تنشغل معظم القنوات العربية بقضايا الحروب والثورات في المنطقة، بينما ينشغل الشعب الفلسطيني بكتابة قصص جديدة لشهداء جدد ينضمون إلى سجل الشرف العربي بعيداً عن أضواء الاعلام وبعيداً عن اهتمام الفضائيات التي ضجرت من مشاهد تشييع أطفال ملفوفين بالعلم الفلسطيني.
ينشغل الفلسطينيون بإشعال انتفاضة فلسطينية جديدة، فثمة جيل جديد يدخل المعركة، لكنَّ أخبار الانتفاضة شبه غائبة عن وسائل الاعلام العربية والفضائيات، كما أنَّ بعض الصحف العربية لم تنشر منذ شهور ولو خبراً واحداً عن الحدث الفلسطيني على صفحاتها الأولى، والبعض الآخر يغيب الخبر الفلسطيني حتى عن صفحاته الداخلية، فالمسجد الأقصى والاعتداءات الاسرائيلية عليه والشهداءُ الذين يتساقطون من حوله لم يعودوا أكثر أهمية من خبر ولادة كيم كارديشيان أو تبرعها بألف حذاء، أو خبر صدور ألبوم غنائي للفنانة جيسيكا سمبسون.
لم يتغير الحدث، فالفلسطينيون هم أنفسهم لم يتغيروا ولم يتبدلوا منذ عام 2000 عندما اندلعت أم الثورات وأم الانتفاضات، لكنَّ وسائل الإعلام العربية هي التي تغيرت، والبوصلة هي التي باتت تؤشر إلى مكان آخر، فأخبار الانتفاضة الفلسطينية التي كانت تهيمن على ساعات البث والصفحات الأولى عام 2000 والأعوام الثلاثة التالية، أصبحت تظهر بالكاد عام 2015، ولم يعد المسجد الأقصى ولا الأرض المقدسة ولا الدم الفلسطيني أولوية بالنسبة لكثير من الإعلاميين العرب ومؤسساتهم.
أما الأدهى والأمرّ، فهو أن وسائل الاعلام الغربية أصبحت أكثر اهتماماً بالشأن الفلسطيني من تلك الناطقة بالعربية، فجريدة «التايمز» البريطانية (وهي صحيفة محسوبة على اليمين خلافاً لـ»الغارديان» مثلاً المتعاطفة مع بعض القضايا العربية) نشرت 16 مادة صحافية تتعلق بالموضوع الفلسطيني خلال الأسابيع الثمانية الماضية (خلال شهري أكتوبر ونوفمبر)، أي بمعدل مادتين أسبوعياً، بين تقرير وخبر ومقال، وهو ما يعني أن الصحيفة البريطانية تفوقت على العديد من الصحف العربية في تغطية الشأن الفلسطيني خلال الفترة المشار اليها.
التجاهلُ العربي للدم الفلسطيني لا يتوقف على وسائل الإعلام وإنما يمتدُ الى كافة المستويات الرسمية والإعلامية، وحتى الشعبية، فتظاهرة تنديد بالاحتلال أمام السفارة الاسرائيلية في إحدى العواصم العربية لم تعد تستقطب سوى العشرات من رافعي الرايات واللافتات الذين أصبحوا كمن يُغرّد خارج السرب، والاعتداءات على المسجد الأقصى التي كانت تدفع بمئات الآلاف إلى الشوارع في العواصم العربية لم تعد تستفز العرب ولا تستنفر هممهم للخروج بتظاهرة.. وفي دولة مثل مصر نجد أن العشرات من شبيحة النظام الإعلاميين الذين يدافعون اليوم عن حصار قطاع غزة، ويطالبون إسرائيل بإعادة قصفه، كانوا بالأمس القريب يتاجرون بالقضية الفلسطينية ويتظاهرون بأنها همَّهم الأول، لنكتشف بأنهم كانوا كذلك لأن «الموضة» حينها كانت «القضية الفلسطينية»، ولأنهم لم يكونوا يرتبطون بأي مصالح مع نظام مبارك، وإنما كانت مصلحتهم في التطبيل فقط للفلسطينيين!
أما على المستوى الرسمي فقد تركت الأنظمة العربية الفلسطينيين وقالت لهم بوضوح: «إذهب أنتَ وربكَ فقاتلا إنا هاهنا قاعدون»، ليظلَّ قطاعُ غزة تحت حصار عربي اسرائيلي مشترك، بينما تظلُ السلطة الفلسطينية رهينة للاحتلال، لا بل يروج بعض العرب اليوم في العالم بأن الرئيس محمود عباس فشل في تحريك عملية السلام، ويقومون بالتحريض ضده في المحافل الدولية، أي أن النظام الرسمي العربي أصبح معادياً للفلسطينيين على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم وانقساماتهم!
التجاهلُ الإعلامي العربي للفلسطينيين، مع التواطؤ الرسمي العربي ضدهم، يؤكد أن ثمة قرار عربي اسرائيلي مشترك لإجهاض أي انتفاضة أو تحرك ولو كان سلمياً، فاسرائيل لا تريد مزيداً من الفضائح على المستوى الدولي، كما لا تريد احتجاجات قد تدفعها للتراجع عن مشاريع التهويد والاستيطان وتغيير الواقع والديمغرافيا.
أما الأنظمة العربية، فبعضها يخشى من أن تؤدي الانتفاضة الى إنهاء الحرب الطائفية التي تأكل المنطقة، وهي الحرب التي تغذيها أنظمة عربية بعينها بكل ما أوتيت من قوة، وأن تعيد الانتفاضة ترتيب الأولويات في الشارع العربي، فيما تخشى أنظمة عربية أخرى من الحرج وهي التي تقيم علاقات حب وصداقة مع الاسرائيليين، وتجد أنظمة أخرى نفسها مشغولة في همها المحلي ومشاكلها الداخلية وليست في وارد تقديم الدعم للفلسطينيين في أي مواجهة.
خلاصة القول، إن الفلسطينيين وحدهم في المعركة بعد أن تخلت عنهم الأنظمة العربية ووسائلُ إعلامها، أما غياب أخبار الانتفاضة الفلسطينية عن نشرات الأخبار فلا يعني مطلقاً أنها غير موجودة، وعدم الاكتراث العربي بما يجري ليس معناه أن الحدث لم يعد مهماً، وما يمكن استنتاجه اليوم أن وسائل الاعلام مؤثرة فعلاً في الحدث الفلسطيني لكنها ليست المؤثر الوحيد كما كان يظن البعض في السابق.
٭ كاتب فلسطيني
محمد عايش