هكذا يتم إنتاج التطرف والإرهاب في بلادنا

حجم الخط
8

بمشاهد القتل البشعة والمجازر الدموية التي تستهدف مدنيين أبرياء وأطفالا وكهولا وعجزة يتم إنتاج مزيد من التطرف والإرهاب، وتعمل آلة تفريخ العنف بكل نشاط، فيما لا يتعلم العالم، أو لا يريد أن يتعلم من تجارب الماضي، التي أنتجت تنظيم «القاعدة» ثم «داعش» وغيرهما من المجموعات التي تتبنى العنف وحمل السلاح وتؤمن بتفجير البشر والشجر والحجر.
ملايين المقهورين والمحبطين والموجوعين في العالم العربي والإسلامي أمضوا الأيام الماضية في مشاهدة القتل والدمار والعنف الذي دمّر مدينة حلب، وهؤلاء تداولوا تلك المشاهد في ما بينهم وسط حالة متفاقمة من القهر والإحباط، ووسط حالة من الشعور بالعجز وعدم القدرة على فعل أي شيء.. تداولوا صوراً لقاسم سليماني متجولاً في حلب، بعد صورة لعجوز ستينية تموت بين يدي زوجها أمام عدسة كاميرا يحملها شابٌ جائع بسبب الحصار، كما تداولوا صوراً لمُهجَّرين كتبوا على منازلهم «راجعين يا هوا» قبل أن يودعوها وهم أعلمُ الناس بأنهم لن يعودوا إليها، ولو عادوا فإنهم لن يجدوا شيئاً مما تركوه.. لكنهم كتبوا رسالة الأمل الوحيدة وذهبوا.
حالة القهر والإحباط التي تهيمن على الأمة بسبب سقوط مدينة حلب والمجازر التي شاهدوها من هناك، هي حالة القهر نفسها التي شعر بها ملايينُ العرب عندما عبرت الدبابات الأمريكية جسر الجمهورية في بغداد يوم التاسع من أبريل 2003، وهي حالة القهر نفسها التي شعر بها الناس يوم تسربت صور التعذيب والإذلال من سجن أبو غريب، وشعور الأسى والقهر نفسه الذي شعر به الناس عندما اقتحم شارون الحرم القدسي الشريف ودنَّس المسجد الأقصى المبارك ليبعث في عام 2000 رسالة الى الأمة مفادها: «أين أنتم؟».
محطات القهر والإحباط التي مرّت على أمة العرب كثيرة وعديدة، لا تتوقف على الصور التي جاءت من غوانتانامو وأبوغريب وسقوط بغداد وكابل وغروزني، ومجازر المسلمين في البوسنة والهرسك، ومذبحة قانا وقائمة المذابح والاغتيالات الإسرائيلية الطويلة في الأراضي الفلسطينية، فيما لا يرى المشاهد العربي أمام هذه المآسي سوى حالة من العجز والانكسار وانعدام الرد من طرف بلاده لما يجري.
محطات القهر والإحباط كثيرة، وهذه هي التي تنتج التطرف والفوضى والإرهاب، بسبب الرغبة الجامحة لدى المقهورين والمغلوبين بالانتقام والخروج من قوقعة المشاهدة الصامتة، فتنظيم «القاعدة» ظهر في أواخر التسعينيات من القرن الماضي على أنقاض المجازر الإسرائيلية في فلسطين ولبنان، وعلى أنقاض مجازر الصرب في البوسنة، ومجازر الروس في الشيشان، وبعده بسنوات ظهر تنظيم «الدولة الاسلامية» وكان وقوده الناجون من جحيم «أبو غريب» والراغبون بالانتقام للعراق ممن دمروه. وقبل تجربة «القاعدة» و»داعش» كانت الجماعات الإسلامية المسلحة قد ظهرت في مصر، في أعقاب سنوات عجاف أمضاها الإسلاميون في السجون، وفي أعقاب إعدامات جماعية استهدفت إسلاميين بدأوا مطالبين بالتغيير السلمي قبل أن يتحولوا إلى العنف، ليواجهوا القمع المتطرف للنظام بعنف وتطرف مضاد، وهو العنف الذي استمر لسنوات.
بعد المشاهد المأساوية المرعبة التي وصلت للعالم من مدينة حلب السورية، وحالة الشحن الطائفي المرعبة التي تمر بها الأمة، والاستقطاب الكبير بين أكبر طوائف المسلمين، فإننا لا نستطيع أن نتوقع خلال الفترة المقبلة غير المزيد من العنف والإرهاب والتطرف، لأن مشاهد القتل والتدمير والاستهداف على الهوية والقتل الطائفي ليست سوى مكائن لتصنيع التطرف وتدويره وترجمته سريعاً إلى عنف مضاد.
وخلاصة القول هي أن من يريد محاربة الارهاب في المنطقة فعليه أن يوقف الحرب المفتوحة التي تشهدها سوريا، لأن هذه الحرب تهدد بجر المنطقة بأكملها نحو موجة من العنف والعنف المضاد، وهذه حالة عابرة للحدود لا تتوقف عند دولة أو تعترف بسيادة، وإنما يمكن أن تمتد جغرافياً حتى تُغرق منطقة الشرق الأوسط برمتها في بحيرة من الدم.
كاتب فلسطيني

هكذا يتم إنتاج التطرف والإرهاب في بلادنا

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية