الناصرة ـ « القدس العربي»: وديع عواودة: تواصل المحاولات الإسرائيلية لاستكمال احتلال التاريخ بعد الجغرافيا وتغيير هوية فلسطين بشكل منهجي، وذلك بعبرنة وتهويد مسميات أماكنها وتغييب العربية من منشوراتها ولافتاتها بالطبيعة.
أينما يجول في طول البلاد وعرضها يلاحظ الزائر أن المتنزهات والمواقع الطبيعية في الإصدارات الرسمية والمناهج التعليمية واللافتات الإرشادية في مسارات المشي تحمل أسماء عبرية وتسميات يهودية ويتم ذلك حتى في مواد التعليم المعدة لفلسطينيي الداخل ما يعني أن محاولات احتلال الوعي مزدوجة وترمي للتأثير على اليهود والعرب على حد سواء ضمن رؤية شاملة لتهويد المكان وروايته. ويفيد تحقيق «القدس العربي» أنه على سبيل المثال تعتمد السلطات الإسرائيلية اسمي «يروشلايم» و «جروزاليم» بدلا من القدس بتسميات مواقعها الطبيعية في الكتب التعليمية والإرشادية والخرائط والشوارع. ويتكرر الأمر في المتنزهات والمزارات المعروفة في إسرائيل بـ «الحدائق الوطنية العامة» حيث تحوّر التسمية العربية لأخرى عبرية. وهكذا انقلب اسم القرية الفلسطينية صفورية إلى تسيبوري والحمة السورية إلى «حمات غدير» ومحمية العشرة صارت تدعى «حورشات طال» ومتنزه تل القاضي استبدل اسمه بـ «تل دان» وغيرها عشرات المواقع في الجليل أما متنزه «عين السودا « بجوار بيسان فبات يسمى عين «حوجلاه». وفي إيلات تم محو كل أثر لأم رشراش قرية الصيادين الفلسطينية التي احتلت في النكبة ضمن احتلال النقب في ربيع 1949. وبحكم قانون تم سنه قبل سنوات تمت عبرنة التسميات على اللافتات في الطرقات والميادين العامة فتذكر التسمية العبرية للمكان بحروف عربية. على سبيل المثال فإن مدينة عكا تظهر في اللافتات بعربية مشوهة «عكو» وكذلك صفد تظهر بتسميتها العبرية «تسفات» ومدينة الناصرة «نتسيرت» ومدينة بئر السبع «بئير شيفع» ومدينة عسقلان «أشكلون».
الأنهار والجبال
وفي الوقت نفسه، تستكمل عبرنة أسماء الجبال، فجبل فقوعة صار يدعى جبل الجلبوع، وجبل الجرمق أصبح جبل ميرون، وجبل الشيخ سمي بجبل حرمون الخ. ولم تسلم الأنهار والبحيرات أيضا من التزوير، فنهر العوجا النابع من كفر قاسم على حدود الضفة الغربية استبدل بـ «اليركون» ونهر المقطع الذي يصب في خليج حيفا بات نهر الكيشون، كما فرض اسم «طفيريا» على مدينة طبريا أما بحيرتها فصارت يام كنيرت، بينما يطلق اسم يام هميلح على البحر الميت وهذه عينات من مئات بل آلاف النماذج. وكانت إسرائيل قد بدأت بطمس الهوية العربية للبلاد مبكرا وبقوة القانون، حيث سنت قانون التسميات عام 1951 بمبادرة رئيس وزراء إسرائيل الأول ديفيد بن غوريون، لكنها تصعد تطبيقه بشكل محموم تزامنا مع تفاقم هوس «يهودية الدولة».
أساليب نحت التسميات العبرية
يذكر أن بعض الباحثين الإسرائيليين ممن يخالفون الرواية الإسرائيلية الرسمية يرون أن عبرنة إسرائيل لأسماء الأماكن هي استمرار لما قامت به في النكبة عام 48 وأنها عملية احتلال للتاريخ بعد السيطرة على الجغرافيا. في كتابها «في جوانب الطرقات وعلى هامش الوعي» الصادر عام 2008 تتهم الباحثة الإسرائيلية نوجا كدمان إسرائيل باستكمال السلب والنهب والتدمير عبر حشرها القرى المهجرة (418 قرية) في الثقافة اليهودية. واستنادا إلى مراجعتها أرشيفات لجنة التسميات التي أقامتها إسرائيل في مطلع خمسينيات القرن المنصرم تبين كدمان بالتفصيل اختراع تسميات عبرية للمواقع، خاصة تلك التي يرتادها الطلاب، وتقول إن بعض الأسماء توراتي وبعضها الآخر عبارة عن تحوير للاسم العربي فقط. وتصف هذه السياسة بأنها محاولة ماكرة لاحتلال وعي الأجيال لدى اليهود والعرب ولطمس الحقيقة التاريخية.
العربية مفقودة
وفعلا خلال تجوالنا في كل المواقع الطبيعية في البلاد، بين القلاع التاريخية في قمم الجبال وسواحل البلاد والشلالات المتدفقة في ربوع الجليل وعلى ضفاف الأنهار وطواحين الماء التراثية يلاحظ بوضوح أن ما يعرف بـ «سلطة حماية الطبيعة والحدائق» الإسرائيلية، تميز ضد اللغة العربية في منشوراتها المختلفة. وإذا فحصنا المحتوى، وليس الشكل فقط، سنجد أنه تم في الواقع استبعاد وتناسي ثقافة وتراث حتى فلسطينيي الداخل رغم كونهم مواطنين فيها رسميا.
يستنتج من مراجعة عشرات اللافتات والمنشورات أن السلطة هذه تقدم معلومات شاملة وتفسيرات مفصلة عن المواقع التاريخية القائمة في المحميات التي تديرها بيد أنها تقزم كل ما له علاقة بالتاريخ الإسلامي-العربي وبالهوية الفلسطينية. على سبيل المثال فإن الطفل العربي الذي يزور محمية أربيل بجوار سهل حطين غربي طبريا لن يعرف أن الاسم العربي للوادي هو وادي الحمام، لأنه تم تقديم التفسير باللغتين العبرية والإنكليزية فقط. ومن سيخبره عن معركة كبيرة ومشهورة وقعت في القرن الثاني عشر في هذا المكان، حيث هزم صلاح الدين الأيوبي الصليبيين الذين حكموا المنطقة؟ طبعا، ليس «سلطة الحدائق الوطنية».
هكذا غابت حطين
صفحة المعلومات التي يجري توزيعها عند مدخل المحمية (بالعبرية والإنكليزية) تصف بالتفصيل نشاط الحشمونائيم في المنطقة والكنيس القديم، لكنها لا تذكر تلك المعركة الشهيرة ولا قبر النبي شعيب القائم في المكان المقدس للفلسطينيين الدروز. وبطريقة مماثلة، من الممكن أن نرى في كثير من صفحات المعلومات أن «السلطة» تركز وتتعمق في التاريخ اليهودي، بينما تتعامل بتواضع كبير، لا بل تتجاهل الأحداث والمواقع التاريخية لشعوب وديانات أخرى. في قيسارية المدينة الأثرية المدهشة المطلة على البحر المتوسط ما زال منتصبا مسجد تاريخي من فترة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان تم تحويله لمطعم ومن حوله تشكيلة آثار إسلامية كثيرة، لكن الشروح في أغلبيتها الساحقة متركزة في تاريخ البيزنطيين. هذه السياسة، تنتقص، طبعا، من معرفة ومتعة كل زائر لتلك المحميات، ولكن بالنسبة للمواطنين العرب، في كثير من الأحيان فالمقصود هو تجاهل وطمس متعمدين لثقافتهم وتراثهم. يشار إلى أن التصور السائد لدى الجمهور، أن الغرض من إنشاء «سلطة المحميات الطبيعية والحدائق الوطنية» هو العمل على الحفاظ على الطبيعة وحماية الحيوانات والنباتات. لكن الحقيقة أن رؤيتها وأهدافها، كما يحددها القانون، هي أوسع من ذلك بكثير وهي في الأساس سياسية. لقد حدد قانون الحدائق الوطنية، الذي تعمل بموجبه السلطة، قائمة طويلة من الأهداف، بعضها في مجال الحفاظ على الطبيعة، ولكن إلى جانبها سلسلة من الأهداف الاجتماعية والتعليمية والسياسية المبطنة والهادفة لتهويد المكان.
علاقة الإنسان بالمكان
وتنعكس هذه الأهداف في رؤية السلطة، كما تنشر على موقعها الالكتروني: «سلطة الطبيعة والحدائق على قيم الطبيعة والمناظر الطبيعية والتراث، وتربط بين الإنسان والمكان من خلال الصلة والانتماء إلى أرض إسرائيل بروح قيم إعلان الاستقلال». وكتب، أيضا: «تعمل السلطة على المحافظة على المظهر الفريد للأجزاء المختلفة من البلاد وإدارتها بما يعود بالنفع على سكان البلاد بأسرها للحفاظ على قيم التراث والثقافة البشرية في الحدائق الوطنية والمحميات الطبيعية». هذا رسميا لكن على الأرض يطمس كل ما هو مرتبط بهوية المكان الأصلية بشكل منهجي مثابر.
أهداف ماكرة
ويرى فلسطينيو الداخل أن المشروع ينطوي على عملية تهويد جديدة للمكان ومحاولة تعسفية لاحتلال وعي اليهود والعرب معا إنطلاقا من الرؤية الصهيونية التقليدية. ويرى المؤرخ جميل عرفات أن المشروع يهدف إلى تحقيق «أهداف ماكرة ضمن عملية سطو غير مسلح» على المكان، وهو سطو ظاهره جغرافي- ثقافي وجوهره سياسي. ويشير لـ «القدس العربي» إلى أن إسرائيل لا تكتفي بعبرنة التسميات بل تبادر لنسج أساطير تاريخية يهودية حولها، بحيث تكتب وتروى بأسلوب سردي روائي جذاب لإعادة تشكيل وعي الشباب اليهود. عرفات(82) وهو خبير بتاريخ القرى المهجرة داخل أراضي 48 يقول إن هذه المحاولات تتصاعد ضمن مجهود الصهيونية لبناء علاقة وجدانية بين الإنسان اليهودي والمكان، بهدف تهيئته للدفاع عنه حينما يلتحق بالجيش، وفي المقابل تسعى السلطات الإسرائيلية لخلق حالة اغتراب بين الفلسطينيين والمواقع الطبيعية لإضعاف الهوية الوطنية.
ويستشهد بمقولات الشاعر الراحل محمود درويش «الأرض تورّث كاللغة» و» يا خوف الغزاة من الذكريات» ودعا إلى زيادة الاهتمام بالعربية واستغلال كونها لغة رسمية في إسرائيل منذ قامت وتعويض الجيل الصاعد عما تحرمه السلطات الإسرائيلية الرسمية منه كجهاز التعليم وسلطة الحدائق الوطنية. ويؤكد رئيس لجنة متابعة التعليم العربي في الداخل محمد حيادري وعيه بخطورة المخططات الإسرائيلية، ويقول لـ «القدس العربي» إن لجنته تعمل بقدر ما تتيحه إمكانياتها على صيانة الهوية والذاكرة الجماعية. ويتابع «نعمل أيضا على الاستعانة بوسائل الإعلام لفضح عمليات التزوير وللمحافظة على التسميات العربية».
كما تقول الناشطة الأهلية المحامية جميلة هردل – واكيم إنها تنبهت عند زيارتها محمية «الحاصباني» في الجليل الأعلى إلى المطوية الموزعة للزائرين ووجدت أنها تخلو من العربية. وتوضح لـ «القدس العربي» أنها بعد انتهاء النزهة راجعت كافة مواقع «سلطة الحدائق الوطنية» على شبكة الانترنت ووجدت أن العربية مفقودة. جميلة هردل – واكيم التي تدير جمعية «مواطنون من أجل البيئة» تشدد على أن المضامين المتعلقة بالسكان الأصليين للبلاد قد تم شطبت بشكل دائم. وهي تتفق مع مراقبين كثر آخرين أن الهدف من هذه السياسة خلق شعور بالاغتراب بين الزائر العربي لهذه المواقع خاصة الأجيال الصاعدة رغم كونها جزءا من وطنهم.