الكروم بقيادة عراقية. كان هول الكارثة واضحا، بل وصدر قرار أممي بإعادة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم حتى قبل احتلال بقية الجليل، ولكنه لم يمنع مواصلة هدم وتهجير عشرات القرى.
أعلنت هدنة في يوليو عام 1948 بين الصهاينة والدول العربية قبل سقوط كل الجليل الذي كان فيه 220 قرية بقي منها 70 فقط، بينما دمرت وهجرت البقية، واتضح حجم الكارثة، ونشأت خلافات في القيادة العربية حول إقامة كيان فلسطيني في الجزء المتبقي من فلسطين أم ضم هذه الأجزاء للدول العربية المجاورة، فأيدت مصر وسورية والسعودية إقامة حكومة فلسطينية وإقامتها في غزة، ورفض الأردن الفكرة. من يوليو 48 حتى آخر أكتوبر كانت فترة فر خلالها الكثيرون من سكان الجليل خوفا وهلعا مما سمعوا من المهجّرين الذين وصلوهم من قرى ومدن الساحل، أو القريبة منه، ليقينهم بعدم القدرة على مواجهة القوات الصهيونية المنظمة والمدربة التي وصلت أعدادها إلى أكثر من 100 ألف مقاتل على كل الجبهات، وتدفق السلاح الحديث عليهم والأنباء عن صفقة السلاح التشيكية الشهيرة، وإعلان عصبة التحرر الوطني الفلسطيني انضمامها للحزب الشيوعي الإسرائيلي لـ»مكافحة الإمبريالية والرجعية». أما جيش الإنقاذ الذي كان في سهل مجد الكروم، فكان واضحا لضباطه عدم القدرة على المواجهة بعد انهيار الجبهات الرئيسية.
– كانت ثقة كبيرة قد نشأت بين أهل قرية مجد الكروم وبين جيش الإنقاذ الذي ساعدهم في جني محاصيلهم خلال الصيف، مقابل بعض المؤن وحتى غسل ثياب جنوده، وشكّلوا لجنة مشتركة من أهل القرية وجيش الإنقاذ على التعاون وفض أي مشكلة أو سوء تفاهم قد يحدث. بعد مناوشات من الجهة الغربية للقرية مع القوات الغازية استمرت أشهرا، جمع الضابط العراقي أهل القرية ليلة 29 أكتوبر 48 وأخبرهم بأن جيش الإنقاذ سينسحب في اليوم التالي، وأن هناك اتفاقا على هذا، ولا جدوى من المقاومة بعد احتلال كل المدن الفلسطينية، وطلب من الأهالي وهو يدمع البقاء في بيوتهم والحفاظ على قريتهم ونصح الشباب الذين شاركوا في القتال بالهدوء حتى تتبين الأمور، وكان قد بلغ عدد المسلحين من أهل مجد الكروم بضع عشرات بجهود ذاتية، انضم إليهم عشرات من اللاجئين من القرى المهجرة، خصوصا من رجال «حامية شعب» من قرية (شعب) القريبة التي احتلت وهُجّرت.
– قبل هذا كانت قد استسلمت القرى الدرزية مثل يركا وجولس التي تحدّ مجد الكروم من الشمال الغربي، وقرى من حولها مثل أبو سنان وكفر ياسيف والجديدة والمكر ودمرت قرى كثيرة. في 30 أكتوبر، وبعد انسحاب جيش الإنقاذ وقّع ثلاثة وجهاء من مجد الكروم اتفاقية تسليم القرية بوساطة وجهاء دروز من عائلة معدي من قرية يركا، تم توقيع الاتفاق في قرية البروة المحتلة التي تحد مجد الكروم من الغرب. بعد دخول الصهاينة القرية سلم السكان 20 بندقية، فيما بعد وفي حملات التفتيش تم العثور على 15 أخرى .
لم يكتف الصهاينة بمن هاجر خوفا وطمعوا بتهجير المزيد، فقتلوا 11 شابا بعد أيام من استسلام القرية على ساحة العين أمام الناس، لترهيبهم وحثهم على الفرار، واتضح أن المجزرة نفسها تكررت في كل قرية احتلت للهدف ذاته، ولكن في عمليات أفظع بكثير مثل مجزرة الصفصاف. رغم احتلال قرية مجد الكروم في 30 أكتوبر فإن الإحصاء الرسمي للسكان لم يجر فورا، بل جرى تسجيل أولي فقط، وقبل التسجيل الرسمي قامت القوات الصهيونية بعملية طرد واسعة شملت 536 شخصا من أهل مجد الكروم ومن اللاجئين فيها، وفقط بعد هذا سلموا الأهالي قسائم تسجيل السكان الرسمية في 17 -18 مارس 1949. هذا يعني أنه بين يوم الاحتلال والتسجيل الرسمي عدة أشهر جرت محاولات كثيرة للعودة إلى القرية استمرت حتى سنوات الخمسينيات وسمي من قاموا بهذا (المتسللون) الذين إما كانوا يقتلون أو يموتون في الوعور، أو أن ينفوهم مرة أخرى إلى دولة مجاورة، وقلة منهم استطاعت أن تعود من خلال قاعات المحاكم وإثبات وجود الشخص في يوم احتلال القرية، فقد كان على الصهاينة أن يثبتوا للعالم أنهم لم يطردوا الناس من بيوتها وقراها، وتلك قصص وحكايات أخرى فلكل واحد قصته ولكل أسرة روايتها.
كاتب فلسطيني
سهيل كيوان