هكذا فُرش السجاد الأحمر لشكيب خليل!

حجم الخط
2

يكشف الجدل السياسي والإعلامي الحالي الصاخب، المصاحب لعودة شكيب خليل، الوزير الجزائري الأسبق للطاقة، للبلاد والاستقبال الرسمي الذي خُص به، عن عمق مأزومية اللحظة السياسية والمؤسساتية التي تمر بها الجزائر ومنقلب السلطة الجيلي الأخير، بعد الذي حصل في بيتها مؤخرا إثر اقتلاع دعامتها الثانية (المخابرات) واجتثاث قواعدها الخلفية الظاهرة منها والخفية.
ما أعطى مؤشرا إلى أن التمكين لمسألة تمدين الحكم، ونقل الجمهورية إلى تجربة ثانية في عمرها الفتي، قد لا يعدو عتبة خطاب الشعارات، وإلا فهل بالعبث بسلطة القضاء التي اتهمت شكيب خليل بالسرقة وتبديد المال العام وتشكيل عصابة أشرار، يُمدين الحكم؟

جيل تحرري يساري اجتماعي

قد يلزمنا سياق التحليل السياسي للموضوع، بعضا من الارتجاع لتجربة أجيال السلطة الأربعة التي استولت وتوالت على اقتياد الأمة إلى راهنها المسدود، عبر مقارنة زمنية تاريخية لتحصيل مقاربة موضوعية، تعطي التحليل مصداقيته وموضوعيته المرجوة. حقيقة ماثلة هي، أن السلطة في الجزائر لا تتبدل في تناوب أجيالها، سوى على مستوى مصلحة كل جيل الظرفية، مذ أخل بتراتبية الأولويات الكبرى التي كانت الإطار المؤسس لقواعد المسؤولية السياسية للبلاد، أولوية السياسي على العسكري، والداخل على الخارج، فاستدار الزمن السياسي الجزائري على خط سلطوي واحد، مشكلا فلكا للحكم، بل للسياسة كلها، خاصا بالجزائر، على اعتبار أن السلطة في الجزائر، هي التي تنتج السياسي وتفرز السياسة وليس العكس. فجيل السلطة الأول، المنقلب على شرعية الحكومة المؤقتة، كان تحرري الفكر وطني الروح، ولعله أفرط في تجسيد هذين البعدين إلى حد التوهم بأنهما خاصيته، فسحق كل ذي حلم وأفق مخالف، وراح يستأنس بأصدائه. وعلى علات الأحادية البومدينية، إلا أنها تمتعت بمنطق الدولة، من حيث طبيعة الرجالات، وطنية المشاريع التنموية واجتماعية الدولة، وفق أساس عقائدي تحرري فيه بعض ملامح التراثية للحركة الوطنية. لكن مصيبة هذا الجيل، وزيادة على احتكاره للوعي وطغيانه الفرعوني، أنه اختزل كاريزميا، ولم يتشبع المجتمع بقيمه المفرطة في (التحرر والوطنية) بسبب عدم رغبته في زرع بذور مجتمع سياسي منفلت من قبضته الأيديولوجية والأمنية، فانسلخت السياسة عن الوطنية ممارسة، بعد انسلاخها خطابا، فشاع في القاموس الاجتماعي مصطلح (البوليتيك) كمعنى للدجل والكذب والنصب، وهو ما فصل السلطة عن المجتمع بشكل مطرد، فصلا وانفصالا انعكسا سلبا على وعي الناس بأبعاد وآليات ودواليب سير السلطة والوطن معا، فتاه المركب بالجزائري الذي لم يعد يعي، من يقوده وكيف وإلى أين؟ كل ما هنالك، أنه ظل يستشعر حركة الموج تتعاظم تحت قدميه ويرى الأفق قاتما إذ يرفع رأسه إلى السماء، في غربة وجودية مطبقة.

السلطة الشاذلية وفقر الكاريزما

لترى حينها الشاذلية النور، وفق طقوس إنجاب السلطة في الجزائر، كوريث (تحرري – وطني) عن البومدينية، فرامت القطع مع فروعها، دون الأصول، فصار تيار الانتفاع، باسم الانفتاح، يرخي خيط العقد الاجتماعي للدولة، حتى انفرط بشكل عبثي ونهائي، فانزاح خطاب الاغتناء المجتمعي والجماعي الذي كان الأفق المحدد لسيرورة (السلطة – الدولة) لصالح اغتناء رجالات السلطة وحواشيهم، في لبرلة عمودية للدولة، ما صار يبعد المواطن عن الاهتمام بالوطن بعدما أبعده في السابق عن الاهتمام بالسلطة ثم عن السياسة، ومع حلول أزمة النفط الكبرى التي هوى فيها سعر البرميل إلى الستة دولارات عام 1986 خرج الموطن ليعلن غضبه، ولا يزال محللو قضايا الظل السلطوي القاتم في الجزائر يتساءلون عن الخيوط التي حركت ذلك الغضب.
ولكون تلكم الأسئلة لم تزل مطروحة تستدعي أجوبة، فإن ذلك يؤكد استحالة الطابع العفوي لما عُرف بأحداث أكتوبر 1988، وما تلاها من أحداث عصفت بمسار التنمية، وكادت أن تعصف بمصير الأمة، ويمكن الخلاص هنا إلى أن الخلل الكبير الذي عرفته عملية توريث السلطة من البومدينية إلى الشاذلية، هي أنه لم تأخذ فيها بالحسبان المرتكز الكاريزمي الذي ميز بين التجربتين، فالبومدينية هي بانية شكل السلطة حتى من قبل أن يتوج بعرشها سنة 1965 إثر انقلابه على بن بلة، فشخصية قائد الشاذلية الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد ليس لها من ألق بهرجة ما يمكنها من أن ترقى في السلم الكاريزمي، وهذا بالمعيار البومديني الذي تخلد في عقول المواطنين، بل تماهت السلطة فيه في أخيلتهم بشخص الزعيم لا بالمؤسسة، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مغزى تداعي رعاة المعبد، لشخص الشاذلي دون الشخصيات التي كانت أكثر بروزا وأكثر ألقا شعبيا إذ ذاك، بل إن السؤال عن رفض «البوتفليقية» وقتها لتكون الوريث الطبيعي للبومدينية يظل أكثر من ملح، والإجابة عنه قد تفيد في معرفة ما يحصل حاليا.

التمرد على التمرد

وهكذا تمردت الشاذلية على نهج الكاريزما الذي لم يتسن لها، وسعت لكسر دعامة المحور داخل بيت السلطة وجعله يقوم على قواعد عدة، فكانت الإصلاحات الدستورية والاقتصادية الكبرى التي قوت من الحاجة إليها وشرعنتها، أحداث أكتوبر 1988، فانفجرت إرادة المواطن في التعبير عن رؤاه وتوجهاته وأحلامه وآمانيه عبر فضاء تعددي، خارج عن مربط السلطة لأول مرة مذ سلمت التيارات الوطنية ميراثها النضالي التعددي لقيادة الواحد سنة 1954 في أكبر زلل للسياسي الجزائري، ظهرت أحزاب وجمعيات وتمدد خطاب النقد السياسي ليطال السلطة، فاكتشف الجزائري أن سلطة بلاده هي أكبر من الدولة وليس العكس. لكن تمرد الشاذلية بفتحها الإصلاحي للفضاء السياسي التعددي، لم يدم أكثر من ثلاث سنوات، حيث استثمر المحافظون في الضعف الطبيعي للتكوين السياسي لمختلف تيارات السرية، وشُجعت الفوضى والرغبة في التمرد على قواعد العملية السياسية، خصوصا لدى الاسلاميين الذي ألهاهم التكاثر المتوالي على مستوى القواعد الجماهيرية، عن الرؤية بروية وحكمة في طبيعة تكوين السلطة في الجزائر، ، وما يدور بداخلها من مخاض وتجاذبات وعن ولاءات رعاة المعبد في الداخل والخارج، فكانت نهاية ذلك السيناريو وبالا على الاسلاميين والسياسة والوطن ككل، بدخول البلاد في حرب أهلية ضروس دامت قرابة العقد.

«البوتفليقية» كاريزما ضد الطبيعة

لم تفلح السلطة المتمردة على تمرد الشاذلية على الكاريزما، في أن تعيد إنتاج نمطها الكاريزمي، أي تخليق صنم يعبدها وليس العكس، فارتجاعها للصدى الثوري الوطني من خلال استقدام بوضياف سنة 1992، واستشعار حالة التزاوج التي صارت تكتمل بين خطته للعودة السريعة للشرعية، وشعبيته المطردة في التزايد، عجلت بنهاية تجربته، وبذلك تبين أن الكاريزما في السلطة الجزائرية، إما أن تكون مؤسِسة للسلطة أو لا تكون، فالبومدينية نجحت لأنها كانت منتَجا بومدينيا محضا، فهو الذي أعاد صياغة بنى السلطة، بالتقليل أولا من هيمنة قادة جيـــش التحرير الوطني مقابل التمكين للضباط وصف الضـــباط الفارين من الجيش الفرنسي الملتحقــــين بالثورة في مراكز القيادة، بحجة تكوينهم العالي، وهو الذي أعاد بناء المؤسسات السياســـية وصاغ مشروع المجتمع عبر مدونة السبعينيات بميثاقها ودستورها، وعليه كان تأثيره الكاريزمي صحيحا وليس مصطنعا، فحالما جيء باليامين زروال كانت السلطة قد شكلت نفسها وانبنت على محور المخابرات، فطبيعي أن تتفجر العلاقات بينها فاستقال الرجل أو دُفع للاستقالة.
والغريب في الأمر أن رعاة المعبد السلطوي في الجزائر، اجتروا فشل التجربة البوضيافية، باستقدام بوتفليقة للرئاسة، محملا بإرث كاريزمي كبير للبومدينية، سرعان تسلقه وأطل من علياء طوده على الشعب مخاطبا إياه بلسان سبعيني مبين، حرك فيهم الأمل القديم والأوهام الخامدة، فسبَح الكل في فضائه بل سبّح بعضهم بحمده، ما شجعه على دخول حرب مواقع مع رعاة المعبد، فكانت أولاها القواعد المالية التي تأسست في خضم الحرب على الإرهاب، حيث ظهر بورجوازيون اغتنوا من البنوك العمومية بدعم من مختلف صناع القرار في غفلة عن الرقابة وانشغال المجتمع بتلك الحرب القذرة.
وبسحق الرئاسة لرعاة المعبد، وتكسير قواعدهم الخلفية المالية، والحصول على دعم خارجي ثقيل، عاد شكيب إلى البلد على السجاد الأحمر، معلنا عن نهاية المعركة باستسلام رعاة المعبد للآلهة، وتُوج أصحاب المال بعرش الســـــياسة، ليكونوا الجيل الرابع للسلطة الجزائر المستقلة، جيلا بلا إرث سياسي، ولا خصائص رجال الدولة، ما يعني أنه لا مستقبل أضحى للسياسة والسياسي بالجزائر، إلا إذا تفجر وعي مجتمعي آخر.

٭ كاتب صحافي جزائري

بشير عمري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية